يوميات عُماني في جزر القمر

لـ


عن القمر وجُزره سأكتب .. عن أهله الذين يشبهوني وكأنهم أنا ، أو كأنني هم .. عن دشاديشهم البيضاء وكمتي الملونة .. عن قرنفلاتهم التي ترقبني وأنا أغذ السير في طريق أخضر .. عن موائدهم العامرة بالحُبّ والحَبّ .. عن مائهم الذي تهرقه السماء دون أن تدري أن الأرض كسولة .. سأفرك يدي باللانج لانج لتطير الرائحة من موهيلي حتى الردة .. سأكتب عن عينين مكحولتين بالفقد تتذكران أمجاد زمن غابر .. عن شمس تعرف متى تشرق بالضبط بدون واسطة، عن نور لا يعترف بالكهرباء .. سأكلل عنقي بورد النسوة المجللة وجوههن بالبياض والزغاريد .. سأفتح عيني على رجل يُحْمَل إلى الحياة في محفة موتى .. سأرسل قبلة هوائية إلى شاعر قمري علمني أن “الجبيرة توضع في العضو المكسور” .. سأستحم في بحيرة عذبة تنذر ماءها للزهاد .. سأسقط دلوي في بئر مليئة بالذهب  .

الأربعاء 12 يونيو 2013 : عرس سلطاني في دوموني

 عرس سلطاني

“العادات العربية تموت في بلاد العرب وتحيا هنا” ، هكذا لخص د. محمد المحروقي رئيس وفدنا إلى جزر القمر في كلمته إحساسنا نحن العمانيين ونحن نشاهد رقصات عمانية يؤديها قمريون وهم يرتدون زيهم التقليدي ، أي الدشداشة والكمة، متلفعين بعباءات خُضْر .. كان هذا حفل استقبالٍ مبيتاً من البارحة كما أخبرنا قاسم القمري مترجمنا الذي ينتمي إلى هذه المدينة الجميلة “دوموني” ، المدينة الثانية في جزيرة هنزوان بعد عاصمتها “ماتسامودو” .. لم تكن صدفة أن يحملونا إلى هذه الحارة بالذات التي يطلقون عليها هنا “حارة عُمان” ، نسبة إلى المسجد الذي بني فيها منذ مئات السنين واسمه “مسجد عُمان” .. لعله هو عينه المسجد الذي تحدث عنه الدكتور سيد هاشم في محاضرته في هنزوان وهو الذي قال انه أسسه العمانيون في القرن الثامن الميلادي ، ومع مرور الوقت سقطتْ العين من اسمه فتحول إلى “ماني” فقط .. أدخلونا بقايا قصر لأحد حكام عُمان كما قيل لنا ، ولم نجد كبير صعوبة في تصديق ذلك فقد كان طرازه المعماري يحاكي الطراز العماني بالفعل ، دهاليز تسلمنا إلى دهاليز أخرى كبيت جحا ، سلالم حجرية كبيرة .. وروزنات كبيرة  .. تذكرت كلام مهنا السعدي في محاضرته في موروني قبل يومين عن وضوح تأثير المعمار العماني في البيوت القمرية، في النوافذ والأبواب وغيرها .. وعندما خرجنا لفت نظرنا رجل يرتدي العمامة البوسعيدية وخنجرا فوق دشداشته وكأنه من الأسرة الحاكمة في عُمان فتناوبنا التصوير معه .. عرفنا أن هذا هو أحد الأزياء التقليدية لأهالي هذه الجزر .. كان الرجل كريما معنا .. احتملنا بصبر وأناة ونحن نصور معه واحداً تلو الآخر ولسان حاله يقول : “لا أصدق أنكم لم تصوروا مع رجل مثلي في بلادكم ” .. في الخامسة عصرا بدأ حفل الاستقبال بالرقصات والأهازيج الشعبية بينما النسوة ترقبن المشهد من أسطح المنازل ، ينظرن بحبور لرجالهن وهم يرحبون بضيوف منتَظرين .. صاحب العمامة السعيدية يقتحم المشهد بعرسه السلطاني .. ويا له من عرس هذا الذي يُحْمَل فيه العريس على محفة خشبية تشبه طارقة الموتى .. أربعة رجال يحملون الطارقة ويمشون بها بين الحضور كما يمشون بجنازة، بينما يتربع العريس بعمامته السعيدية و”بشته” وابتسامته الكبيرة على كرسي أعلى المحفة .. فهمنا بعد ذلك أن حمل العريس بهذه الطريقة مقصود لإرسال رسالة له بأنه غير مسموح له فك ارتباطه بزوجته إلا في القبر ، تماماً كالزواج الكاثوليكي الذي لا طلاق فيه .. لم تفت هذه الإشارة على السياسي الذكي حامد برهان – رئيس البرلمان القمري الذي يتبعنا أينما يممنا – عندما خاطب رئيس وفدنا بالقول “لأنك دكتور فلن يصعب عليك قراءة رسالة غير مكتوبة من هذا” ، وأضاف : ” انه عرس العلاقة العمانية القمرية ، هذه العلاقة التي ستستمر إن شاء الله إلى الأبد”

الأثنين  8 يونيو 2013 : “زواج كبير” في قاعة صغيرة

“مما يُروى أن الزواج الكبير جاءنا من عُمان” ، هكذا علق الدكتور نور الدين باشا أستاذ النقد الأدبي بجامعة جزر القمر وهو يعرض علينا رواية “مثل كل الأشياء الرائعة” .. كان لافتاً أن يحضر روائي سعودي في أمسية سردية عمانية قمرية .. ولكن إذا بطل العجب عُرف السبب .. فالرواية الصادرة عام 2004 لمؤلفها الدكتور عبدالله صالح العريني، والفائزة بجائزة المركز الوطني للتوثيق للبحث العلمي بموروني ، تقدم بشكل أدبي الحياة في جزر القمر وعاداتها والتي من أهمها عادة “الزواج الكبير” .. لم تكن هذه المرة الأولى التي أسمع فيها عن هذه العادة ، فقد سبق أن عرفتُ عنها قبل يومين من سعيد القمري ونحن عائدون في السيارة  – هو وسليمان الصقري ومحمد الحضرمي وأنا – من السوق الشعبي في فولو فولو .. يقول سعيد : “قبل حفلة الزواج الكبير يمنع المرء من ارتداء العمامة السعيدية ، ولا يُقدم في المجالس ، ولا في الصف الأول في الصلاة .. وقد يكون المرء تزوج منذ سنوات طويلة وأنجب أولادا كبارا ، ولكن لن يُعترف به أو يحظى باحترام ما لم يقم حفلة “الزواج الكبير” هذه التي هي بحق بمثابة إعلان إفلاس هذا المحتفِل ، فهو يدعو الناس من كل حدب وصوب ، ولا يكتفي بتقديم وليمة الغداء أو العشاء ، بل ويقدم لكل ضيف منهم مبلغاً من المال كمصاريف للتاكسي الذي سيعيده لبلدته ! “.. سأصدق الآن إشارة نور الدين باشا بأن هذه العادة وصلتهم منا نحن العمانيين ، خير من يتفنن في قصم ظهور الشباب بالمصاريف الباذخة ، الفرق فقط أن “زواجنا الكبير” وتكاليفه الباهظة تتم قبل أن يهنأ الشاب بزواجه كما لدى القمريين ، بحيث يبدأ حياته بدَيْن كبير قد تنقضي حياتُه قبل أن ينقضي .. ومن هنا بدأ تمرد الشباب على مثل هذه العادات البالية : لدينا في عُمان بإقامة حفلات الزواج الجماعي التي كان آخرها – قبل كتابة هذه السطور بأيام – احتفال عرس جماعي في صحم ضم أكثر من مائة شاب.. أما في القمر فإن هذه العادة في طريقها للتلاشي – كما يقول سعيد – بفضل الوعي المتنامي للشباب ، خاصة أولئك الذين أوتوا نصيبا من التعليم . ويضرب مثلا بشاب حاصل على ماجستير في الحديث من السعودية منعه أهل قريته من أن يؤمهم في الصلاة لكونه لم يقم حفل “زواج كبير”، لكن أقرانه الشباب دافعوا عنه وأقنعوهم أن هذه عادة بالية ..

          وإذا كان “الزواج الكبير” عادة رجالية ، فان ” مْسِندَانُ ” عادة نسائية ، وهو معجون أبيض تضعه النساء القمريات على وجوههن للزينة، شبيه إلى حد كبير بالـ”دهان” الأصفر الذي تضعه جداتنا العمانيات على وجوههن .. يقول سعيد القمري إن هذا الـ ” مْسِندَانُ” يستخرج من ثمر شجرة ويطحن ، ثم يوضع على الوجه لزيادة نضارته وتقوية النظر .. وكم من ” مْسِندَانُ” رأيناه في هذه البلاد ..

السبت 14 يونيو 2013 :  هل استعبدناهم ؟ 

” نيلسون مانديلا مات” .. قال بدر الشيباني ونحن نقتعد استراحة فندق ليزابو في موهيلي .. انه لأمر محزن أن يغادرنا هذا الرجل الأسطورة الذي علم العالم معنى الحرية .. لحسن الحظ لم يكن الخبر أكثر من “إشاعة واتسب” .. كل ما في الأمر أن حالته الصحية حرجة وهو يرقد في المستشفى .. عندما أعود إلى عُمان سأسمع وزير خارجية العالم بان كي مون يقول “إن العالم بأسره يصلي من أجل مانديلا” .. في هذه الفانية التي تعد نحو سبعة مليارات إنسان فان بشرا قلائل لا يختلف الناس بشأنهم ، منهم هذا الرجل التسعيني النحيل الذي قضى نحو ثلث عمره في السجن ليحرر أقرانه من عنصرية الرق والاستعباد .. الاستعباد صفة التصقت بالقارة السمراء ، لأن خيراتها كثيرة وأهلها فقراء ومصابون بالمرض ولجهل .. تكالب الاستعمار الفرنسي والبريطاني والبلجيكي على خيراتها واسترقُّوا أهلها ، ثم رموا التهمة على العرب الذين لهم وجود في أفريقيا منذ آلاف السنين .. عندما يقولون “العرب” فلا أشك أن العمانيين الذين كان لهم وجود كبير في أفريقيا منذ مئات السنين هم المقصودون .. هل حقاً استعبد العمانيون الأفارقة ؟! .. قال زميلنا المصري زين العابدين كمال مخاطباً أهل جزيرة موهيلي وهو يعض على حروفه : “أمضيت عشر سنوات أكتب عن تاريخ جزر القمر ، العمانيون جاؤوا إليكم بالخير والبركة .. لم يستعبدوكم “. قبلها بعدة أيام كان الباحث سليمان الحسيني صاحب الكتاب المهم “الحملات التنصيرية في عُمان” يقول في محاضرته بمبنى البرلمان بجزيرة انجازيجا بجرأة يُحسَد عليها : ” إننا لا نستطيع أن ننكر أن العرب والعمانيين كانوا يستعبدون الأفارقة ، ولكن ليس بالطريقة التي يصفها الغرب في مؤلفاتهم ، وهم – أي الغرب –كانوا أشد بشاعة في هذا الرق من العرب” ، وأضاف : “إن علينا لتجاوز هذا الأمر أن نمتلك شجاعة الاعتذار من الأفارقة على ما حصل” .. كلام كهذا أثار حفيظة بعض أعضاء الوفد الذين يرون أن في هذا تجنياً على الدور العماني في أفريقيا التي أدخلوا إليها الإسلام منذ القرن الثامن الميلادي .. وهذا التاريخ بالذات هو تاريخ دخول العمانيين جزر القمر ونشرهم الإسلام فيها في عهد الإمام الجلندى بن مسعود ، ويؤكد المسعودي في “مروج الذهب” أن مدينة كمبالو القمرية فتحت عام 828 م على يد الأزد الأباضيين .. استمر الوجود العماني في أفريقيا حتى مذبحة عام 1964، أي بعد 59 سنة فقط من وفاة تيبو تيب، هذا الرجل العماني الأسطورة الذي لعب دورا في ترسيخ الوجود الأوروبي في أفريقيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر .. لقد كان له نفوذه الواسع في البر الأفريقي، وقضى على بعض الحكام الزنوج وتحكم ببعضهم الآخر بشكل مطلق ، عزلا وتثبيتا، وذلك بغرض توطيد تجارته بالسيطرة المطلقة على مصادر العاج، خاصة ، وتأمين طرق تلك التجارة.. وقد نجح تيبو تيب في تأسيس وتوطيد النفوذ البلجيكي فيما يعرف بمنطقة الكونغو، من خلال تأسيس مدن متفرقة ورفع العلم البلجيكي عليها، ومن خلال استمالة الزعماء العرب والزنوج لهذا الدولة، وفرض العشور – حسب تيبو تيب – أو الضرائب على تجارة العاج…  كان د. محمد المحروقي مترجم سيرة تيبو تيب إلى العربية حريصا على تعريف القمريين به في الأمسية السردية بمبنى البرلمان .. لكن النص الذي قرأه من سيرة حمد بن محمد المرجبي  ( وهذا هو الاسم الحقيقي لتيبو تيب ) سيثير بعد ذلك تساؤلا نصف بريء من أحد الحضور .. يقول تيبو تيب فيما نقله عنه المحروقي : ” كانت المجاعة متفشية في ساحل مريما. عبرنا طريق (أوروري) باستخدام رجال من قبيلة (كينيا مويزي) ، الذين رفضوا عبور الطريق مما اضطرني إلى مفاوضة قبيلة (وزارامو) المعروفين بأنفتهم من الاستخدام لكنهم قبلوا لما عانوه في الفترة الأخيرة من الجوع والتعب . عمل عندي سبعمائة رجل ، غادرنا بتجارتنا زنجبار .كان طعام الحمالين الذرة التي نفدت في الطريق مما جعل الحمالين يقاسون ضغط الأحمال على بطون خاوية . وما إن وصلنا إلى مكامبا حتى اشتريت مؤونة تضمن عدم نقص التغذية على الحمالين مرة ثانية . وزعت المؤونة لكل شخص ما يكفيه مدة ستة أيام واحتفظت بالكمية المتبقية . في اليوم المضروب للسفر لم أجد الحمالين فقد تفرقوا في القرى المجاورة ، وقد هالني الأمر إذ لم أجد أحدا البتة . بعثت إلى أخي محمد بن مسعود الوردي وأمرته أن يلحقني ببندقيتي وملابسي وبمجموعة من الخدم … وبعد ساعات قليلة كانت لدي قوة من السلاح والرجال ، وفي الصباح توجهت إلى قرية الحمالين ، وجمعت كبار السن بها وأقارب الحمالين فبلغوا على الجملة مائتي رجل . ضرب أهل القرية طبولهم للتجمع فجاء الحمالون الذين رأوا ما صنعت فأظهروا لي الطاعة وعادوا معي . واصلت الطريق لتجميع الحمالين فجمعت ثمانمائة رجل . لقد لقبوني بعد هذه العملية بـ (كينجوجوا) أي الضبع الأرقش ذلك الوحش الذي ينقض خاطفا هنا وهناك . وأطلقوا لقب (كومبا كومبا) على أخي وهو لقب يطلق على الشخص الذي يفتك بكل أحد ” .

ما إن فرغ أبو ميسون من قراءة هذه اليومية التيبوتيبية حتى باغته الباحث عبدالله الغافري بسؤال : “هل كان الحمالون عبيدا؟” .. نفى المحروقي بشدة ، مؤكدا أنهم لو كانوا عبيداً للمرجبي لما تفرقوا في القرى المجاورة بدون علمه ، ولما لاقى مشقة في تجميعهم .

 

الأحد 9 يونيو 2013 : الرقص في امبيني

 الرقص في امبيني

نحن اليوم مدعوون لحفل غداء في بيت الدكتور حامد كارهيلا ، السفير والدبلوماسي السابق في جزر القمر ، وقبل هذا الباحث المتمكن الذي أخرج للمكتبة العربية كتابين مهمين عن العلاقات القمرية بحكام دولة البوسعيد ، وعن السلطانة جومبيه فاطمة .. تبعد “امبيني” عن موروني العاصمة سبعين كيلومترا فقط ، ولكن لا يظنن ظان أن الطريق إليها قصير .. في الطريق توقفنا في مدينة باغوي ( أو بانجوكوني حسب النطق الفرنسي ) .. إنها مدينة أسسها قبل مئات السنين رجل عماني من صور اسمه سالم .. كان أهلها فرحين بنا واستقبلونا بالأهازيج ، وعلمتُ من مرافقنا في الرحلة أن الرقصة الصورية التي شاهدناها في حفل افتتاح الأيام الثقافية العمانية القمرية قبل يومين كانت من رقص هؤلاء .. وقفنا في صفين متقابلين في مجلس القرية حديثِ البناء .. كانوا يرحبون بنا بـ”السلام عليكم” و”كيف الحال” وبعض الكلمات العربية السهلة ،.. كانوا يشبهوننا تماما ، بتعبير أدق يشبهون أهلنا في صور حد التطابق وان لم يكونوا يجيدون العربية .. كلا، لم تكن مجرد دعابة أن يقول صديقنا المصور عامر فليت انه يشعر أنه في “العيجة” .. ولم تكن مبالغة أو محض دبلوماسية من محمد المحروقي عندما خاطبهم بالقول :”كأننا أسرة واحدة تفرق أعضاؤها ثم تلاقَوا بعد أمد طويل”، وليست شطحة أكاديمي أن يقول رئيس الفرع الهنزواني لجامعة جزر القمر بعد ذلك بثلاثة أيام أنه ” لو التقطنا بعض القمريين من الخارج وأرسلناهم لعُمان فلن يستطيع الناس هناك التفريق بينهم وبين العمانيين”.

          تركنا باغوي وغذذنا السير.. في الطريق توقفنا للتصوير أمام بحيرة لاكساليه ، لون مياهها كالح كلون البحر ، ومع هذا يقولون إن مياهها عذبة .. تقول الأسطورة القمرية إن أحد العباد الزهاد بلغ منه العطش مبلغا عند هذه البقعة التي كانت صحراء قاحلة ، وما إن رأى امرأة عجوزاً حتى توسل إليها أن تسقيه ، ولكنها رفضت رغم وجود الماء وتركته يواجه ظمأه ، فكان أن أجرى الله تحته هذه البحيرة .. قلتُ لأحد سائقي الرحلة أن يصورني أمام البحيرة بحيث تكون في الخلفية ، ولكني اكتشفتُ بعد أن غادرنا أنني نسيت تضبيط الهاتف النقال فكان أن صور السائق وجهه ! .

          وصلنا امبيني في الساعة الواحدة والنصف ظهرا ووجدنا بانتظارنا في مجلس الدكتور كارهيلا مائدة عامرة بأطايب الطعام .. وبعد أن تلا الشيخ خميس العدوي دعاء الانتهاء من الأكل ، وتبادلنا الخطب المرحبة والشاكرة توجهنا إلى ميدان الاحتفال في امبيني .. حشد كبير من أبناء المدينة كانوا بانتظارنا ، والنسوة يسيجن ساحة الحفل بزغاريدهن .. أنشد أحد أبناء امبيني بلغة عربية فصيحة : ” في الأراضي القمرية ، جزر القوم النقية ، كم بدت شمس زهية ، في البروج العلوية” .. ثم بدأ الرقص .. رقص المضيفون أولاً .. ثم قام الدكتور كارهيلا حاملا عصاه وهو يتبختر كأسد نشوان ، تبعه المحروقي بعصا مماثلة ، ووراءهما سيف الحارثي ، الذي ما لبث أن سلمني عصاه فرقصتُ وتراقصتُ كسنجاب نشوان وأنا أنظر للنسوة المبتسمات في الشرفات ..

لقد كانت امبيني مدينة يشعر فيها المرء بالسعادة .

الأحد 9 يونيو 2013   : البحث عن حامد برهان

حامد برهان .. رئيس البرلمان القمري

يحدث أن يتأخر المرء عن حامد برهان .. يحدث أن يكون منهمكا في الصلاة فيفضل إكمالها في الغرفة 125 من فندق رتاج على الرد على المكالمة التي ترن بشدة … ويحدث ألا يكون حامد برهان بحاجة إلى برهان لإثبات أنه رئيس برلمان .. البارحة كان يعاتبنا أننا نحن العمانيين نسينا القمريين في زحمة انشغالنا بالتنمية ولقمة العيش .. ولكني كنت أصلي ، وﻻ أظنني بحاجة لبرهان لإثبات أن صلاتي أهم من برهان ..

لم تمض أكثر من ثلاث دقائق على الاتصال حتى كنت في بهو الفندق لأجد اللا أحد .. انشقت الأرض فابتلعت الحشد الذي كان يجعل “رتاج” يرتج بفوضاه … لا بأس .. أنا متعب من رحلة “امبيني” وهذه فرصة ﻷخلد إلى الراحة .. ولكن مهلا .. انه حامد برهان .. كيف يذهب هؤلاء الأوغاد بدوني !!.. ألم يستقبلنا يوم الجمعة في يوم إجازته ليقول إننا – نحن العمانيين – الذين علمناهم الحفاوة والكرم ؟! .. ألم يسمعوه يقول وهو تخنقه العبرة : “هل العمانيون الذين علمونا وربونا، نسونا ؟!”.. ألم يسألنا إن كانت الخارجية القمرية قد قصرت في استقبالنا وضيافتنا ليحاسبها في البرلمان ؟! .. أبَعْدَ هذا كله أتخلف عن دعوته ؟! .. تا الله ﻷتبعن هؤلاء الأوغاد في تاكسي … وما هي إلا دقيقة حتى وقف السائق أمام مدخل الفندق .. قلت له بإنجليزية مكسرة :

” i want  Hamed Burhan ” ..

بدا  أنه لا يعرف من هو حامد برهان ، ولا غرابة في هذا ، فلا كرامة لنبي في وطنه .. سألته :

“do you speak inglish?”

فهز رأسه بالنفي ..

“do you spesk arabic?”

هز رأسه مرة أخرى وأضاف:

“do you speak frinch?”

رددت بانجليزية فصيحة :” No”..

فكانت هذه كلمة السر .. فبمجرد أن نطقت الكلمة أشار لي بيده أن اركب .. لا بد أنه اهتدى لطريقة ما توصله لمنزل المدعو حامد برهان وإلا لما أمرني بالركوب .. يحدث أن يعرف رجلان أربع لغات كاملة دون أن يستطيعا التفاهم .. لا قمريته ولا فرنسيته قربته مني ، ولا عربيتي وانجليزيتي المكسرة هدته السبيل.، فأنا حتى نسيت معنى “رئيس برلمان” بالإنجليزي .. بعد أن سار مسافة دقيقتين سألته ليطمئن قلبي :

”  do you know were is Hamed Burhan ,s house

  رد كمن فهمني على الفور : No

قلت بعصبية : عب حال موه تقول لي : اركب ؟!!..

علي الآن أن أتصرف بحكمة وبدون عصبية .. فهذه بلده وهو يخبر طرقاتها ومنعرجاتها جيدا ، كما أنني سليل قوم كان لهم حضور فاعل في جزر القمر فنسوها لدرجة العتاب من رئيس برلمانها .. فليس عليهم الآن أن يتباكوا على هذا الحضور .. اقترحت عليه وأنا أعض على أسناني بما أوتيت من انجليزية مكسرة أن يقف ﻷسأل أحد المارة .. فما أكثر الذين يجيدون العربية في هذه البلاد لكن حظي العاثر هو الذي أوقعني بهذا “المتفرنس” .. وقفنا فوجدنا شابا أسمر يتمشى هو وحبيبته (أم تراها زوجته ؟! ) واتضح أيضا أنه “متفرنس” ولكنه لحسن الحظ يعرف حامد برهان على ما يبدو .. فبمجرد أن نطقت الاسم رفع يديه أعلى رأسه دلالة أن هذا الذي أسأل عنه رجل ضخم .. ثم سألني ليتأكد :  ?house  .. قلت :yes .. فتوجه إلى السائق وطفق يرطن كلاما قمريا كثيرا معززا بحركات يديه التي تشير إلى الاتجاهات فاطمأن قلبي أخيرا .. فقد بدا عارفا لمكان البيت بالضبط .. ركبت حبيبته بجانبي في المقعد الخلفي فيما يبدو انتهازا لفرصة وجود تاكسي ثم ما لبث أن غيرت رأيها وترجلت قبل أن يتحرك التاكسي ..

في الطريق كان السائق يتوقف ، على طريقة سائقي عُمان ، لكل من يرفع له يده ، حتى وان كان رجلا يتثاءب في الشارع في هذا النسيم القمري العليل الذي يغري بالنوم .. أربع لغات بيننا لم تستطع إفهامه أنني أريد هذه التوصيلة على حسابي! .. كنت أقضي الوقت باللعب في هاتفي وأنا أقول داخلي :” لا بد أن الأوغاد قد وصلوا الآن ” .. بعد حوالي ربع ساعة تخللتها عدة توقفات لحمل هذا وإنزال تلك وصلنا إلى منزل حامد برهان .. هكذا فهمت من إشارته لي بالنزول .. من فرط فرحتي سألته :

are you sure? …

وهبطت .. كان المكان مظلما بما لا يوحي أنها منطقة يسكن فيها رئيس برلمان .. توجهت والسائق ورائي إلى شابين يقفان على مقربة من المنزل ، واتضح أيضا أنهما لا يجيدان العربية .. ولكن بالإنجليزية المكسرة فهمت منهما أنه بالفعل منزل حامد برهان الذي خرج مع ضيوفه إلى مكان ما  لا يعلمانه ..

قلت لسائق التاكسي : أعدني إلى فندق رتاج

الخميس 13 يونيو 2013 : إلى موهيلي بطائرة خاصة

ليس إكليل ظنين عدواً للورد ولكن الرحلة إلى حديقة الزهور ضاعت بسببه .. وها نحن الآن نقاتل الانتظار في مكتب محافظ هنزوان أنيس شمس الدين لنودعه قبل أن نتوجه للطائرة الخاصة التي أمر بها فخامة الرئيس .. كان مفترضا اليوم أن نزور إضافة إلى حديقة الزهور بعض الأماكن التي بها مخطوطات على أن نغادر لموهيلي عصر غد الجمعة .. صباحاً أخبرنا المحروقي أنه تلقى اتصالا البارحة من موهيلي يخبره أن الرئيس اكليل ظنين أمر بتوفير طائرة خاصة تقلنا اليوم إلى موهيلي قاضماً بذلك يوما من أيام هنزوان ليضعه في أيام جزيرته التي ولد وترعرع فيها .. إن وراء الأكمة ما وراءها ، خاصة إذا ما علمنا أن هنزوان مازالت تسمي نفسها جزيرة هنزوان المستقلة .. قال حامد برهان الذي يتبعنا كظلنا أينما يممنا في الكلمة التي ألقاها في جامعة هنزوان : ” إن هذه الجزيرة عانت فترة من عدم الاستقرار ، وهؤلاء الشباب تقهقروا عشر سنوات إلى الوراء بسبب عدم الاستقرار” .. عشر سنوات للوراء تعيدنا إلى تأسيس جامعة جزر القمر في انجازيجا ، والتي صارت جامعة هنزوان اليوم فرعا منها..  وإذا ما عدنا القهقرى ست سنوات أخرى ، أي إلى العام 1997 ، سنتذكر أن هنزوان أعلنت في هذا العام انفصالها عن جزر القمر ورفعت العلم الفرنسي في عهد الرئيس الأسبق محمد تقي عبدالكريم الذي حاول إثناءها عن هذا الانفصال بالحوار ، ثم بالقوة ، ولكنه فشل … وفشلت محادثات مدغشقر في مارس 1999 بين الأطراف المتنازعة في جزر القمر ، والتي رفض خلالها الهنزوانيون التوقيع على اتفاقية المصالحة. مهد ذلك الطريق لرئيس هيئة الأركان عثمان غزالي للانقلاب على السلطة القائمة في العام نفسه ، ونجح في إتمام المصالحة عام 2001 قبل أن يقود البلاد لانتخابات مدنية فاز فيها هو نفسه رئيسا حتى عام 2006 .. عندما كنا نتجول في شوارع هذه الجزيرة بمنعرجاتها وحفرها الكثيرة التي تجعل السيارة ترقص كنا ندرك إلى أي مدى بالفعل تسبب انفصال هذه الجزيرة في تأخرها عن شقيقتيها انجازيجا وموهيلي .. أما شقيقتهم الرابعة مايوت فهي خارج المنافسة تماما ، لأن زوجة الأب ( فرنسا )  التي اختطفتها من أمها وشقيقاتها جعلتها في بحبوحة من العيش لدرجة أن راتب أصغر موظف فيها يعادل راتب مدير في جزيرة قمرية .. ونحن بانتظار إذن المحافظ بالدخول عاتبنا أحد أبناء مايوت على عدم وضعها في مخطط زيارتنا .. مايوت الآن مقاطعة فرنسية، وزيارتها تحتاج إلى تأشيرة من فرنسا ، ولكن هذا ليس عذرا كافيا ، فنحن فعلا لم نضعها في حسباننا من البداية .. أحد القمريين المجيدين للعربية علق قائلا إن فرنسا ستسمح لنا بزيارة مايوت ببساطة ، ولكنها بعد أن نعود أدراجنا لبلادنا سوف تُدخِل مسؤولي الجزيرة المنطلقين منها إلى مايوت في سلسلة من التحقيقات والمساءلات حول هذه الزيارة وهدفها ، ومن رتب لها ، ضارباً مثلا بقنصل سعودي في إحدى الدول الأفريقية رتب زيارة لمايوت سنة 2003 جعلت الفرنسيين يجرون تحقيقات حولها .. غير أن محمد المحروقي أوضح له أنه في ذلك التاريخ لم تكن مايوت مقاطعة فرنسية ، بل جزيرة قمرية محتلة ، ومن الطبيعي أن تستنفر فرنسا لأي وجود إسلامي فيها ، أما الآن ، وتحديداً منذ 1 أبريل 2011 عندما أعلنت فرنسا أن مايوت هي المقاطعة الفرنسية رقم 101  فالوضع بات مختلفا .

الجمعة 14 يونيو 2013 : تاريخ محنط !

باري زاهوشا يا أمي ، رغم أني رأيتك بعد الظهر .. باري زاهوشا لأن وجهك صبوح ومشرق وذاهب في الأمل ، وعيناك تشعان حياة، ولكن في مكان آخر ، عيناك بسهامهما اللامبالية ولسان حالهما : “لم يبق من العمر أكثر مما يكفي لابتسامة ساخرة”.. لعلك تسخرين في سرك من هؤلاء الحمقى الذين يستميتون الآن لالتقاط صورة معك وكأنك تمثال من رخام ، صورة تحنطهم معك في ألبوم ، كما حُنِّط من قبل مجدهم الغابر .. ليتني أستطيع أن أخترق هذا الحشد وأتحدث إليك قليلا .. ليتني أعرف بِمَ تشعرين الآن، وما سر هذه النظرة التي تشبه الموناليزا .. يا لهذه النظرة الغامضة الغارقة في البعيد .. تنظر إليَّ وهي لا تنظر إليَّ .. كيف دار الزمان عليك فأصبحتِ فرجة يا أمي، وأنت حفيدة السلطانة التي كان السلاطين يتهافتون لخطبتها .. ما هذه التجاعيد التي تسرد حكاية مُلك زائل .. من علمك هذه البسمة يا أمي ومدام درواة تحللت إلى تراب ! .. مدام درواة التي علمت جدتك السلطانة ابنة السلطان كيف تأكل وكيف تضحك وكيف تحب ..

ها نحن أكلنا وشربنا ما لذ وطاب في بيت الرئيس في موهيلي حتى شبعنا ، لكنني من عينيك لم  أشبع.. ما كل هذا الحزن ؟! .. وأيم الله لو أنهما تتكلمان لطفقتا تسردان حكاية مُلكٍ نزعتْه الأيام : كان يا ماكان، في قديم الزمان فتاة صغيرة اسمها سُودي مات أبوها السلطان فأصبحت سلطانة قبل الأوان.. وكان هناك فرنسيون أشرار يتربصون بالسلطانة فأرسلوا لها مربية تعلمها كيف تكون فرنسية أكثر منهم .. وكانت السلطانة تحب المربية كأمها وتحب موهيلي، وكانت المربية تحب السلطانة كابنتها وتحب فرنسا، ولم يكن بمقدور أي قوة أن تفرّق بينهما إلا السم الزعاف .. ولما ماتت المربية تزوجت السلطانة. وكانت وفية لجميع أزواجها الذين تعاقبوا واحداً تلو الآخر : العربي البوسعيدي ، والأنجواني والملغاشي والفرنسي .. وكان أن ولدت من ضمن من ولدت سلطاناً اسمه عبدالرحمن .. وكان أن خلف هذا السلطان أبناء وحفدة، منهم هذه التي تنظر إليها الآن وأنت تقول : “باري زاهوشا يا أمي “.

السبت 15 يونيو 2013 :  وداعاً

الوفد العماني الزائر مع الرئيس اكليل ظنين

من المؤكد أن الذي أتى إليك أيتها الجزر الجميلة قبل تسعة أيام، ليس هو الذي يغادر مطارك الآن .. أودعك ممتلئاً بك، عاقدا العزم أن أكتب عنك .. عن أهلك الذين يشبهوني وكأنهم أنا ، أو كأنني هم .. عن  دشاديشهم البيضاء وكمتي الملونة .. عن قرنفلاتهم التي ترقبني وأنا أغذ السير في طريق أخضر ………

تمت .

باري زاهوشا : عبارة تعني باللغة القمرية : صباح الخير .

0 4958 16 ديسمبر, 2013 أدب, الرابع والأربعون ديسمبر 16, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.