ليس من زماننا.. عبد الله حبيب

لـ
عبد الله حبيب

عبد الله حبيب

 

هو عالم قائم بذاته.. رجل سادر في إنسانية بلا ضفاف.. يصدر عن شبع معرفي وعن شبع بالحياة، يجعله متساميا في ما يدونه من أثر في درب الحياة، في ذاكرة من سعدوا بملاقاته والتعرف عليه، إنسانا، وكاتبا، وناقدا، وأديبا.

إنه الأديب العماني عبد الله حبيب، الرجل المتشح دوما بالبياض، بياض اللباس وبياض القلب، وبياض اللسان الذي لا يصدر عنه غير الكلم الطيب، المتفهم، المقنع، العالم، الرصين.  تسكعنا كثيرا على ضفاف الخليج العربي، غير بعيد من مرابض طرفة بن العبد وامرؤ القيس، في ليالي بيداء الصحراء الممتدة بين بلده سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة، وكانت ضحكته تسبقه دوما في كل حديث وتعليق، تماما مثل طفل فرح بلقى نادرة.

وحين كان يجلس إلى فيلم سينمائي في قاعة مظلمة، كان ينزوي بعيدا، وحيدا، يعيش طقسه الخاص في التتبع والقراءة والتأمل.  وظل دوما واحدا من أكبر المنتصرين لفنية السينما المغربية التي يعتبرها صوتا خاصا لمدرسة فنية عربية مستقلة قائمة الذات، مختلفة جماليا عن كل تجارب السينما العربية.  وإن كنت أنسى، فإني لا أنسى كلماته العميقة التي أطلقها في قاعة السينما الواسعة بأحد مهرجانات دبي السينمائية الدولية، وكنت رفقته إلى جوار الناقد السينمائي المغربي مصطفى المسناوي الذي كلما رآه حبيب مد ذراعه نحوه بسبابة الاتهام هاتفاً مازحاً “يا مصطفى المسناوي لماذا لم تفتح الأندلس”؟! في إشارة إلى رواية المسناوي المعروفة “طارق الذي لم يفتح الأندلس”(وأشكر للمسناوي فضل تعريفي منذ زمن بهذا الأديب، والسينمائي، والناقد العماني)، وذلك بعد مشاهدتنا لأول عرض دولي لفيلم «البراق» للمخرج المغربي محمد مفتكر، الذي اعتبره فلتة فنية نادرة في السينما العربية الحديثة.  مثلما أنه ظل معجبا بتجربة نور الدين الخماري، خاصة في فيلمه «كازانيكرا»، وفيلم أحمد المعنوني «القلوب المحترقة».  ففي كل مرة، كان الرجل يصدر في تقييمه لها عن رؤية فنية وفلسفية عميقة، هادئة، محللة، عالمة، ومنصفة.
عبد الله حبيب، الشاعر أيضا، يقف دوما، تبجيلا للمنجز الفلسفي والفكري والنقدي المغربي، من موقع المناقشة ومن موقع الإنصاف والإغناء.  ولذلك، فإن تقديره للمغرب والمغاربة، صادر عن رؤية علمية معرفية دقيقة، هو المتخصص أصلا في مجال الفلسفة التي درسها في إحدى الجامعات الأمريكية (جامعة سان دييغو ستيت).

ولقد صدر قبل مدة عن دار الانتشار العربي البيروتية كتاب احتفائي بمنجزه الأدبي والفكري والنقدي بمناسبة فوزه بجائزة “الإنجاز الثقافي البارز” من “مبادرة القراءة نور وبصيرة” تحت عنوان دال جميل أطلقه الشاعر البحريني الرائد قاسم حداد: «ليس من زماننا.. عبد الله حبيب» بتحرير سليمان المعمري.

 هو «أصغر مرتزق في التاريخ» كما كان يفاكهه صديقه العزيز الراحل الشاعر الإماراتي أحمد راشد ثاني، وذلك استعادة لمأساة طفولته، حين غدر الموت به باكرا وسرق منه أحبة كبار لا يعوضون، وصار الطفل «يرتزق الحنان والسؤال» في خواء العالم.  من هنا سر ذلك الشبع الضاج في عينيه، والذي يقارب العبث.  فلا شيء يستحق، كما يظل يقول لي في منعرجات جزر صغيرة وموانئ صغيرة ببحر الخليج، هو العاشق للبحر، والصيد والسمك.  والكتاب الإحتفائي به، هو وفاء لعدد من كبار أصدقائه الخليجيين، والعرب، والأجانب، من شعراء، ونقاد، وفلاسفة، ومناضلين سياسيين، وسينمائيين، في كلمات غارقة في مداد التقدير والاعتراف المستحق عاليا للرجل، الذي أنا متأكد أنه سيكتفي كعادته حين يسمعها أو يقرؤها بأن يحني رأسه خجلا ويبتسم ابتسامته الطفل ويقول: “هل ضروري ذلك”؟.

نعم، هو ضروري، لأن الرجل الذي أصدر سنة 1993 كتابه الأول الجميل «صورة معلقة على الليل:  محاولات في السينما والسرد والشعر»، والعديد من الدواوين الشعرية بعد ذلك (آخرها في حدود علمي مجموعته الشعرية والقصصية «فراق بعده حتوف»)، وغير ذلك.   هو أول من ترجم كتبا نقدية سينمائية عالمية رفيعة ليس في الخليج فقط بل في العالم العربي، من قيمة كتاب «ملاحظات في السينماتوغرافيا» لروبير بريسون. وكذا مشاركته في أنثولوجيا الدراسات السينمائية بجامعة مينوسوتا الأمريكية، التي خصصها لدراسة معنى الرغبة الإيروسية كسرد للإمبراطورية كما تتجلى بفيلم «لورانس العرب» وهي دراسة يتم تدريسها منذ سنوات بجامعات أمريكية، وكندية، ونيوزيلندية.  وساهم أيضا في أنثولوجيا شعرية تشكيلية عالمية تحت عنوان «العالم الذي بين أقدامنا»، وينشر في كبريات المجلات النقدية السينمائية الإنجليزية.  ولكن لعل أهم ميزة في عبد الله حبيب هي الوفاء.
الوفاء لطفولته، الوفاء لذاكرته الغنية بتجارب إنسانية باذخة، الوفاء للأمكنة، الوفاء للمعرفة في معناها العلمي الرصين، الوفاء للصداقات التي تستحق أن تكون، الوفاء للصدق في الرؤية وفي الكلام وفي الكتابة.  جديا، عبد الله حبيب، ليس من زماننا، كما يقول عنوان الكتاب المحتفى به.  هو لقى نادرة من زمان معنى تليد، ربما مضى، ربما لم يصل بعد.

0 2114 08 يناير, 2014 الخامس والأربعون, ثقافة وفكر يناير 8, 2014
Avatar

عن الكاتب

كاتب سياسي وناقد سينمائي مغربي

عرض كل المواضيع التي كتبها لحسن العسبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.