الرق والرقيق في القرآن الكريم

من خلال استعراض آيات القرآن التي تعاملت مع مسألة الرق والرقيق يتبين أنها لم تشرع لهذه الظاهرة، وإنما تعاملت معها، فلم تأمر آيات القرآن باسترقاق أحد، وهذا التعامل كان مراعياً لخصوصية هذه الظاهرة وظروفها القاهرة، فكان الأمر بالرحمة والرفق حتى في العقوبة:

slavery

الرق والرقيق في القرآن الكريم

خالد بن مبارك الوهيبي

تعد مشكلة استعباد الإنسان لأخيه الإنسان من أقدم المشكلات التي عرفتها البشرية، وقدمها من قدم الجنس البشري، لذلك ظلت سارية عرفاً بشرياً لا نكران له لدى جميع الأمم والشعوب، أي أننا أمام ممارسات بشرية عمرها عشرات الآلاف من السنين.

لما نزل القرآن الكريم كان أمام مشكلة صنعها الإنسان من أقصى الأرض إلى أقصاها منذ عشرات الآلاف من السنين([1])، ومثل هذه المشكلات بسبب تغلغلها في الضمير والوجدان البشري تحتاج لزمن غير قصير حتى تقتلع من نفوس الناس، وكثير من الكتاب المعاصرين يصرون على أن القرآن شرع ظاهرة الرق، وهي تشريع زمني ظرفي ولت أيامه، وهذا دليل على وجود الظاهرة التاريخية في التشريعات القرآنية([2]).

وهذا الكلام من هؤلاء ناشئ عن قراءة سطحية للقرآن، وهو أيضاً ترديد لمقولات وردت في بعض كتب الفقه والتفسير، وهذه ليست هي القرآن، فإذا أردنا فهم القرآن لا بد من قراءة شاملة لآياته لاستجلاء رؤيته حول موضوع الرق دون خلطها مع رؤية تاريخية وردت في كتب التراث، لذلك أقول إن معالجة القرآن لمسألة الرق كانت من عدة وجوه:

اعتبار القرآن الحرية هي الأصل في الإنسان:

القرآن لم يشرع الظاهرة ولم يأمر بها:

تجفيف القرآن لمنابعها عن طريق سلسلة من التشريعات.

اعتبار القرآن الحرية هي الأصل في الإنسان

اعتبر القرآن أن الأصل في الإنسان الحرية، فالإنسان منذ بدأ الخليقة كرمه الله تعالى وأسجد له ملائكته وأعطاه القدرة على التعلم (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) البقرة:30-33، وبنو جنسه هم ورثة هذا التكريم الإلهي، فاسترقاق أحدهم خروج عن هذا الأصل، وقد اعتبر القرآن جنس بني آدم ممن كرمهم الله في هذه الأرض (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) الإسراء:70، والحرية هي من لوازم هذا التكريم، لأن الإنسان بالرق يفقد كل معاني التكريم بصيرورته عبداً.

وكذلك فإن خطاب التكليف القرآني هو خطاب للإنسان ذي الإرادة الحرة، فكل الأوامر والنواهي معلقة على الإرادة الحرة، قال الله تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) الإنسان:3، (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) البلد:10، فالاعتداء على حرية الإنسان هو اعتداء على أحد متطلبات التكليف الإنساني.

القرآن لم يشرع الرق ولم يأمر به

وهذا ملحظ مهم للغاية، فالقرآن تعامل مع هذه الظاهرة بواقعية تامة، على اعتبار أهميتها الكبرى من تعلقها بحرية الإنسان وكرامته وآدميته، وكذلك لعمقها وتغلغلها في التاريخ البشري.

من خلال استعراض آيات القرآن التي تعاملت مع مسألة الرق والرقيق يتبين أنها لم تشرع لهذه الظاهرة، وإنما تعاملت معها، فلم تأمر آيات القرآن باسترقاق أحد، وهذا التعامل كان مراعياً لخصوصية هذه الظاهرة وظروفها القاهرة، فكان الأمر بالرحمة والرفق حتى في العقوبة:

(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ واللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) النساء:25.

(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) المؤمنون:5-6.

تجفيف القرآن لمنابع الرق عن طريق سلسلة من التشريعات

وهذه التشريعات هي:

– المكاتبة:

وهي طلب الرقيق حريته مقابل أداء ذي قيمة مالية لسيده، (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ) النور:33، وهذه الوسيلة تعتبر الوسيلة الأكثر فعالية لحصول الرقيق على حريتهم، لا سيما إذا تحولت إلى إلزام لأصحاب الرقيق أن يكاتبوا أرقاءهم إذا طلبوا حريتهم، وهذا هو رأي جماعة من الفقهاء منهم (عمر بن الخطاب ومسروق وعمرو بن دينار وابن عباس والضحاك وعطاء وعكرمة والظاهرية أن الكتابة واجبة على السيد إذا علم خيراً في عبده، وقد وكلـه اللـه في ذلك إلى علمه ودينه، واختاره الطبري وهو الراجح؛ لأنه يجمع بين مقصد الشريعة وبين حفظ حق السادة في أموالـهم، فإذا عرض العبد اشتراء نفسه من سيده وجب عليه إجابته. وقد هم عمر بن الخطاب أن يضرب أنس بن مالك بالدرّة لما سألـه سيرين عبدُه أن يكاتبه فأبى أنس، وذهب الجمهور إلى حمل الأمر على الندب)([3])، وذهب عبدالله بن عبد العزيز إلى أن المكاتب يعتبر حراً منذ بدأ المكاتبة([4]).

– تحديد مصير أسرى الحرب بالافتداء أو إطلاق السراح:

بحيث تم القضاء على أكبر مورد من موارد الرق وهي الحرب، وهو المورد المتجدد الذي يرفد مجتمعات الرق باستمرار بالرقيق من الرجال والنساء والأطفال، لذلك كان البيان القرآني حاسماً مع هذه الظاهرة بحصر مصير الأسرى بالفداء أو إطلاق السراح، قال تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) محمد:4، لكن يبدو أن الفقه التاريخي ذهب بعيداً عن دلالات هذه الآية، وأقر مبدأ الاسترقاق من الحرب، وتم ذلك الأمر عن طريق ادعاء نسخ هذه الآية بآية السيف([5])، وهي قوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) التوبة:5.

– العتق:

جعل القرآن من عتق الرقاب المستعبدة كفارة لبعض الممارسات

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) النساء:92.

(لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) المائدة:89.

(وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) القصص:3.

وهي التشريعات بمجملها تحاصر ظاهرة الرق، فلا يجوز استرقاق الإنسان بسرقته أو وقوعه أسيراً في الحرب، وبالتالي لا يبقى سوى الرقيق الموجود من الفترات السابقة، وهذا بمرور الزمن سوف يحرر بالمكاتبة والعتق.

وهذا هو الذي كان مؤملاً أن يحصل لدى أهل القرآن من خلال فهمهم وتدبرهم للآيات المبينات، لكن الذي حصل أنه تم الالتفاف على هذه الدلالات جميعاً، وبدلاً من أن تضيق دائرة الرقيق حتى تزول في لحظة زمنية معينة؛ اتسعت وتضخمت، وغدت البلاد الإسلامية تعج وتضج بالرقيق من مختلف بلاد العالم، ولم تتوقف هذه الظاهرة إلا عندما قام الأوروبيون والأمريكيون بإلغائها في القرن بدايات التاسع عشر الميلادي، ثم صارت مع مرور الزمن تشريعاً في كل قوانين العالم([6]).

السؤال الملح الآن: إذا كانت التشريعات القرآنية تدفع باتجاه إلغاء الرق وتجفيف منابعه، فما هي القيمة التشريعية التي تبقى للآيات التي تحدثت عن الرقيق وأحكامهم؟.

القيمة التشريعية لهذه الآيات تكمن في عدة جوانب أهمها:

– أنها وثيقة ربانية تثبت أن وحي السماء هو الذي تجاوز بالبشرية معاني الرق والعبودية إلى معاني الرحمة والتحرر من عبودية الإنسان لأخيه الإنسان.

– أنها تشريع يكشف عن التعامل الواقعي مع ظواهر تجذرت في الضمير البشري، فرغم أن الدلالات القرآنية في مجموعها تدفع في اتجاه إلغاء الرق، إلا أنها في الوقت ذاته نظمت أحكاماً خاصة بالرقيق تتسم بمراعاة أوضاعهم الاجتماعية، وهذا المنحى التشريعي لو فقهناه لعرفنا كيف نتعامل مع الأوضاع الخاطئة التي تمر بها أمتنا.

– وهذا المنحى التشريعي في التعامل مع الرق هو المعتبر في حال انتكست البشرية وعادت لتشريع الرق من جديد، وهذا غير مستبعد مع حضارة مادية لا يحكمها سوى قانون المنفعة المادية، فيرجع العمل باتجاهين، التعامل الواقعي مع الرق بتطبيق أحكامه، والدفع باتجاه إلغائه وتجفيف منابعه.


[1] انظر: عبد السلام الترمانيني، الرق: ماضيه وحاضره.

[2] انظر: الصادق بلعيد، القرآن والتشريع، ص75-83.

[3] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج18ص219.

[4] انظر: الخراساني، المدونة الكبرى، ج2 ص193.

[5] الطبري، تفسير الطبري، ج10ص57.

[6] انظر: الموقع الرسمي لهيئة الأمم المتحدة ( http://www.un.org/arabic/slavery/background.shtml)

العدد الثاني ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

خالد بن مبارك الوهيبي