أم هود .. امرأة من ذهب

لـ

أم هود

” 1 “

تتفاوت قدرات البشر، حسب استعدادهم للعطاء ولخدمة الآخرين، لذا تجد أناسا منغلقين على أنفسهم، يمرون على الحياة مرور الكرام دون أن يتركوا أي أثر، لأنهم عاشوا لذواتهم فقط ورفضوا مبدأ تحمل أعباء الآخرين، وهناك أناسٌ آخرون نذروا حياتهم للآخرين، يعيشون من أجلهم أكثر مما يعيشون من أجل أنفسهم، هؤلاء هم الذين جعلهم الله سببا في تخفيف آلام الناس وتجفيف دموعهم ويشاركون الناس أفراحهم وأتراحهم، بل يتحملون في سبيل ذلك الصعاب، ولكنهم يفعلون ذلك ونفوسهم مطمئنة، وتلك هي صفات الأخت “شيخة بنت سليمان المحروقية – أم هود”، التي نذرت حياتها للعمل الخيري أكثر من 20 عاما حتى الآن، وهي التي دائما ما تستقبل ضيوفها بابتسامة صادقة، ولا تتعامل إلا بمشاعر دافئة، ولا تقطب وجهها لأي محتاج، بل تتعامل مع الكل بطيب خاطر، رغم كثرة المراجعين لها، سواء في المكتب الخيري أو في منزلها أو عبر هاتفها النقال، الذي لا يتوقف عن الرنين طوال اليوم.

” 2 “

لقد بدأت “أم هود” حياتها ببعض الأعمال التجارية البسيطة جدا، ولكنها أهملت التجارة بعدما رأت بأم عينيها الظروف التي تمر بها بعض الأسرة العمانية من فقر وحاجة، لذا بدأت في العمل التطوعي الفردي لمساعدة المحتاجين، وكانت بدايتها في ذلك بداية بسيطة، إلا أنّ الهمة العالية التي أظهرتها في هذا المجال، جعل اسمها ينتشر بين الناس، فأصبحوا يقصدونها من كل حدب وصوب، ورغم قلة ذات اليد، إلا أنها لم تتذمر ولم تتضايق، فقد كانت تردد “إنّ من يعرف ظروف الناس الصعبة، لا بد له أن يتحمل”، وكانت تقول “إن الله يفتح دائما أبواب الخير لمن يريد الخير للناس، فقد تمرّ علينا أوقات لا نملك بيسة واحدة، لكننا لا نيأس لأننا نثق في الله، ويفتح الله لنا في أوقات أخرى، فإذا فاعلو الخير يغدقون علينا الأموال”.

عندما ينشغل الناس بأفراحهم، فإنّ همّ “أم هود” ينصرف إلى جمع ما تبقى من الأطعمة والأشربة حتى لا يكون مكانُها “سلة المهملات”، لذا تقوم بالاتفاق مع أصحاب الأفراح بأن تجمع ما تبقى من الأطعمة وتوزعها على الفقراء والمحتاجين حسب كل منطقة، ويحصل هذا أيضا حتى في الأحزان، ولقد أبلت “أم هود” بلاء حسنا في الأجواء المناخية التي مرت على السلطنة سواء في “جونو” أو “فيت”، ولم يهدأ لها بال، طالما أنّ هناك متضررين يحتاجون إلى المساعدة، فقد واصلت الليل النهار وهي تساعد المنكوبين ضاربة المثل الأعلى في العطاء رغم شدة “الربو” الذي يلازمها، إلا أنها كانت سعيدة بما تقوم به.

في إحدى المناسبات، سألني أحد الشياب: هل أنت محروقي؟ قلت له نعم. قال هل تعرف “شيخة المحروقية – أم هود”؟ قلت له نعم أعرفها. قال والدموع في عينيه: “إنني لن أنسى فضل هذه المرأة ما حُييت، فقد أنقذت أسرتنا من الضياع، لأنّ عائلنا الوحيد وهو إبني تورط في ديون تجارية وحكم عليه بالسجن، وقد سخر الله لنا “أم هود” وسددت عنا المبالغ، وخرج إبني من السجن، وبدأ حياة جديدة”، وقد دعا الرجل لأم هود ذلك الدعاء الجميل، نسأل الله أن يتقبله، لأنّ “أم هود” بحاجة ماسة إلى الدعاء، وهي طريحة الفراش الآن في غرفة العناية بالمستشفى.

 لقد أحست “أم هود” بمعاناة الناس، لذا اتفقت مع بعض الشركات وبعض المحلات التجارية أن تعيّن بعض الشباب في الأعمال حتى ولو بصورة مؤقتة، حتى يتم تعيين هؤلاء الشباب، وقدمت كل مساعدة ممكنة للأسر العمانية، سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى الجمعيات الخيرية، إذ كانت إحدى مؤسِسات فريق “الخير” المنبثق من لجنة التنمية الإجتماعية بولاية السيب، أيام الأنواء المناخية، وقد توسّع نشاط الفريق ليغطي محافظة مسقط، ثم بدأ الانتشار تدريجيا في مختلف محافظات ومناطق السلطنة، وعندما زادت الأنشطة، أسست “أم هود” عام 2012، فريق “نداء الخير” ببوشر، وهو فريق تطوعي خيري، تحت مظلة لجنة التنمية الاجتماعية بولاية بوشر، بإشراف مجموعة من المتطوعين بهدف مساعدة الأيتام والمحتاجين، ورفع المستوى المعرفي والمعيشي للمجتمع؛ من خلال مجموعة من البرامج التي تدار من قبل أناس متخصصين في مجال العمل التطوعي، بخبرات تزيد على العشرين عامًا، ومن أهم أنشطة الفريق، تقديم الدعم المتواصل للأسر وما تحتاجه من دعم مالي وغذائي شهري وموسمي، وكذلك من خلال المساعدات الغذائية اليومية التي يقدمها الفريق، بهدف إدخال الفرحة والسرور إلى قلوب المحرومين والمعوزين.

وتتمثل رؤية ورسالة الفريق في تحويل المجتمع إلى مجتمع مُنتج؛ من خلال تقديم الخدمات الاجتماعية والرعاية الأسرية وتنمية القدرات واستغلال الطاقات لخدمة المجتمع؛ وبالتالي دفع الأفراد والأسر إلى تحسين مستوى دخلهم عن طريق تدريبهم على مهن وحرف يكتسبون من ورائها دخلاً، وتحويلهم من حياة الطلب ومذلة السؤال إلى كسب لقمة العيش بأيديهم.

يعتبر شهر رمضان عند “أم هود” شهر النشاط، إذ تقوم بتوزيع ملابس العيد للكبار والصغار، وتمكنت مع فريق “نداء الخير” من مساعدة عدد هائل من الأسر تجاوز الـ500 أسرة، إضافة إلى إفطار صائم لـ700 أسرة تقريبًا؛ وذلك في نطاق ولاية بوشر فقط، وللفريق مشروع رائد في كفالة أسر الأيتام وذوي الدخل المحدود والعديد من العمل الإنساني.

” 3 “

لقد قلت ل”حبيبة الهنائية” وهي تستعد لإصدار كتابها “حرائر الربيع” عن الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان، إنّ الكتاب يجب أن يتضمن شخصيات نسائية عمانية، لأنّ هناك في المجتمع العماني نساء نشطن في المجال الخيري والإنساني، وهو مجال يبقى للإنسان يخلد ذكره، وثوابه في الآخرة عظيم، وكان في ذهني تجربة “أم هود”، التي هي منظومة متكاملة، في عطائها وحسّها الوطني وبذلها من أجل رفع هموم المواطنين ورفع المعاناة عنهم، إنها صورة المرأة التي أنكرت ذاتها حبا في عمل الخير وحبا في الناس، لذا لم أكن مستغربا أبدا عندما سمعت أنّ النساء عقدن أكثر من جلسة دعاء في المساجد والمجالس، ليرفع الله عن “أم هود” المعاناة ويشفيها من مرضها، ويخفف عن أهلها.

نسأل الله أن يستجيب لدعاء كل من وقفت معه “أم هود”، وأن يخفف عن أهلها المعاناة، فما إن انتهى عزاء أخيها الشيخ “عبدالله بن سليمان المحروقي” إلا وتدخل هي العناية المركزة، ولقد كان أخوها الراحل، عمودا من أعمدة جامع السلطان قابوس في روي، ولا أستطيع أن أتخيل الجامع الآن بدونه، ولا أستطيع أن أتصور فطور شهر رمضان بدونه، ولا أدري كيف سيفتقده المصحف الذي كان يعكف عليه ساعات يوميا.

إذا كانت “أم هود” امرأة من ذهب، فإنّ ذلك هو مجرد تشبيه، فهي أغلى من الذهب، ولا يمكن أن تقاس بأي معدن من المعادن، لأنّ معدنها نفيس ونادر.

0 4034 28 يناير, 2014 أدب, الخامس والأربعون يناير 28, 2014
Avatar

عن الكاتب

كاتب وإعلامي عماني Zahir679@gmail.com

عرض كل المواضيع التي كتبها زاهر بن حارث المحروقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.