بين النصف الفارغ من الكأس و النصف الممتلئ منها

لـ

 

 

هل سمعتم بهذه المقولة: “انظر إلى النصف الممتلئ من الكأس و لا تنظر الى النصف الفارغ منها”؟ لا أظن أن هناك من سينفي سماعها. فهذه المقولة نرددها كثيراً و في مختلف الأوقات و الأحوال و العلوم. فستسمعها في علم النفس و في علم الاجتماع و في علم الإدارة  ومن على المنابر و في مواقع أخرى كثيرة. و هذه المقولة تحمل معنى عميقا و هي ذو مغزى تربوي و نفسي تحث الإنسان على أن يكون إيجابيا في حياته و تستثيره في أن يتلمس النقاط المضيئة في الأمور التي يعيشها. و هذه الإيجابية لها الكثير من الفوائد على الفرد و المجتمع و الأمة. و من هنا نجد أن تداول هذه الكلمة في المجالس الطيبة كثير، حتى أنها كادت تصبح مطلبا أساسيا في كل ناحية من نواحي الحياة أو مُسَكِّناً مهما في الأزمات و الفساد و تَحَمُّلِ المظالم و العديدِ من الصور الحياتية التي لا تُعَدُّ و لا تُحصى. فالمطلوب فقط هو النظر الى النصف الممتلئ من الكأس.

هذه المقولة: “انظر إلى النصف الممتلئ من الكأس و لا تنظر إلى النصف الفارغ منها” تحمل وجهي عملة، الوجه الأمامي و الوجه الخلفي لها. إلا أن واقع الوجهين الأمامي و الخلفي بالنسبة للنصف الممتلئ و النصف الفارغ لا يحملان نفس الوزن أو إنهما بشكل أدق لا يعبران عن نفس الثقل المعبر عنه في العملات النقدية. الوجهان الإجتماعيان يختلفان في أوزانهما باختلاف المواقع و الأزمنة و الظروف و يخضعان لتأثيرات متعددة تتصل بالظواهر الإجتماعية و الإنسانية. فعلى الصعيد الفردي المادي فإن هذه المقولة تريح الإنسان حينما توجه اهتمامه نحو شكر النعم المادية التي اكتسبها بالطرق السليمة، و تحصر سعيه في المال الحلال لأن الرزق ينحصر بين عاملي السعي الإنساني و التوفيق الإلهي. أما على المستوى العلمي فإن هذه المقولة قد تجعله ينظر الى واقعه العلمي المحدود أي النصف الممتلئ و تنسيهه أثر عوامل التعرية و التبخر اللتين سرعان ما ستقضيان على هذا النصف الممتلئ من الكأس، فلهذا لا بد أن يشحذ هممه في تحقيق التوازن ليبقى كأسه -على الاقل- في منتصفها. أما على الصعيد الإجتماعي و السياسي فإننا كعالم عربي و وعالم مسلم كل ما عملناه هو تغنينا بالنصف الممتلئ من الكأس حتى تبخر و لم يبق له أثر سوى في قصائد الشعراء و كلمات الأدباء. و تجلت جدارتنا في أسلوب التغني بالنصف الممتلئ و التي بسببها تراكمت علينا الكثير من صور الفساد الإداري و المالي و لم نعد نشعر الا بظمأ للارتواء. لكن.. قد لا يكون هناك و جود للنصف الممتلئ من الكأس!

الكأس قد تكون ممتلئة بمختلف القيم و بالمقادير الكسورية التي نعرفها في مجال الرياضيات إلا أن تركيزنا الدائم في الحياة هو على النصف أي الـ “50%”. و هذا التركيز النصفي غير العادل قد يكون السبب في أننا نرى للأمر وجهتين متساويتين أي أن مستوى الخير في الأمور يساوي مستوى الشر. و هذا الواقع الإيحائي للظاهرة الإجتماعية تجعلنا نقول: “حمدا لله على أننا ما زلنا في خير”. لكن عوامل طغيان الشر على الخير أقوى و أكثر نفوذا و لنا في التاريخ شواهد و عبر. لهذا ففي القاعدة الحياتية هناك جزء الفارغ من الكأس بأي مقدار كان و جزء أخر ممتلئ من الكأس بمقدار أي كسر من الكسور و إن لم يتم تداركه فقساوة الطاقة الحرارية ستكون الأسرع الى امتصاصه.

طالعتنا صحيفة الزمن بعدد من المخالفات في بعض المؤسسات الحكومية و الخاصة. و من هذه المخالفات التي استرعت اهتمامي هي ما يخص شؤون التعليم العالي و المتعلق بالبعثات الطلابية. حينما أمر صاحب الجلالة بمكرمتة السامية بتقديم خمس مائة بعثة دراسية إلى الخارج، كتبت مقالا تحت عنوان “أبـناءَنا المبتعـثـين ..عينُ الله ترعاكم” و تم نشره في جريدة عمان، و كان تركيزي في المقال على الجزء الممتلئ من الكأس. و هذا الجزء الممتلئ من الكأس استقطب اهتمام الجميع بحيث انه أَنسَانا الأثر الذي من المحتمل أن تلعبه الطاقة الحرارية في تبخر ذلك الجزء الممتلئ. و هكذا أثرت عملية التبخر على الكثير من أركان تلك المكرمة السامية بسوء الإدارة و عدم المبالاة بالمال العام المخصص لتعليم أبناء الوطن و الذين هم أركان و دعائم مستقبلنا الوطني. لكن.. لو أننا كشعب و مثقفين و كُتاب و صحافة التفتنا قليلا الى الشأن العام و المال العام لاتقينا العديد من المحن. التغني بالكأس الممتلئة بحاجة الى مقومات ثابتة و محصنة لتقينا من عوامل التعرية المتصحرة. و هذا (مع الأسف) ما نفتقده.

 

يُحكى أن طالبا عمانيا أكمل دراسته قبل عدة سنوات ثم حصل على فرصة تدريبية في الدولة الغربية التي كان يدرس بها من خلال العمل في إحدى المؤسسات العاملة في نفس مجال تخصصه. و حسب المنطق أن تلك الفرصة التدريبية لمدة عام كانت ستكسبه خبرة مجانية ذات مردود إيجابي كبير عليه و على المؤسسة العمانية التي بعثته عند رجوعه إلى الوطن بناء على نظرته الى النصف الممتلئ من تلك الكأس. إلا أن نظرته تلك كانت تختلف في مضمونها و محتواها عن نظرة البعض المتنفذين في البلاد ممن لعبوا دور التصحر في واقعنا العماني. لهذا، فقد تم مقاضاته.. لماذا هو بالذات من غير الكثيرين من الشباب في نفس المؤسسة التابعة للقطاع العام، ثم تم القبض عليه بعد عودته الى الوطن في زيارة عائلية؟ رغم أنه قد سبقت هذه الزيارة ، زيارة تم فيها الاتفاق مع المؤسسة في أن يقضي الطالب مدة معينة و يرجع بعدها الى العمل على أرض الوطن.  لكن.. منشارهم أدى به الى الحجز مع مجرمين و هاربين من القانون و لم يتم فك اسره إلا بعد أن تم تسليم 20 ألف ريـال عماني للمؤسسة عوضا عن الرسوم الدراسية التي انفقتها الحكومة لتعليمه.  هناك أفراد منتفعون و ذوو معايير مزدوجة تستهدف أبناء الوطن على أسس خارج دائرة المواطنة حيث تطوع لهم نفوسهم المريضة على التمايز بين المواطنين فيقربون القريب و يغضون الطرف عنهم و يمارسون الظلم و الحيف على الآخرين، و لكنهم مع الأسف يظلون في مأمن من الحساب!  أما أسرة الطالب فعانت من الكأس النصف الفارغة التي استحوذ عليها شياطين الأنس الذين هم من أكثر الناس تملقا في أهمية الحفاظ على الكأس نصف الممتلئة!  و بعد مرور خمس سنوات عجاف من تلك الحادثة فهل هناك من يلجأ اليه المواطن للمحافظة على النصف الممتلئ من الكأس!

 

هذا التغني بالكأس نصف الممتلئة كان واحدا من الأسباب التي جعلت البعض منا يتقن فن النفاق و التزلف، بحيث أصبح من الغريب أن لا تجامل في أبسط الامور حتى على حساب المبادىء التي تؤمن بها حفاظا على ما هو ممتلئ من الكأس. و هنا تستحضرني قصة جرت أمامي مؤخرا. فقد ناولت إحدى  الكاتبات كتابها أحَدَ المحررين على أمل أن يتم تضمينها في ملف عن الأدب العماني. فمد المحرر يده مصافحا، لكن الكاتبة أحنت رأسها شاكرة و معتذرة لعدم تمكنها من مصافحته. فقال لها مستغربا: إنني المحرر و لا تصافحينني! ردت عليه بابتسامة و ناولته  كتابها و هو يكرر جملته التي لم تلقَ منها ردا سوى “شكرا لك على التحرير”! لم يكن المحرر جاهلا بالقيم الإسلامية الا أنه كان يجد أن ما بيده قد يشكل النصف الممتلئ من الكأس حيث لن يغامر أحد بعدم مصافحته. لكن النصف الممتلئ و النصف الفارغ من الكأس لهما أوزان و ألوان و أشكال متعددة و كما قلت: تختلف عن صفات العملات النقدية!

 

تظل الكأس الممتلئة و الكأس الفارغة من الأسئلة التي يثيرها بعض الأخوة و الاخوات أمامي. هناك القليل ممن يشير الى الكأس الفارغة و لكن الجميع يتغنى بأي كسر من الكسور حول الكأس الممتلئة ربعا كان أو نصفا أو… و نادرا ما تسمع مسؤولا يعرض صورة الجزء الفارغ من كأس مؤسسته أو يضع برنامجا لملئه، فكل ما نسمعه هو عن كؤوس مليئة بالكثير من المياه الصافية و العذبة إلا أننا حينما نبحث عن رشفة ماء لا نجد سوى سرابا نلهث خلفه. لا نريد أنصافا معبأة بالسراب و لن نحقق أنصافا ممتلئة بالمياه الصافية إلا حينما نعرف كيف نقي أنفسنا من عوامل التصحر. لهذا فعلينا أن .. نعيد النظر!

 

 

0 11932 13 فبراير, 2014 السادس والأربعون, ثقافة وفكر فبراير 13, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.