ما زلت أنتظر الإجابة

لـ

hqdefault

” 1 “

في مقال سابق لي في جريدة “الرؤية” بعنوان صناعة الطاغية” نقلت عن الأديب “علاء الأسواني” القول “إنّ التاريخ يعلمنا أنّ الديكتاتورية تتحقق بشرطين، هما استبداد الحاكم وإذعان الشعب، وأنّ الشعوب الحرة هي القادرة على تقدير زعمائها دون أن تضفي عليهم هالة مقدسة، أو تضعهم فوق مستوى البشر”، وقد حذّر “الأسواني” من المنافقين الذين يطبلون للزعيم، باعتبارهم هم الخطر.

وإذا كان “الأسواني” قد وُفّق في تصوير المجتمع المصري وتوجهاته الآن، من خلال مقاله السابق “المصريون يبحثون عن أب”، فإنه واصل تناول موضوع ترشح “السيسي”، من خلال عين خبيرة تراقب المجتمع عن كثب، وهو ما ميّز “الأسواني” دائما من خلال أعماله الأدبية كلها، ومن خلال المقالات التي ينشرها، فهو ابن المجتمع يراقب بدقة كل تحولاته، وقد تكون هذه النقطة سببا من أسباب نجاح كل أعماله الأدبية، فتَحتَ عنوان “ متى يُجيب الحاج صالح..؟!” يكتب “الأسواني” في جريدة “المصري اليوم”، مقالا عبارة عن قصةٍ رمزية، ولكنها تحمل صورة عن الوضع الحالي والمتوقع في مصر مستقبلا، باعتبار أنّ الحاضر صورة للمستقبل، وأنّ النتائج تأتي دائما وفق المقدمات وفي مقالي اليوم سأكتفي بتقديم القصة مختصرة، ليأخذ منها كلُّ قاريء العبرة التي يريدها، لأنها تحمل معاني كثيرة، ومغزاها كبير.

” 2 “

يقول “الأسواني” في مقدمة قصته الرمزية، “كنت أحلم دائماً بشراء شقة على البحر في الإسكندرية، فلما بلغت مدخراتي مبلغاً كافياً، رُحت أتفرج على الشقق المعروضة للبيع.. بعد عدة أيام توصلتُ إلى شقة صغيرة جميلة سعرها مناسب.. العمارة قديمة لكنها متماسكة وأنيقة، تطل على البحر وبابها يفتح على شارع جانبي، قالوا لي إنه شهد أحداثاً مثيرة.. سألت عن صاحب الشقة، فأخبروني أنّ اسمه الحاج صالح، وهو اسم على مسمى، لأنه رجل صالح فعلاً، حجَّ إلى بيت الله أكثر من مرة بخلاف العُمْرات العديدة التى أدَّاها، وله مشروعات خيرية منتشرة فى أنحاء الإسكندرية تساعد آلاف الفقراء.. كل هذا بالإضافة إلى حمايته المستمرة لأهل المنطقة ضد هجمات البلطجية التى كان أخطرها ما حدث فى العام الماضي عندما سيطر على المنطقة بلطجيٌّ اشتهر باسم «السُّني» لأنه ملتحٍ يتظاهر بالتدين.( بالمناسبة “السنيّ باللهجة المصرية = المطوع باللهجة العمانية، منعا لأي التباس أنا في غنى عنه)، تقول قصة “الأسواني” إنّ «السُّني» فرض إتاوات على أصحاب المحال جميعاً وسيطر على السكان فأحال حياتهم إلى جحيم، وكان أتباعه ينكّلون بكل مَن يفتح فمه ليعترض على ظلمهم، وقد أعلن «السُّني» أكثر من مرة أنّ بمقدوره أن يحرق المنطقة بمن فيها لو أراد. عام كامل قضاه السكان تحت رحمته حتى فاض بهم الكيل، فنزلوا يوماً جميعاً إلى الشارع ليطالبوا «السُّني» بالرحيل عن منطقتهم، وبينما أتباعه يجهّزون أسلحتهم ويُعدّون عدتهم للتنكيل بالأهالي المعترضين، ظهر الحاج “صالح” ليدافع عن الناس، ودارت معركة طاحنة بين الفريقين استغرقت نهاراً كاملاً حتى تمكن الحاج من هزيمة «السُّني» وأتباعه وتسليمهم إلى الشرطة، التي أحالتهم إلى المحاكمة. هنا اعتبر سكان المنطقة الحاج صالح بطلاً حقيقياً، لأنه خاطر بحياته من أجل حمايتهم. يقول بطل القصة: إنّ كلّ الذين تحدثتُ معهم من الأهالي كانوا يذكرون الحاج صالح بمحبة وامتنان، لكنني كنت أحس أنهم يخفون شيئاً ما بشأنه لا يريدون الخوض فيه. تفاوضتُ مع أتباع الحاج صالح واتفقنا على مبلغ معين ثمناً للشقة، وذهبتُ في الموعد إلى مكتبه فتلقاني بترحاب وحرارة. لاحظت أنّ الحاج صالح ترك الأمر كله لأتباعه، بينما جلس هو إلى مكتبه يراقب ما يحدث. أتباعُ الحاج صالح بضعة شبان يرتدون جميعاً فانلات مطبوعة عليها صورة الحاج صالح، ويتزعمهم تابع ضخم مفتول العضلات تبدو عليه أمارات الشراسة، أعطيتهم حقيبة يد صغيرة وضعت بها مبلغ الشقة كاملاً، أخذ أحدهم الحقيبة وخرج بها، ابتسم التابع الضخم وأعطاني سلسلة بها بضعة مفاتيح وقال: هذه مفاتيح الشقة. مبروك عليك.. تناولتُ المفاتيح وتطلعت إليه قائلاً: هل أعددتَ العقد؟ تطلع إليَّ التابع الضخم باستنكار وقال: عن أي عقد تتحدث..؟، صاح في وجهي بصوت كالزئير: كيف تجرؤ على أن تطلب عقداً من الحاج صالح؟!، فهو  ليس مثل بقية الناس، إنه البطل الذي وضع روحه على كفه وأنقذنا من عصابة «السُّني»، إنه رمزنا وقائدنا وهو المنقذ الذي أرسله الله إلينا. قلت: أنا معجب بشجاعة الحاج صالح مثلكم تماماً. لكني اشتريت الشقة، ومن حقي أن أحصل على عقد يوقِّعه البائع.

احتفظ الحاج صالح بابتسامته وقال بهدوء: أنا أحبكم جميعاً. قلت بانفعال: وأنا أيضاً أحبك يا حاج، لكن هل يضيرك أن تكتب عقداً تسجل فيه بيع الشقة..؟

ظل الحاج صالح مبتسماً، فيما اقترب مني الأتباع وأحاطوا بي، وقد بدا الشر في عيونهم وانهالت كلماتهم الغاضبة: أنت مدسوس علينا، أنت طابور خامس، أنت خلية نائمة لعصابة «السُّني»، أرسلوك لتثير فتنة حتى تستعيد عصابتكم السيطرة على المنطقة.

صحت فيهم: أنا لا أعرف «السُّني»، ولست من الطابور الخامس أو السادس. أريد حقي، إما أن تكتبوا العقد أو آخذ نقودي.

اقترب التابع الضخم مني وصاح: إياك أن تظن أنك ستخدعنا. نحن نعرف كل شيء عنك، لدينا تسجيلات لمكالماتك الجنسية مع المرأة التى ترافقها. اسمها لبنى.. صح..؟! سنفضحك فى كل مكان.

أحسست أنني في كابوس وبدأت أفقد تركيزي، واستطرد التابع الضخم قائلاً: إذا لم تنصرف الآن فسنبلغ عنك الشرطة، قلت: أنا لم أرتكب جرماً، قال: سوف تحاكَم بجرائم سنحددها نحن، عندها سألت: من أنتم حتى تلفقوا لي تهماً وأنا بريء؟!. قال: نحن الذين حمينا المنطقة ومن حقنا أن نفعل ما نشاء، نحن في حرب مع جماعة «السُّني» وفي الحرب كل شىء مباح.

قلت: الحرب ضد البلطجية ليست مبرراً لظلم الأبرياء.

صاح التابع الضخم بلهجة مسرحية: مُتْ بغيظك ياعميل. لن تتمكن أنت وبلطجية «السُّني» من هزيمتنا أبداً. سنفدى الحاج صالح بأرواحنا. هو كبيرنا ونحن جنوده وأبناؤه. ردّد الحاضرون وراءه الهتاف وهم ينظرون إلىَّ شزراً. خطر إليَّ أنهم قد يكونون مجانين فعلاً، قلت: خذوا المفاتيح وأعيدوا لي نقودي.

كأني أجرمت. انقضوا عليَّ وأمسكوا بي حتى لم أعد قادراً على الحركة، ثم وجَّه لي الضخم لكمةً هائلة في بطني، فأحسست أنني سأفقد الوعي وصرخت: يا حاج صالح، كل هذا الضرب وهذه الإهانة لأنني أطالب بحقي. هل أنت راضٍ عن هذا الظلم؟ لكن الحاج صالح ظل يطالعنا بابتسامته العذبة، كأنّ ما يحدث لا يعنيه.

حاولت أن أقترب منه، لكنّ الأتباع شددوا قبضاتهم فصحت من بعيد: يا حاج صالح لقد أنقذت الشارع من بلطجية «السُّني»، لكنّ هؤلاء المحيطين بك لا يقلون عن «السُّني» إجراماً. أنا أطالب بحقي وهم يعتدون عليَّ أمام عينيك وأنت تكتفي بعبارات المحبة. هل أنت مع الحق يا حاج صالح أم أنك راضٍ عن الظلم الذى يفعله أتباعك؟. إذا لم تتخذ موقفاً واضحاً فستكون قد أنقذت الناس من بلطجية «السُّني» لتسلمهم إلى بلطجية من نوع آخر. إنّ طلبي لحقوقي لا يقلل أبداً من احترامي لك وتقديرى لشجاعتك. هؤلاء المنافقون الذين يحيطون بك يسيئون إليك. إياك أن تصدق أنهم يحبونك. إنهم يطبّلون ويزمرون لك من أجل مصالحهم. يجب أن تبعدهم عنك.. سكوتك عليهم يجعلني أعتقد أنك راضٍ عما يفعلون. إذا كنتَ ترفض أفعالهم فيجب أن تطردهم. أعط الناس حقوقها ولا تستسلم لهذه الصحبة الفاسدة التى ستحيلك من بطل إلى طاغية. إلى متى هذه الابتسامة وهذا الصمت يا حاج صالح؟

يقول بطل القصة: هنا جُنَّ جنون الأتباع، وانهالوا علىَّ صفعاً وضرباً وركلاً. حاولت أن أرد الهجوم فطوحت بيدي لأرد الضربات ورفستُهم بقدمي، لكنهم تكاثروا عليَّ حتى غلبوني. استسلمت تماماً وهم يجذبونني إلى خارج الحجرة، وقبل أن أجتاز الباب صحت:  يا حاج صالح. أتباعك ظالمون، لماذا تتركهم يُشهِّرون بالناس ويطعنون في الأعراض ويقبضون على الأبرياء ويلفقون لهم التهم ويلقون بهم فى السجون؟! هل أنت راضٍ عن جرائمهم أم أنك عاجز عن ردعهم؟! هل أنت مع الحق أم مع الباطل..؟!

” 3 “

لقد أطلق د.”علاء الأسواني” صرخة مدوية من خلال مقاله “متى يجيب الحاج صالح؟!”، فهل فعلا الحاج صالح راضٍ عما يفعله الأتباع؟ أو هل هو عاجز؟ ثم هل هو مع الحق أو الباطل؟ يُنهي الكاتب القصة بأن يقول “وما زلت أنتظر الإجابة”، وكذلك نحن منتظرون، فالمقال خير تلخيص لحكاية مصر اليوم، وسيبقى السؤال مطروحا: كيف يكون “السيسي” بهذا الذكاء والقدرة على قراءة المستقبل، وليس بقادر على أن ينتبه إلى أنّ أجهزة الأمن تسيء لصورته وتُكره الناس فيه..؟! ويبدو أنّ هذه الأجهزة متشابهةٌ تماما في الوطن العربي..!

0 1742 16 فبراير, 2014 السابع والعشرون, سياسة فبراير 16, 2014
Avatar

عن الكاتب

كاتب وإعلامي عماني Zahir679@gmail.com

عرض كل المواضيع التي كتبها زاهر بن حارث المحروقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.