رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر وأناييس نن

لـ

رسائل حب-1-1

  تنشر الفلق هنا الرسالتين 26 و 27 من كتاب “رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر وأناييس نن”  لليلى البلوشي والصادر حديثا من دار الانتشار العربي

26

أناييس ..

يا حياتي الأولى والأخيرة  ..

صادفت البارحة بين سطور دفتر مهمل في أحد الأدراج كلمات حشرج بها ” فرناندوا بيسوا ” بعمق :

أنا اليوم مهزوم كما لو كنت أعرف الحقيقة

 صاحٍ كما لو كنت على وشك الموت ” ..

إن أعتى هزيمة في حياة الرجل هي عندما يرغب بكل كيانه امرأة لا يمكنه الحصول عليها .. امرأة يعلم أن كل تفاصيل قدرها لا تتوافق مع تفاصيل قدره ..!

إن الإحساس الوحيد الذي يتضخم في داخله المهزوم في تلكم اللحظة وتغدو كأمنية مستحيلة هي أن تبتلعه الأرض في جوفها كما لو أنه لم يكن موجودا قط ..!

إنها هزيمة مرعبة فهو عاجز أمامها .. كل الطرق مسدودة إلى وصالها .. من المؤلم بل من أشد العذابات حين تعشق إنسانا لا يمكنك بأي حال من الأحوال أن تفعل من أجله شيئا ..!

هذا الشعور العاجز يشّل كل موجودات الحياة من حوله .. تتقافز في كيانه كلمة واحدة فقط تذبحه وتحييه ألف مرة لتعيد تعذيبه كرة بعد كرة كعذاب بروميثيوس الأبدي : ” جبان ” ..!

لفظة ” جبان ” تسحب منه حق رجولته .. تشعره بالنقيصة .. تجس وتره الحساس .. إن تأثيرها قابع في أعمق بقعة في قلبه .. ولأنه ملحوق بالهزيمة لهذا لا سبيل إلى الهروب من هذه اللفظة سوى بالهروب منها .. وأول إجراء في هذا الوضع الهروبي هو الفرار من المرأة التي جبن عن امتلاكها ويوازي إلغاء تاريخها الشخصي إلغاء لفعل لفظة ” جبان ” فيه ..

ويغدو حينئذ نبضا جريحا يحيط بأشياء الجانب الآخر ولكن على بعد .. فهو في اعتباره الذاتي قد تخلص منها كما تخلص من عار لفظة جبان .. لكنه تخلّص أشبه بتحرير رقبة عبد من العبودية بينما لم يعتق بعد أمام المجتمع من جلده الأسود .. حرّ ولكن حريته ليست مطلقة بعد..!

إنها خسارة توازي خسارة وطن ..!

الهروب إلى أخرى هو محاولة تأثيث وطن بديل .. قد يجد فيه كل شيء سوى الشعور بالأمان وعار ينغّص عليه بوحشة ضمنية .. لهذا كثير من الأحيان يحدق إلى وطنه الأول بكراهية لاذعة .. شعوره بالجبن هو ما يوقد فيه شرارة تلك الكراهية نحوها .. فهي وحدها تغذي ذاكرة جبنه وتجعل منه منفيا إلى ما لا نهاية ..!

 الحب الحقيقي فعل فروسية ونبل وشهامة..!

لهذا على الرجل الذي يعشق إن لم يملك حرية نفسه .. فمن الأولى أن يحبس أنفاس حبه في خزانته خبيئا سرها عن الناس .. متواريا إياها عن التي يعشقها لئلا يخنقها بجبنه بعد ذلك ..!

هذا الشعور المرير بالجبن لا يلحق العار بالرجل وحده بل يستطيل أنثاه كذلك .. فليس من السهل عليها إطلاقا حين تلغّم بواقع وقوعها في غرام رجل ” جبان ” ..!

إن إخماد العاشق جذوة حبه في داخله دون إلحاق ضرر بالآخرين سوى نفسه هو قمة الجسارة ولا يطيقه سوى الإنسان الكامل..!

ألا يكمن سر الحب العنيف في مستحيله .. في اختلافه .. في حنق المجتمع منه ورفضه الكلي لذينك العاشقين البريئين من جرم الآخرين الملحوق بهما ..؟!

كأن همساتك اللطيفة تناهت إلي معلنة بحب : بلى .. بلى .. يا وطني الأبدي ..

27

حبي هنري  ..

هناك نساء يهدمن وجود كل جنس ناعم في حياة الرجل ..!

 فالصدمة التي أحدثنها كانت من القوة والشدة بحيث لم يجد الرجل منفذا له من دوي صفعتهن .. لتغدو كل امرأة من بعدهن هي جرم .. مشجب يعلق عليه الرجل جرائم الأولى .. تلك التي ذاقته خذلانها .. خيانتها .. غدرها .. فكل امرأة في عقيلة هذا الرجل هي نمط وحدوي يكرر روحه في كل أنثى ولا فرق بينهن مطلقا..!

إن هذه المرأة كانت سببا في قسوة قلبه كحجر صلد تاه طريقه إلى اللين .. !

وثمّة نمط نسوي يُحببن الرجل في كل جنس ناعم ..!

لطرافتهن .. لصدقهن .. لوفائهن .. لكل هذا وأكثر .. يرغبِّن الرجل في كل امرأة من بعدهن .. إن كمالها الأنثوي استحوذ على الرجل حتى غدا يفتش عن كمال مثيل لها في كل امرأة .. بعد أن تاه عن كمالها لنقصان الحياة عن سبيل كمالها.. هنّ نساء يفجرّن الجسد ويفرجنّ الخيال ..!

لهذا لم يخطئ ” وليام شكسبير ” عندما قال : ” بالنار يختبر الذهب ، وبالذهب تختبر المرأة ، وبالمرأة يختبر الرجل..

إن أفضل النساء .. هي تلك التي تخاطب في الرجل طفله الصغير القابع في سراديب روحه .. في قاع كل رجل طفل يُحببّه اللطف واللين .. طفل يعشق شراسة الحب .. يرغب في شهوة الحنان .. عبثي .. أناني .. مستبد .. غيور .. جانح .. وحدها امرأة من النساء تخضع هذا الطفل .. تلينه .. تعيد تكوينه .. تخاطبه بلسانه وعقله وقلبه وتضاعف من جنون مطالبه بغرائزها كأم وعاشقة ورفيقة له ..

كل أطفال المرأة يكبرون سوى هذا الطفل .. فهو طفل آخذ بامتياز ..!

 سحب من أنوثتها ليمنحها اللذة .. سحب من حنانها ليمنحها الأمومة .. سحب من جمالها وصدقها ووفائها وعطائها ليبرر سياسية المنح في نفسه ولهذا هو الوحيد الذي يستفرد بها خالصة لنفسه إلى الأبد ..!

أنجبت من خلاله أطفالها الباقين .. لكنه أول طفل في حياة كل أنثى .. طفل يكبرها في البداية ليصغرها في النهاية ..!

طوال تلك القرون والرجل يستحوذ على المرأة .. والمرأة تستقبل استحواذه بامتنان كبير وشغف .. إن هذا الاستحواذ يدغدغ كيان المرأة ولكنها في الرجل تناهض غريزته في الاستيلاء والامتلاك والسيطرة ..!

 الرجل يعشق امتلاك الأشياء والمرأة تباهي بامتلاكها كمعشوقة ..!

يعوز الرجل أساليبا عديدة وطاقات هائلة كي يكون مالك زمانه .. والمرأة تكفيها أنوثتها فقط .. ألم تجعل أنوثة المطلقة مرتين الأمريكية ” ويليس سيمبسون ” ملك بريطانيا ” إدوارد الثامن ” يتنازل عن عرشه في الحكم حين أعترف بجسارة أنه لا يستطيع الاستمرار في الحكم دون أن تكون المرأة التي يحبها إلى جانبه .. كما أذاع لشعبه في المذياع ..

وحده الحب العنيف المعجون بالصدق يضحي بثقل .. لأنه حب متحرر عن كل مصلحة عدا مصلحة العاشقين ..!

ولا أعتى من تضحية عازف القيثارة ” أورفيوس ” الذي حاول إنقاذ حبيبته ” يوريكيدي ” من الجحيم تحت الأرض بعد أن لدغتها أفعى حية فماتت .. ولكن الآلهة قبلت على أن يقوم حبيبها بانتزاعها من الجحيم شرط أن لا يلتفت وراءه حتى يجتازا ممرا يفصل عالم الأموات عن عالم الأحياء وكاد أن ينجو بها لكنه في البارقة الأخيرة من مهمّة الإنقاذ تملّكه شغفه فنظر إليها قبل صعودها إلى سطح الأرض .. وفي اللحظة عينها فقدها وتاه في البلاد عازفا متشردا ..!

هنري ..

 كم أحبك وطفلك … يا عازفي المتشرد     

   

0 2748 18 فبراير, 2014 السادس والأربعون, حداء الروح فبراير 18, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.