أيام الحواضر والبوادي … بين الجذب الإعلامي والتأسيس البنائي

ينطلق القارئ للأحداث دائما من قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

فلسنا في هذا المقال في موقع مع ولا موقع ضد، وكذا لسنا نريد بكلامنا هذا التقييم التفصيلي، فهذا يحتاج إلى استقراء ميداني يسفر عنه بحث متكامل يَقرَأُ الأيامَ قراءة عادلة دون تحيّز لذات، ولا انتصار لأهواء، ولا تقرّب لأحد. والسؤال هنا: ماذا نريد من طرح المقال هنا؟ والجواب: نريد به تقييم المنهجية العامة التي تسير عليها الوزارة والتي نخلص أنّ الوزارة في الحقيقة تهتم بالجانب الإعلامي أكثر من الجانب البنائي للمجتمع، وقد تكون هذه النتيجة متقدمة على الأدلة، والتي سنشير إلى بعضها لاحقا لتتضح الصّورة للقارئ الكريم.

نجد الوزارةَ تركزّ بعد أحداث 2011م على قضية القيم، والتي عقدت لأجلها ندوة بالتعاون مع جهات خارجية، وصدر عنها كتاب في هذا منشور يحوي أبحاثا متعددة، بجانب التركيز على قيمة التّسامح والتي غيّرت بعد ذلك لإشكالات نقدية إلى التّفاهم، مع بقاء المعرض الخارجي بذات لفظة التّسامح ذاتها.

من أكير المهام الإعلامية التي تقيمها الوزارة بشكل دوري أو شبه دوري:

– معرض التّسامح الدّيني والذي يتنقل من دولة لدولة.

– ملتقى الكوادر الدّينية.

– ندوة تطور العلوم الفقهيّة.

– والآن أيام الحواضر والبوادي.

سنجد الجانب الإعلامي في هذه الصور حاضرا جدا، بجانب التكاليف المادية الباهظة التي تنفق فيها، والمسؤول لمتابعتها أولا بأول أساسا من قبل الجهات الرقابية المعنية، وأيام الحواضر والبوادي مثلا العديد ممن في الوزارة بات يتحدث عن المبالغ الباهظة التي تنفق حوله، وحتى الآن لا توجد تصريحات لمعرفة الرأي العام بذلك، ومع هذا نؤمن بحجم الإنفاق في هذا الجانب.

كذا يظهر غالبا من أنّ الذي يدير هذه البرامج هي نفس الوجوه، وذات العقليات التي يصعب جدا أن تتغير، أو تتجدد، لأنه بسبب بسيط لا يوجد قراءات نقدية ذات شفافية واضحة لنقد هذه المشاريع، كما أنّ وزارة الأوقاف كغيرها من الوزارات لا يوجد بها مركز استراتيجي بحثي متخصص في تقييم سياساتها من الوزير وحتى فراشها، وهذه مشكلة عامة ليست مختصة بالوزارة.

مما سبق ندرك أنّ الجانب الإعلامي ظاهر بقوة جدا، فهناك سفرات إلى الخارج برسالة التسامح، وهناك سفرات داخلية أقرب إلى مهرجان مسقط والبرامج الشعبية في صورة دينية، وهناك ندوة كملتقى للعلماء تضمهم أرض السلطنة سنويا، والعديد منهم أيضا خاصة في المقدمة مكررون سنويا!!، وهناك ملتقى للكوادر الدينية سنويا، والّذي بدأ في التناقص من قبل المشاركين لروتينية العمل وعدم تجديده؟!!

من مبدأ العدل والقسط الذي انطلقنا منه لا ننكر الحسنات في هذا كدعوة وتجمع ولقاء وتعارف، ولكن هل يصل هذا إلى عنصر البناء أم لا يزال يعيش في ضبابية الإعلام والحملات الهلامية!!!

تعالوا معي نضع هذه المقارنة:

هذه الأموال الهائلة الّتي تنفق سنويا في هذه الملتقيات الإعلامية تصوروا لو اختصرنا الطّريق قليلا إلى:

– إنشاء قناة قيمية إعلامية متخصصة في تعزيز قيم التسامح والتفاهم والتعايش بين الجميع، والمنطلقة من القيم، لا الذات أو المذهب، أو الدّين، تخاطب الجميع بلسان المشترك.

– إنشاء مراكز تأهيلية أو مركز سنوية تؤهل العشرات من الخطباء والأئمة والمرشدين، وتنميهم ثقافيا وتوعويا، من خلال دورات متكررة، لا بضعة أيام في السنة، وفيه تُعالج الأخطاء الجانبية.

– إيجاد مراكز للدعوة إلى الإسلام داخليا وخارجيا، ومنها تنطلق رسالة التعارف قبل التعايش، والتعريف قبل التسامح.

– تنمية مؤسسة معهد العلوم الشرعية وتحويله إلى مركز عالمي له فروعه في الداخل والخارج، مع رقي مواده الدراسية، والذي أصبح في السنوات الأخيرة يميل إلى الشيخوخة، ويعيش بعضُ من يتخرج منه بالازدواجية بين معارفه التّراثية وحراك العصر، مما يحتاج إلى إعادة جدولة جديدة.

– تنمية صندوق الزكاة بشكل مثمر واضح يساهم في رفع المعاناة التي يعيشها المجتمع، ويحلّ جزءا مهما من البناء التعاوني من خلال بناء البيوت، وتوفير الوظائف، وتزويج غير القادر، وتعليم المعدم، وقضاء الديون، من خلال مركز واضح في آلية تجميع الزكاة وحسن توزيعها.

– تفعيل الجانب الإعلامي المقروء والمسموع والمشاهد ليساير العصر والواقع.

من خلال ما سبق سندرك لو أنّ الوزارة استطاعت مبدئيا التركيز على الجانب البنائي، والذي سيعالج قضايا مجتمعية قيمية ووظيفية، بدلا من التركيز على الجانب الإعلامي والاستهلاكي.

ولنرجع الآن إلى أيام الحواضر والبوادي، هل فعلا يستحق هذه التكاليف الباهظة، ومن الحضور، وما النتائج البنائية التي خلص منها؟

قد تكون هناك نتائج جيّدة ومهمة، ولكنني أنظر إلى أسلوبها الشعبي المهرجاني في فترة تجاوزها العالم إلى عالم التكنلوجيا والفن والإعلام التقني بأنواعه، بدلا أن نظل في الماضي نسبّح والعالم يتقدّم بأفكاره وثقافته. ما أقوله هنا لا يلغي الجهود المبذولة، فشكرهم واجب، ونكرانهم كفر بجهود الغير، وأنانية الذات، ولكن في المقابل السكوت وعدم النقد ترك لفريضة مهمة وهي الأمر بالمعروف، المتجاوزة للصورة الذهنية البسيطة إلى العالم البنائي الذي يضمه المعروف سياسة واقتصادا واجتماعا، وفردا وأمة.

نأمل أن تعاد صياغة العديد من الجوانب في الوزارة وغيرها، كما نأمل أن تكون هناك شفافية في الأموال والأدوار والتوزيع العادل بين الجميع، وأن تحظى هذه الدوائر وغيرها بمراكز أبحاث نقدية وأن تنطلق أيضا من هذه المراكز الاستراتيجية البحثية المقدمة للأولويات على الثانويات، والجامعة بين الجميع، والمعاصرة للعصر والزمن والواقع، والمراعية للقانون والمكان.

السابع والأربعون ثقافة وفكر

عن الكاتب

بدر بن سالم العبري

باحث وكاتب عماني

اترك تعليقاً