الظاهرة عبر المنظومات المفاهيمية المختلفة … المغيّب في عُمان مثالا

في مكان ما، في الساعة الثالثة صباحا ، وفي شيء يشبه الطقس المقدس ، بدأ الحفر ، بعد ساعة استخرج عظاما عليها بقايا متعفنة ، أعاد القبر إلى وضعه ورحل.لقد أمضى سنوات يتقرب فيها إلى العالم السري بمختلف المعاصي والموبقات، وضحى بأحب أقربائه إليه؛ طفلته الحبيبة، بدا دماغه مليئا بقاموس ضخم من الأسماء الغريبة والمخيفة، والطقوس السرية، وعندما ينظر إلى الأشياء فإنه يبصر كائنات لا يبصرها الجهلة .

القرية

كانوا يتحلقون حول الجدة، عيونا مفتوحة وأفواها صغيرة فاغرة، وفي الجو تتلبك رائحة التوجس، قالت الجدة أن تلك التي كانت في العشرين، مثل زهر البوت لم تمت، رغم أنهم على الأكف ساقوها إلى المرقد الأخير، وأن ما حملوه لم يكن سوى جذع شجرة أفلح الساحر في تمويهه، أما هي فكانت ترقب من البعيد عاجزة عن الحركة أو الصراخ خلف شجرة أراك، وبعد أن تمت مراسم الدفن وقفل الجمع إلى القرية، حملها الساحر لتكون ملكا له، مسلوبة الإرادة إلى أن يموت، موته هو خلاصها هي ، لن يطعمها الملح إلى الأبد لأن ذلك سيحررها، شاهدها البعض تعبر المقبرة في منتصف الليل، لمحتها الجدة أمام شجرة أشخر عند الفجر، لجأت أمها إلى الشيخ العارف الذي ناهز المائة، لكنه أحجم عن مساعدتها، قال إن عادت الآن ستكون بلا عقل، أسوأ حالا من رضيع في الشهر الأول ، كان يتوجب عليها أن تتلو آية الكرسي والمعوذات كل ليلة، قالت الجدة حتى نتخلص من الساحر يجب أن نطعمه الزئبق دون أن نترك له فرصة لمس التراب، أخبر الصغار أترابهم في المدرسة الحكاية، وهم يتقمصون دور الجدة، يضيقون حدقاتهم قليلا ويضغطون على شفاههم حين يستدعي السرد ذلك، بعضهم كان يسأل كيف حمل الساحر الجذع والبعض أخبره كمن شهد الواقعة عن الجني الضخم الذي يخدم الساحر، ادعى أحدهم في اليوم الثاني أنه شاهد مغيبا ينظر إليه من النافذة بعد أن هجعت الأعين، في حين ندب صاحبه سرا استغراقه العميق في النوم،،، تلك هي القرية.

الساحر

في مكان ما، في الساعة الثالثة صباحا ، وفي شيء يشبه الطقس المقدس ، بدأ الحفر ، بعد ساعة استخرج عظاما عليها بقايا متعفنة ، أعاد القبر إلى وضعه ورحل.لقد أمضى سنوات يتقرب فيها إلى العالم السري بمختلف المعاصي والموبقات، وضحى بأحب أقربائه إليه؛ طفلته الحبيبة، بدا دماغه مليئا بقاموس ضخم من الأسماء الغريبة والمخيفة، والطقوس السرية، وعندما ينظر إلى الأشياء فإنه يبصر كائنات لا يبصرها الجهلة .
في ما يشبه مغارة مهجورة بدأ بسحق العظام في نسق شعائري مهيب، وإلى جانبه كانت هناك أوانٍ صغيرة،  بها مواد مختلفة، نباتات وأسماك غريبة وضفادع وأشياء أخرى، بالنسبة لمراقب خارجي هو أشبه شيء بكيميائي حذق من عصور ما قبل التاريخ.
في اليوم التالي يدس شيئا من المستحضر في خف ضحية كان يراقبها منذ أيام بعناية وحذر، فجأة تصاب الضحية بانهيار، بدا جليا أنها تعالج سكرات الموت الآن، يجتمع الأقرباء حول جسدها المتخشب الذي فارق الحياة، ويبدأ البكاء وبالطبع شعائر الدفن التي سريعا ما تنتهي.
لاحقا يعود الساحر بعد أن تهدأ الأجواء، يستخرج كنزه، وقد حانت اللحظة التي يثمن فيها عالم الجن والمردة ولائه، يطعمها من عجينة تسكنها الشياطين، فيبدأ الميت بالعودة إلى الحياة، مهزوزا مشوشا، عندها فقط يصبح ملكا للساحر، عندها فقط يصبح مغيبا.

كيمياء

يستخدم “الساحر”  مستحضرين، الأول لتحويل الضحية إلى جثة والثاني لإعادتها مسلوبة الإرادة إلى الحياة، بعد فحص مخبري وُجدَ أن المستحضر الأول يضم عدة مكونات، بقايا جثة متعفنة، مسحوق من شجرة الموكونا، جلد ضفدع، وأجزاء من سمك يعرف بالسمك الكروي، وأشياء أخرى ، وبالطبع تختلف هذه المكونات بحسب الجغرافيا، جميع هذه المواد تحوي سموما ، ومواد مهلّسة، ما يهمنا هنا هو السمك الكروي السام،

المصدر
ستكون السموم الأخرى بمثابة مساعد له، يحتوي جسد هذه السمكة على سم عصبي يسمى تترودوكسن (Tetrodotoxin) ، يستهدف هذا السم بعد امتصاص جلد الضحية له قنوات الصوديوم في غشاء الخلية العصبية، ويقوم بسد هذه القناة، أما الأعراض التي تظهر على الضحية فإنها تبدأ بتنمل في الشفاه، وخدر في الوجه ، صداع وتعرق ، ثم فقدان القدرة على الحركة ، وانخفاض في معدل التنفس ودقات القلب إلى أن يصل الجسد إلى حالة التخشب والعجز عن الاستجابة لأي مؤثر خارجي وفي حالات كثيرة يظل الضحية واعيا بما يدور حوله حتى فترة قصيرة جدا قبل الموت ، بالطبع إذا مات الضحية فما من سبيل إلى عودته وهنا تأتي مهارة الساحر في احتساب المقادير حسب التعاليم التي توارثها عن الأجداد.
بعد أن يستخرج الساحر الضحية من القبر يأتي دور المستحضر الثاني والذي يستخرج من نبتة الداتورا

المصدر

والتي تحوي نوعين من السموم القلوية المعروفة : السكوبولامين(Scopolamine) والأتروبين (Atropine) .يستخدم الأتروبين – والذي هو من نفس عائلة الكوكايين – كترياق ، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالسموم العصبية، هو مستخدم من قبل الجنود الأمريكان كجرعة شخصية(Autoinjectors) في حالة التعرض لأسلحة كيماوية/عصبية .
إن زيادة الجرعة تؤدي إلى اختلال في النبض، ودوار وغثيان، وتشوش في الرؤية وفقدان التوازن، والهلوسة وزيادة الاستجابة للمثيرات الخارجية ، ومن المعروف أن الأتروبين أيضا علاج لحالات خاصة من تدني مستوى نبضات القلب ، وبالعموم فإنه من الواضح أن هذا السم القلوي ينتج تأثيرات معاكسة لما يولده سم السمك الكروي ذو الطبيعة البروتينية .
أما السكوبولامين فمن المعروف أن الجرعة الطبية الزائدة منه تسبب حالة من الذهول والتخيلات والضلالات بالإضافة ما يعرف طبيا والترجمة لي باضطراب الوعي أو الهذيان (Delirium) وهي حالة من انحدار التركيز وتشوش الوعي وعطب في الذاكرة من أعراضها مثلا انخفاض الخوف من الأخطار الخارجية المحيطة بالإنسان، وتلك أعراض تظهر على المغيب.
إن هذا النوع من السمك – ويا للمصادفة – منتشر في السواحل العمانية، وهو يُدخل الماء أو الهواء في جسده المرن لدرجة التضخم إلى شكل يشبه الكرة، أما نبتة الداتورا الموجودة أيضا هنا في الوطن فتحمل سيقانها كرات خضراء شائكة، تتفجر بالبذور بعد النضج.

قراءات

يتحدر السحري من أصل أقدم من الديني، لكن بينهما أمور مشتركات، تتعلق على الأرجح بسمات تطورية، يقدم السحري نفسه بلغة دينية، صحيح أنه ينتمي لضفة الأعداء، لكنه يستخدم نفس القنوات الإعلامية ، ويستهدف الشريحة ذاتها، وهو من أجل ذلك يستعير اللغة والمفاهيم ويقعّد لنفسه من نفس المشكاة، هكذا يصبح مفهوما أكثر، لكن الديني لا يكف عن التنصل والاستبعاد بلغة هجائية أحيانا ووعيدية أحيانا أخرى، وهو في كل ذلك يمنحه اعتراف وجود، ويمد وجوده بمسوغات مفهومية، تتكشف علاقة الديني بالسحري عن طبيعة جدلية فمن حيث يثبت وجوده يسحب عنه شرعية الوجود، بالإيجاد أولا والإعدام لاحقا يرسم الديني موقفه المعلن .
يتقاسم السحري والديني اللغة بصورة مجحفة، فالأول يحصل على الغموض والنبذ والظلمة والخلاء والقبح والأماكن المهجورة والشياطين والجحيم، في حين يحتفظ الديني بالنور والجماعة والحب والصفاء والحفظ والجمال والملائكة والجنة.
يدعي الساحر قدرته الفائقة في الاتصال بالعالم الغيبي ، قبائل من الجن والشياطين والمردة والعتاة، ويطلع على الأسرار والخفايا، وينسب لنفسه قوة الكلمة التي أثبتها الخالق لنفسه، وإذا كانت المسألة مسألة طقوس يبتكر طقوسه المضادة وأوراده الشيطانية، تجذبه الأماكن المهجورة والمظلمة، السحري يسكن في العتمة، وحينما تكون العتمة تنقص قوة الإبصار وتتشوش الرؤية، مما يعني نقصا في المعطيات، وبالتالي أفقا ثرا للتكهنات الواسعة والتخرصات المُحاكة، وهنا بالتحديد تتفلت الخوافات الجمعية من عقالاتها، يعبر الشعبي عما يؤرقه ، ويستزرع حقلا دائم التفجر ، ويختلط الفضول بالخوف، والفجيعة بالأمنية، وهكذا تغذي علاقة الديني بالشعبي المخيالَ السحري، السحري الذي لا يُظهر نفسه ولا يتكلم عنها أمام الملأ أبدا.
يلج الكيميائي أرضا شديدة الغرابة، ويعجز عن امتطاء اللغة ذاتها، القادمة من عصور ما قبل الخلق، لا يمكن إدخال جني إلى المختبر، ومزجه بالمحاليل، لا وجود لشيء خارج روابط الطاقة بين السالب والموجب، لا شيء اسمه عالم سري أو روحي، وبين الحدث وأخيه تقبع سببية وحتمية قاهرة، لا تتصرف الذرات كالعفاريت ، ولا تقوم بالمعجزات، ينتمي الكيميائي لفضاء آخر، وقد ينظر إلى معركة السحري والديني بازدراء وتعالٍ، وقد يشكك في الظاهرة ويكذبها، وعندما تنتصب أمامه بعناد يشعر بالقلق، يطرح الأسئلة، ويجري التحاليل، ويفتح كراريسه المطوية بعناية، لأنها إما أن تُقرأ بلغته هو أو يؤرشفها حتى تواتيه اللغة، ذلك أن اللغة الغيبية كما يراها لغة واهمة ومزيفة، هو من علاقات منطقية يبدأ وبنتائج علائقية ينتهي.
ينأى الديني بلغته، ويرسم مداراته حول الله والشيطان والملائكة والجن والحب والكره والخير والشر والجنة والنار، في حين يستنكف الكيميائي إلى فضاء آخر فيقرأ المادة والفرض والتجربة والنظرية والرابطة والتحول والتفاعل والطاقة.
ليست القضية هنا هي من يقدم الحقيقة، ليست الحقيقة أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، بل السؤال كيف تلج هذه الظاهرة هذه الأرض أو تلك وبأي معنى تحاط وتقرن، كيف يخترق المغيب شبكات مفاهيمية مختلفة، يقف المغيب أمام بوابة المنظومة المفاهيمية الدينية فيُقرأ بلغة الغيب والإيمان والكفر ويلصق بالجن والملائكة ويعالج بالوحي والرقى النافعة ويفضي إلى التسليم والطمأنينة، أما عندما يتكوم قبالة الكيميائي فيغرس فيه أدوات الاختبار والتحليل ويلخص أبعاده في العلاقة بين جزيئين ويرسم له سيناريو منطقي ويخلص إلى نتائج، بقي أن الشعبي ليس سحريا ولا دينيا ولا كيميائيا بل شيء من هذا وهذا وذاك .

أرشيف مقالات الكتاب

عن الكاتب

Avatar

عبدالله المعمري

عبدالله حمد سعيد المعمري

شاعر وكاتب

بكالوريوس هندسة ميكانيكية

الكتب :

صهيل فرس حروري، مجموعة شعرية، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2005 -

سفر المنظومات، دراسة، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2009