أترضاه لأختك؟

كتب بواسطة علي داود

لا أعتقد أننا نحتاج إلى تبريرٍ دينيّ أو غير ديني لنفْهم أن المرأة كائنٌ حيٌّ يتنفس، له مشاعره و أفكاره، و من حقه أن يعيش حياة حرة و مستقلة، و يتصرّف كيفما يشاء، وفق الحدود القانونية التي تحترم حقوق الفرد، و لا يحقّ لأحد الوصاية على أفكارها و رغباتها، و لا يحق للرجال ربط شرفهم و سُمعتهم بها، أو إرغامها على سلوكٍ معين لأنها بنتُ رجل أو أختُ رجل.

لكم يؤسفني حقيقةً عندما أسمع من بعض أقرأني حديثا عن المرأة فيه نزعةٌ لاواعية لتملّكها و الإعتراف بدونيّتها، و أنا هنا لا أتحدّث عن شباب عاش بين جدران أربعة منغلقة فحسب، بل حتى عن أولئك الذين سافروا للدراسة في الخارج، و شاهدوا الفارق الحضاري و الثقافي بين مجتمعنا و المجتمعات الصناعية المتقدمة، و لا أتحدث عن شباب متديّن، أو يتحدثون من منطلق تديّن عميق، فإيمانهم على أيّة حال لا تهزّ له لا جبل و لا حتى حصاة صغيرة! إنها مسألة مجتمع ذكوري إذن لا أكثر، و في أحسن أحواله مُركّب من تديّن سطحي هامشي يَعتبر المرأة ناقصة عقل و عُرف مجتمع ذكوري.

نزعة التملّك المتجذرة هذه لاواعية في الغالب، لا ينتبه لها الرجل، و يُغطيها من دون قصد و إرادة بمجموعة من التبريرات المنطقية و الدينية، و التي قد تكون مقرونة باستشهادات من علماء غربيين، و أغلب هذه التبريرات مرتبطة بعاطقة المرأة العميقة، بمعنى أنّها مخلوقٌ عاطفي رقيق حساس، غير خاضع للمنطق و الإستدلال، و يُمكن زحزحته عن طريق العقل بسهولة.

من أمثلة نزعة التملّك الذكورية اللاواعية هذه (و الواعية أحيانا) التحكّم الكامل أو شبه الكامل بحياة المرأة، من ولادتها حتى وفاتها، و التدخّل بالوصاية على شؤون حياتها، كتحديد تخصّصها الدراسي، و تحديد شريك حياتها. هذه الأمثلة ربّما تكون قديمة بعض الشيء، و قد يُجادل أحدهم أنها في طريقها إلى الزوال في المجتمعات المتعلّمة و الفاهمة للشريعة فهماً صحيحاً، و لكنّني لا أريد التركيز على هذه الأمثلة على وجه التحديد، بل أمثلة أخرى كثيرة لا تزال موجودة حتى بين المتعلّمين و المثقّفين تُشم منها رائحة التملّك للمرأة، كربط شرف العائلة ببناتها، و عدم وجود فترة خطوبة كافية قبل عقد الزواج خوفا على الشرف، و النظرة المُريبة لأيّ إمرأة تظهر في وسائل الإعلام، أو تَنشرُ صورها في وسائل التواصل الإجتماعي، أو لا تلبس العباءة، أو تسافر و تتنقّل لوحدها.

لعلّه من الأمثلة الرائجة و الملحوظة بشدّة حتى عند المتعلمين المعاصرين: عدم استخدام لفظ “زوجتي” أو “أختي” مثلا أمام الأصدقاء، و استخدام لفظ “أهلي” عوضاً عن ذلك، و بعضهم يتطرّف أكثر ويقول “بيتي”! كما في النكتة التي انتشرت عبر الواتساب (و التي تُعبر عن وعي مدى هزليّة و سخافة هذا الأمر). الكارثة أن هذا المثال يتكرّر حتى عند الأطفال الذكور، فيستَحون من ذكر أسماء أخواتهم مثلا في صحبة أصدقائهم!. في هذا الصّدد أذكر شخصاً كان يُحضّر رسالة دكتوراة في أوروبا و حكى لي قصّته بنفسه، أنه كان بصحبة زوجته في إحدى القطارات، و بسبب الزحام اضطرّ للوقوف بعيداً عنها بعض الشيء، ليُلاحظ فجأة أنّ زوجته همّت بالنزول على المحطة الخطأ، يقول ما معناه “صرختُ باسمها، لم يكن حل إلا أن أناديها باسمها!”، أليست هذه الحادثة الواقعية لها مثيلاتها عند الرجال المتعلّمين المعاصرين و تُعبّر عن نزعة تملّكٍ لاواعية للمرأة؟

أبْرزت وسائل التواصل الإجتماعي الحديثة مثل الفيسبوك وإنستغرام مدى عمق هذه النزعة عندنا: نجدُ أحدهم ينشر أنّه في رحلة عائلية، و لا نشاهد في الصور المرفقة لمنشوره أية صور لأفراد عائلته إلا الأطفال ربّما، و في ما عدا ذلك ستجد كل شجرة و سحابة مرّت عليه، و لكن عندما ينشر أنه خرج مع أصدقائه، تجده ينشر كل الأشياء، من أسخفها إلى أشدّها سُخفاً، فرفْع صور العائلة مهما كانت محتشمة عيبٌ و فيها دلالة على ضعف الرجولة ربّما، أو على أحسن تقدير سيؤدي إلى “مشاكل و قضايا” لا داعي لها، و هذه الأخيرة طبعا من التبريرات العقلانية التي تأتي فورا في ذهن الرجل في هذه الحالة!

لا أعتقد أننا نحتاج إلى تبريرٍ دينيّ أو غير ديني لنفْهم أن المرأة كائنٌ حيٌّ يتنفس، له مشاعره و أفكاره، و من حقه أن يعيش حياة حرة و مستقلة، و يتصرّف كيفما يشاء، وفق الحدود القانونية التي تحترم حقوق الفرد، و لا يحقّ لأحد الوصاية على أفكارها و رغباتها، و لا يحق للرجال ربط شرفهم و سُمعتهم بها، أو إرغامها على سلوكٍ معين لأنها بنتُ رجل أو أختُ رجل.

من الواضح أنني هنا أتحدث على أساس (أصالة الفرد)، أصالة الفرد التي تُبنى عليها  قوانين حقوق الإنسان العالمية، مثل حرية العقيدة و حرية الرأي و حرية التعبير، أصالة الفرد التي تعني في أبسط التعاريف أنّ كل فرد له استقلاليته و رأيه و حرية التصرف فيما يملك من دون إكراه من أي طرف و من دون إلحاق أذى بالأخرين. و ليس بخافيةٍ نزعةُ (أصالة المجتمع أو الجماعة) المقابلة لـ (أصالة الفرد) في مجتمعاتنا، و التي تُستخدم لتبرير كل تَدخّل في شؤون الغير، و فرض الوصاية عليه، و تحديد سلوكياته و أفكاره وفق هوى الجماعة، و التي يستخدمها الرجل دائما عندما يريد ان يُقنّع نزعة التملك لدية تجاه المرأة!

عاطفة المرأة العميقة ليست نقصاً فيها، كما أن واقعيّة الرجل ليست ميزةً فيه، فكما أن المرأة يُمكن أن تتغلّب عليها عاطفتها (من دون تعميم) كذلك يمكن للرجل أن تتغلّب عليه مغالطاته و نزواته، و كما أنّ المرأة تخطيء فالرجل يخطيء أيضا، و ليس بخافٍ أنّ معظم الكوارث العالمية صنعها الرجال، لا فرق بين خطأ الرجل و خطأ المرأة، و المرأة لو تربّت على إدراك نفسها و لو تربّت على وعي الصحيح و الخطأ و الإعتماد على نفسها، فإنها لن تقلّ في ذلك عن الرجل، و في مثل هذا العصر لن تنقصنا الأمثلة على ذلك.

الكارثة عندما تُصغّر المرأة من نفسها بنفسها، و تَعتبر نفسها مخلوقاً ثانوياً، سقط سهواً، أو خُلق من أجل الرجل الذي هو المخلوق الأساس، الكارثة عندما تعتقد المرأة بنفسها أنّها ناقصة عقل و عاطفيّة “أكثر من اللازم”، لتُصبح بذلك عدوّة نفسها بنفسها. لقد تمكّن مجتمع الذكور منها، و غرس فيها كل ما يريد و يشتهي لتلبية إحتياجاته، و ضمان سيطرته. من هنا تنبعث أهمّية وعي الذات الذي هو المُخلّص من كثير من السلوكيات و الأفكار غير الطبيعية: وعي الذات بقدراتها و إمكاناتها و مخاوفها، بمناطقها الساطعة و الداكنة. وجديرٌ بالذكر هنا أنّ الحرية و الإستقلالية لا معنى و لا مصداقيّة و لا حقيقة لها من دون وعي الذات و من دون وعي الأثار الواقعية المترتبة عليها و وعي المسؤولية تجاه تلك الأثار.

لعله جدير أن يَسألَ الرجلُ نفسه عمّا إذا كان يمتلك مثل هذه النزعة اللاواعية، و تجربة ذلك بسيطة جدا، فلْيُجرّب الأحاسيس أو الأفكار التي تُراوده حين يحاول أن يرفع صورة عائلية على الإنستغرام مثلا، أو عندما يترك زوجته تسوق السيارة و هو يجلس بجانبها عندما يخرجون للعشاء في ليلة رومانسية مثلا، أو عندما يوافق على أن تمتد فترة الخطوبة لإحدى بنات عائلته لسنة مثلا من دون عقد شرعي مع بقاء نوع من التواصل بينها و بين خطيبها!، أظن أن هذه الأمثلة بإمكانها هدم جدار العقلانية الذي يصنعه الرجل حول دماغه ليغطي بها دوافعه الحقيقية.

التاسع والأربعون ثقافة وفكر

عن الكاتب

علي داود

اترك تعليقاً