جهلُ اللسان و سقطاتُ الأقلام

لـ

أولُ ما يُبدأ تعليمُه في أيّ مدرسةِ أطفال هو مهارات اللغة الثلاث: القراءة و الاستماع و التحدّث؛ ذلك لأنّ إتقان اللغة شرطٌ لتحصيل ما عداها من علوم، إذ كيف يمكن لفردٍ أن  يكتسبَ العلومَ دون قراءةٍ أو سماعٍ، و فهمٍ لما يقرأُ و يسمع؟!، ثمّ أنّى له أن يتمكّنَ من نقلِ أفكاره و مشاعره دون التمكّنِ من نظم الألفاظ حديثاً أو كتابةً بما يبينُ عن معاني ما يريدُه لسامعه أو قارئه؟! و عدمُ إتقان أيٍّ من هذه المهارات الثلاث يؤدّي بالضرورةِ إمّا إلى خللٍ في فهم المرء لما يقرأ أو يسمع، أو عجزٍ عن التعبير الصحيح كتابةً و تحدّثأً! و تعظمُ المصيبةُ إن تصدّر للحديث و الكتابة في أيّ فنٍّ من الفنون، مَن لم يُتقن واحدةً من تلك المهارات الثلاث، و تتضاعفُ المصيبةُ إن لم يتقن أياً منها!! و تصدّي أمثالِ هؤلاءِ يوقعُهم في سقطاتٍ شنيعة و مزالق خطيرة من حيث لا يحتسبون أو يشعرون.

و اللغة العربيّةُ من حيثُ إنّها أغنى اللغات و أوسعُها ألفاظاً و دلالات، و أعمقُها و أغزرُها بلاغةً و تشبيهات، و أكثرُها تراكيبَ و تصريفات، تستدعي عنايةً خاصّة من مستخدميها قراءةً و كتابةً و تحدّثا، و يتأكّدُ الأمرُ لمن أرادَ أن يتحدّثَ في دلالات الكتاب العزيز، أو أن يخوضَ في أحاديث “الفكر و الثقافة”، فعدمُ إتقان مهارات اللغة الثلاث للخائض في أيّ من هذه المجالات يقدحُ في فهمِه و استنتاجاته، بل قد يصلُ الأمرُ إلى أن يكون استنتاجُه و خطابُه من السذاجةِ ما يُضحكُ الشامت، و يُحزنُ الناصح؛ كذلك الذي قرأ قولَه تعالى (فعِظوهنّ) فلم يفهم إلا أنّها دعوةٌ لعضّ الزوجات!!

لكن ما يذيبُ النفسَ أسىً و يوجعُ القلبَ حسرةً أن يوجدَ بين مَن تصدّر مشهد “الأدب” و “الفكر” و “الثقافة” في بلادنا من لم يكتفِ بجهله باللسان العربي، بل أضافَ إليه الاستهانة بنسقِ اللغة و قواعدِها، و استبدال رطانةِ الألفاظ الأعجمية بالألفاظ العربيّة الفصيحة ظنّاً أنّ ذلك دليلُ ثقافةٍ و تحضّر، و سبيلُ تقدّمٍ و تنوّر!!!

و لعلّ من أعظم البلايا و أفدح الرزايا أن يكتبَ “الكاتبُ” متحدّثاً عن أمرٍ عظيمٍ –ككتاب الله- فيطلق لقلمه العنان، و يلقي الكلامَ على عواهنه، دون انتباهٍ لمعاني ما كتبه، و لا معرفةٍ لدلالات ألفاظه و نظمه! و لكي لا يقعَ المقالُ في الأمر الذي يعالجُه، من الضروريّ أن نسوقَ هنا مثالاً واحداً يكون دليلاً على ما نزعمُه، و أنموذجاً يعكسُ فداحةَ ما نناقشُه.

وردت هذه الفقرة في أحد “الكتب”:

و الجدير بالذكر أنّ القرآن في ترسيخه لهذه المبادئ العامة إنما يصدر من تجارب إنسانيّة طويلة، سرد القرآن كفلا منها و سكت عن الآخر، و هذه المبادئ القرآنية هي خلاصة كل تلك التجارب بما فيها من نجاحات و إخفاقات انتقى القرآن منها الأفضل نتاجا و الأعظم فائدة والأسمى أثرا“!!!

لا أخفي أني وقفتُ كثيراً عند هذه الفقرة من الكتاب  مقلّباً النظرَ فيها، متّهماً فهمي السقيم؛ فأنا أعلمُ علمَ اليقين أني لم أنل من العلم و الفهم حظاً يمكّنني من الحكم عليها، فقرّرتُ أن أعرضها على نفرٍ ممن لا أتّهمُ فهمهم، فكانت ردودُهم خليطاً من الإستعاذة و الإستغفار و الحسبلة و الحوقلة!!!

المعنى المفهوم بحسب منطوق الفقرة و دلالات ألفاظها هو أن ما أتى به القرآن من مبادئ عامة (تلك التي يتحدّث عنها الكتاب) إنّما صدرت عن “تجاربَ إنسانيّة طويلة”!! و أن القرآن نظر في هذه “التجارب الإنسانيّة” فـ”انتقى منها الأفضل نتاجاً و الأعظم فائدة و الأسمى أثرا”!!! فهل يُعقل أن يقولَ مسلمٌ عاقلٌ يؤمنُ بأنّ القرآن صادرٌ عن حكيمٍ عزيزٍ يخلق بلا مثال و ينشئ بلا سابقِ منوال، بأنّه صادرٌ عن “تجارب إنسانيّة”؟!! أو أنّه “انتقى” من تلك التجارب أحسنها؟!!! إنّما هو الجهلُ بمعاني الألفاظ و دلالاتها التي توقعُ في مثل هذه السقطات الشنيعة و المزالق الخطيرة، و نقولُ أنه الجهل لسببين: أما أولا فإعمالاً لمبدأ إحسان الظنّ بالمسلم، فحسن الظنّ بالكاتب يدفعنا إلى نفي أن يكون قصدَ ما كتبه، و أنّه إنما كتبَ ما كتبَ لجهله بمعانيه و مقتضياته، و أما ثانياً فلأنّ في ثنايا الكتاب من العبارات الركيكة و استخدام التعابير و التشبيهات القرآنية في غير مواضعها ما يشي بعدمِ إتقان الكاتب للسان العربي الفصيح أو تمكّنه من تصاريفه!

هذا مثالٌ واحدٌ سقناه دليلاً و أنموذجاً، و إلا فإن هناك غيره كثير، بل إنّ إتقان اللغة الفصيحة يكادُ يكون خصلةً درست درسَ الحصيد، أو قطرةً ذابت في يمّ،  فهل يعني هذا أن يُحجرَ على الناس الكتابةُ و التأليف؟ الجواب قطعاً لا، إذ لو كان الأمرُ كذلك لكان كاتب هذا المقال أولى الناس باعتزال الكتابة و عدم الحوم حول حماها لضعف حصيلته من العلم و اللغة، لكن ما ينبغي أن يُدعى له و يلتزمَ به “الكتّاب” هو عدّةُ أمور:

أولاً: أن يملك الكاتبُ أساسات اللغة التي يكتب بها، فليس من المقبول أن يكتب “الكاتب” العربي فيضيف “ياء المخاطبة” للفعل الماضي المؤنّث فيقول -مثلا- مخاطباً الأنثى “ذهبتي” بدلاً من “ذهبتِ”، أو أن يجهلَ أن علامةَ جزم الفعل المعتل الآخر حذف حرف العلة فيقول “لا ترمي” بدلاً من “لا ترمِ” عند خطابه للمذكّر! ثمّ يتصدّى بعد ذلك للكتابةِ في مواضيعَ تستدعي قدرةً على الفهم العميق و التحليل بعيد الغور للنصوص المكتوبة!

ثانيا: أن يعرفَ “الكاتب” قدرَه و قدرَ الموضوع الذي يريد الكتابةَ فيه، فالكتابةُ عن “القرآن” –مثلاً- و دلالاته و أحكامه لا تكونُ إلا لمن أحكمَ لغةَ القرآن و تمكّن منها، أمّا من كان دون ذلك فمثلُه كمثل القاذف بنفسه في اليمّ و هو لا يجيد السباحة، فهل يعودُ بغير الغرق و إغراق غيره جهلا؟!! و تخيّل “كاتباً” يستعرض النصّ الإنجليزيّ الأصلي لمسرحيّة “هاملت” لشكسبير و هو لا يحسن من الإنجليزية المعاصرة إلا أساساتها بلهَ لغةَ النصّ الأصلية!!

ثالثا: أن يعرضَ “الكاتبُ” كتاباته على من يملكُ القدرةَ على مراجعتها و تصحيحها لغةً و فكرا، فمهما بلغ “الكاتب” من منزلةٍ و قدرة فإنّه لا ينبغي له أن يحرمَ نفسَه فضيلةَ مشورةِ العارفين و الناصحين؛ و لو كانوا أضعفَ منه

تلك أمورٌ نزعمُ لو التُزمت و انتُهجت؛ لاتّسمت كثيرٌ من الكتابات بالرصانة اللغوية و العمق الفكري، و لاختفى الكثير من النتاج الفكري السطحي، فاللغةُ و الفكر مترابطان ترابطاً وثيقا، و لن تجدَ مفكّراً مُجيداً إلا و هو متقنٌ للغته التي يكتبُ بها، متمكّنٌ من تصاريفها، و لقد أجادَ الفيلسوف المغربي عبدالجليل الكور حين قال: “من كان يستهينُ بنسق اللغة إلى الحدّ الذي لا يتردّد معه في خرق أهمّ قواعده، فلن تكون حالُه مع نسق الفكر إلا أسوأ”(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبد الجليل الكور، “تساؤلات التفلسف و تضليلات اللغوى”، عالم الكتب الحديث للنشر و التوزيع، 2013، ص 111

0 1691 19 مايو, 2014 التاسع والأربعون, ثقافة وفكر مايو 19, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.