قائمون على الدين بعيدون عن الدِّين

لـ

لعقودٍ مضت كان الصُّوت الواحِد هو ما تسعى إليه الأنظمة العربيّة سياسيًّا ودينيًّا، وقد نجحت في ذلِك عند شُعوبٍ فقدت ميزة التّفكُّر في كُل ما هو ديني، وأوكلت مؤسّساتٍ رسميّة باسم الدِّين تُفكِّر عنها، وتستخرج منها تصاريح ممارساتها اليوميّة، فباتت تُقدِّس كل ما يأتيها من القائمين على الدِّين؛ لكأنّه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إلى أن وصلت لمرحلةٍ من التماهي ما عادت تميُّز فيها بين الدِّين والقائِمين عليه، حيث أصبح انتقادُ آراء القائمين على الدِّين هو انتقاد للدِّين وتعدٍّ عليه.

وكما هو معلومٌ فللدين تأثيرٌ كبير على الأفراد بكل ما شابه من تعالقاتٍ ومصالِح وإضافات عمد إليها الأسبقون واللاحقوون كونه مكوِّن أساسي فعّال_ بشكلٍ واعٍ أو لاواعٍ_ في ثقافة المرء وتكوينه، وعليه فإنّ انشغال الأُمّة بالقشور وتقهقرها الفكري يتحمّل القائمون على الدِّين الجزء الأكبر منّه، فانشغالهم بالقشور وإشغالهم للأُمّة به كان سببًا في تردِّي الأوضاع العربيّة وتأخُّر مستواها الفكري، وما حدث في بعض بلدان الوطن العربي حاليًّا من وقوف المؤسّسات الدِّينيّة لجانب الأنظمة السيِّاسيّة هو تحالفٌ خطير يُفقد الثِّقة بالدِّين، إذ أنّ ليِّ أعناق النّصوص الدِّينيّة وإخضاعها لأهواء الأنظمة وأمزجتها، محافظة على مكانتها؛ هو تسييسٌ خطيرٌ يتحمّله القائمون على الدِّين، كما أنّ الزّج بالقائمين على الدِّين في حلحلة التّشابكات الّتي أفرزتها تعاملات سياسية ومستجدّاتٍ لم تلتفت لها الأنظمة السِّياسيّة؛ بتحريماتٍ واهِمة لهو إساءةٌ للدِّين، ومن الأجدى على القائِمين على الدِّين في الوضع والوقت الحالي أن يبتعدوا عن التنظير والإفتاء، فإمّا أن يتدخلوا بما يخدم مصلحة الأُمّة، وإمّا أن لا يتدخّلوا ولا يزجُّوا بالدِّين لمصالح الأنظمة الرّاعية لهم.

إنّ المستقرِئ لوضع الأُمّة العربيّة حاليًّا يرى تحالُفًا بين المؤسسة الدينيّة والسياسيّة لتدجين الشّعوب وتسييرها وفق مصالِح طبقةٍ سياسيّة؛ لذلِك نرى أنّ القائمين على الدِّين في الوطن العربي هم موظّفون حكوميّون يؤدّون وظائِف منوطة لهم، لا يدخل تنوير الشّعوب من بينها حسبما يُلاحظ، وهذا التّدجين في الحقيقة هو إساءة فعليّة للدِّين، لكنّه أيضًا في الحقيقة هو الصّوت الأعلى من بين كلِّ الأصوات الدينيّة الموجودة، لأنّه مدعومٌ من القوى السياسيّة والأنظمة الحاكمة، ولأنه أيضًا بفضلِ الدّعم الرّسمي هو من كسب ثقة الشّعوب المدجّنة، إلا أنّ الأحداث الّتي مرت على الوطن العربي _وما زال بعضها مستمر_ كشفت مواقِف القائمين على الدِّين الّذين كثيرًا ما يستأسدون على الشّعوب بفتاويهم وتحريماتهم وتبريراتهم الّتي تُمليها عليهم مذاهب وعقائِد تناقلوها وليس إعمالا للفكرِ أو بحثًا عمّا يُعين الإنسانية على المُضي لتحقيقِ وجودها، فنراهم قد حرّموا التّظاهر بحجّةِ الخروج على الحاكم، فيما عمدوا ولمصالِح سياسية وأُخرى مذهبيّة إلى تحليل ذلك في بلدانٍ أُخرى بل والحثِّ عليه، كما نرى أنّهم وضعوا معايير للخروجِ على الحاكمِ والغريب أنّ تِلك المعايير لو طبّقوها لهي دعوة صريحة للخروج على الحكّام، والغريب أيضًا أنّ القائمين على الدِّين وبعقدٍ ضمني ربّما أو صريح لا تعنيهم المُمارسات الرّسميّة أكانت حلالا أو حراما، فوصايتهم فقط على الشّعوب وخطابهم فقط متوجِّهٌ للطبقة التي لا حول لها ولا قوّة.
كما أنّهم في كثيرٍ من الأحيان يحكِّمون استنتاجاتٍ اجتهد الأقدمون فيها، وناسبت ظروف حياتهم، ويوجِّهون سمومهم تجاه من يُخالفهم، لذلك كلّه يبدو أنّه آن الأوان لانكشاف الحجبِ عن الترهيب والتّغييب الذي مارسته المؤسسات الدينية لعقود على الشّعوب، فرجال الدِّين الذين أصبحوا يحدِّدون المصائِر بفتاويهم، ويحلُّون الدّماء حسب معتقداتهم ومذاهبهم هم خطرٌ حقيقي على الإنسانيّة، وعلو أصواتهم دون غيرهم كذلِك يجعلنا ندور في حلقة مفرغة، قد تنفلت وسط وعي الشّعوب وإدراكها لحريّتها وتقييد القائمين على الدِّين لتلك الحريّات بدعاوٍ دينيّة تخدم مصالح الأنظمة. ليس المطلوب هنا هو وقوف المؤسّسات الدينيّة لجانب ثورات الشّعوب ومطلباتها بحقوقها، إنّما المطلوب هو اتخاذ مواقِف عادِلة تنم عن جوهر الدِّين الذي يرفض الظلم والبغي ويُحارب الفساد، فإمّا أن يُقام الدِّين الحقيقي بتعاليمه الإنسانية التي تقام للإنسان وبالإنسان، وإمّا أن لا يستغل لتثبيت دعائم أنظمةٍ استغلّت مكانة الدين وتقديس الشّعوب له، فأصبحوا بذلك أوصياء على النّاس خُلفاء لله على الأرض يفصِّلون الدِّين حسب ما يُملى عليهم وما ترتأيه توجهاتهم، وبذلِك يفقد الدِّين الحقيقي مكانته، إذ أصبح في أيدٍ تتلاعب به.

إن ارتفاع الأصوات الدينيّة المختلفة والمتعدِّدة أصبح حاجة ملحّة لشعوبٍ تجد في الدِّين الكثير من الأمان النفسي وإن كان متوهّما، وبلا شك فثمّة مشتغلون على الفكر الديني يُحاولون الاجتهاد لتأكيدِ صلاحية الدين لكلّ زمانٍ ومكان من خلالِ الأخذِ بالنصوص وإضاءتها من الدّاخِل وليس تقديس المتوارثِ من القول، والاشتغال على اجتهاداتٍ سابقة، وإنّ هذه الأصوات لا يجب أن تكون رسميّة تتقولب كباقي المؤسّسات الرّسميّة وفق مستجدّات الظّروف المحيطة، بل يجب أن تكون مستقلّة منحازة لجوهر الدِّين الذي قامت على أُسسه، فواقع الدِّين الآن ومواقفه من وعي الشّعوب يجعل خيارعلمنة الشّعوب التي تفضي لإدراك الإنسان لحريته وإنسانيّته وحقِّه في حياة كريمة دونما قيود واهمة تفرضها السياسة ويباركها الدِّين هي أفضل من التّدجين المُمارس باسم الدِّين، إذ أنّ تدخُّل القائمين على الدِّين _الذين صبُّوا جلّ اهتمامهم في المجال الديني دونما مواكبة لتطوّرات العصر_ في كافّة المجالات المتخصِّصة، واجتهاداتهم المبنيّة على قراءات منقطعة الصِّلة بمستجدّات العصر لن تخدم الإنسان، بل تُسهم كثيرًا في خلق هوّة كبيرة بين الواقِع والدِّين، وتجعل الأفراد إمّا متذبذبين بين آراء القائِمين على الدِّين والواقع أو يحسمون أمرهم تجاه حاجاتهم الملحّة مغيّبين بذلك ومبتعدين إمّا عن الواقِع أو عن الدِّين.

0 2226 20 مايو, 2014 التاسع والأربعون, سياسة مايو 20, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.