مضامين البرامج الإذاعية في إذاعة سلطنة عُمان من مسقط 1970م – 1979م

لـ

مقدمة

تعتبر الإذاعة أول وسيلة إعلامية عُمانية انشأت بعد أيام قليلة من تولي السلطان قابوس بن سعيد الحكم عام 1970م، مما يدل على إدراك الحكومة الجديدة بأهميتها في عملية البناء والتنمية. وقد واكبت الإذاعة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلال العقد الأول من حكم السلطان. وعلى الرغم من هذا، فإن هناك ندرة في الدراسات عن الإذاعة العُمانية عمومًا ودراسات تحليل مضمون البرامج خصوصًا.

يحتوى هذا المقال على ملخص لدراسة حديثة حول مضامين البرامج الإذاعية في إذاعة سلطنة عُمان من مسقط من عام 1970م إلى 1979م للباحثة فاطمة بنت محسن بن عبدالعلي اللواتية (2013) والتي قامت بها في إطار متطلبات الحصول على درجة الماجستير. وتكمن أهمية الدراسة كونها الأولى التي ستوفر نتائجها معلومات مهمة حول مضامين البرامج الإذاعية في العقد الأول من تاريخ الإذاعة العُمانية. وقد اعتمدت الدراسة على المنهج المسحي. وتتمثل أداة جمع البيانات في تحليل المضمون، من خلال الاستمارة المصممة لهذا الغرض.

المجتمع العُماني قبل ظهور الإذاعة

ألقت الأوضاع التي كانت عليها السلطنة في فترة ما قبل عام 1970م خلال عهد السلطان السابق سعيد بن تيمور بكل ثقلها على السنوات الأولى من حكم السلطان قابوس بن سعيد، فالدولة التي تولى حكمها لم تكن دولةً بالمعنى المتعارف عليه. فاسم الدولة “سلطنة مسقط وعُمان” كرّس مبدأ تجزئة وتقسيم الإقليم والشعب لشطرين، وثبّت سلطة كل جانب على إقليمه.

تمثل الدور الأساسي للسلطان قابوس بن سعيد بداية حكمه في توحيد الشعب، وتثبيت الحكم والسلطة، وتوحيد الإقليم. ومن وسائل تثبيت الحكم إعلان (سلطنة عُمان) كدولة موحدة ذات سلطة مركزية واحدة مسيطرة على كل الإقليم العُماني، ثم إعلان أول تشكيل وزاري في أغسطس 1970م. وكان الوضع السياسي للسلطنة يعاني من الاضطراب لسنوات طويلة، فكان الساحل تحت حكم السلطان، أما الداخل فكان تحت سيطرة الإمامة، إضافة إلى تطور الوضع في ظفار من سيطرة الاتجاهات اليسارية على حركة المعارضة، وقيام جبهات تحمل الطابع الاجتماعي والسياسي واستمرارها إلى عام 1975م.

وانعكست قلة موارد الدولة على حالة الخدمات العامة، فكان الإنفاق على الخدمات العامة ضعيفًا، فالمدارس قليلة العدد والأمية منتشرة بشكل كبير، وكان عدد المؤسسات الصحية قليل، إضافة إلى شبه انقطاع لخدمات الطرق والمياه والكهرباء التي انحصر بعضها على العاصمة فقط.

وتشير التقديرات إلى أن عدد السكان لم يكن ليتجاوز (750) ألف نسمة، وقُدرت القوى العاملة بحوالي (150) ألف، كما بلغ عدد العُمانيين في الخارج حوالي (80) ألف شخص.

إذاعة سلطنة عُمان

كانت هناك اشارات لأهمية وسائل الإعلام المختلفة في عهد السلطان السابق سعيد بن تيمور؛ إذ أن الحكومة لم تكن تملك وسائل تحقيق الاتصال المباشر والسهل والفوري مع الشعب، إلا أن أول الوسائل الإعلامية بدأت مباشرة بعد تولي السلطان قابوس بن سعيد الحكم في 23 يوليو 1970م.انشأت وزارة الإعلام في ديسمبر من عام 1970م، وتعاقب عليها ثلاث وزراء حتى عام 1979، عدا الفترة التي ألغيت فيها الوزارة بمرسوم سلطاني في يناير 1972م لتتبع الإذاعة المديرية العامة للإعلام والسياحة.

يختلف تاريخ بدأ ارسال إذاعة سلطنة عُمان من مسقط المُعلن عنه عن التاريخ الفعلي الذي بدأت فيه. فالمصادر الرسمية تذكر أن بث الإذاعة بدأ بعد أسبوع من تولي السلطان قابوس بن سعيد الحكم أي في 30 يوليو 1970م، بينما تشير الأدلة إلى أن البث تم خلال فترة تتراوح بين 48 ساعة إلى 72 ساعة من توليه الحكم. كما أن الأمر ذاته ينطبق على إذاعة سلطنة عُمان من صلالة، فالتاريخ الرسمي المعلن عنه أن إذاعة صلالة بدأت البث بتاريخ 23 ديسمبر 1970م، بينما تشير الأدلة إلى أن البث كان بعد حوالي أسبوع من تولي السلطان الحكم، إذ تتوفر مواد إذاعية في سجلات إذاعة صلالة في شهر أغسطس من عام 1970م.

مرت إذاعتا مسقط وصلالة بمراحل متشابهة إلى حدٍ كبير مع إذاعات الكويت وقطر والبحرين؛ فكان البث لساعات قليلة وبقوة ارسال (1) كيلووات. وزادت القوة وساعات الإرسال على مر السنوات اللاحقة، إلى أن تم توحيد البث في عام 1979م لتكونا تحت اسم إذاعة سلطنة عُمان.

الإذاعة الثالثة التي بثت في فترة السبعينيات كانت البرنامج الأوروبي، الذي بدء بثه بتاريخ 15 ديسمبر 1975م لمدة ساعتين يوميًا. وكانت الإذاعة تبث على نفس تردد إذاعة سلطنة عُمان ولم يُخصص لها تردد منفصل حتى عام 1978م.

كان عدد الموظفين في إذاعة مسقط في بداية عملها إلى آخر أغسطس 1970م لا يتجاوز الستة، وارتفع في عام 1973 إلى مائة موظف موزعين في كافة المرافق الخدمية وكلهم عُمانيين.

تعتبر المرأة العُمانية الأولى في تقديم البرامج الإذاعية مقارنة بالمرأة الكويتية والسعودية، فالفارق الزمني بين انشاء الإذاعة العُمانية وبث أول صوت نسائي كان أقل من شهرين، بينما وصل في دولة الكويت إلى تسع سنوات، وارتفع لأكثر من (13) سنة في المملكة العربية السعودية. إلا أنه لا تتوفر في أرشيف الإذاعة الحالي برامج محلية قدمتها نساء بشكل منفرد.

وعلى الرغم من أن أول إشارة عن المكتبة الإذاعية وردت بعد أقل عن عامين من انشاء الإذاعة، إلا أن الأرشيف المتوفر في إذاعة سلطنة عُمان من مسقط يقل كثيرًا عن المواد التي بثت فعليًا في فترة الدراسة. ويتضح هذا في عدد المواد المتوفرة في كل سنة ونوعها، حيث أن هذه النتائج لا تتفق مع ما كان ينشر في الصحف المحلية آنذاك عن الإذاعة وبرامجها، ويتعذر بالتالي تكوين صورة كاملة ومحددة عن دور الإذاعة كأول وسيلة إعلامية وأكثرها انتشارًا ويتحدد فقط بالمواد والبرامج المتوفرة فعليًا.

عينة الدراسة

يتمثل مجتمع البحث بعد حصر البرامج الإذاعية التي بثت في فترة الدراسة من 1970م إلى 1979م بـ(89) برنامجًا يتضمن (1794) حلقة. وقامت الباحثة باختيار (5%) من إجمالي الحلقات، وبذلك فإن عينة الدراسة الإجمالية بلغت (89) حلقة لـ (89) برنامجاً. وبلغ الزمن الإجمالي لعينة الدراسة (2054.37) دقيقة.

النتائج

  • جاءت البرامج في الترتيب الثالث من حيث عدد المواد الإذاعية التي بثت خلال فترة الدراسة بنسبة (20.05%). ولا تتوفر أي مواد برامجية في السنوات الثلاث الأولى من عمر الإذاعة 1970م-1972م.
  • بثت على الإذاعة خلال فترة الدراسة سبعة أنواع فقط من البرامج، وكانت أولى البرامج المتوفرة في عام 1973م برامج ثقافية مستوردة. وكُتب على الشريط الخاص بأحد هذه البرامج المستوردة من الجزائر “إمارة عُمان” مما يوضح أن الوضع السياسي للسلطنة لم يكن واضحًا رغم الانفتاح في العلاقات وارسال وفود الصداقة إلى الدول العربية.
  •  جاءت البرامج الثقافية في المرتبة الأولى من حيث التكرارات والزمن، تليها البرامج العامة، والدينية، ثم التنموية، والترفيهية، والاجتماعية، وأخيرًا برامج الأطفال.
  • تصدرت البرامج التي يقدمها المذيعون الذكور والإناث معا قائمة الترتيب من حيث التكرارات (55.1%) والمدة الزمنية (54.8%). وترتفع نسبة البرامج التي يشترك فيها الذكور والإناث معا في التقديم في البرامج المستوردة، فيما انخفضت نسبتها في البرامج العُمانية لتصل إلى (18.5%) من إجمالي البرامج العُمانية. وقد خلا نوعان من أنواع البرامج من تقديم الذكور بشكل منفرد وهي البرامج الاجتماعية وبرامج الأطفال. وارتفعت نسبة تقديم المذيعين الذكور للبرامج العُمانية ليصل إلى نسبة (81.5%).
  • شغلت برامج التثقيف والتعليم نصف عدد برامج الدراسة وفيما يقارب من نصف إجمالي زمن فترة الدراسة. فيما جاءت بقية الوظائف بفارق عددي وزمني كبير.
  • عكست الوظائف التي قامت بها الإذاعة في فترة السبعينيات التحديات التي كانت تواجه السلطنة بمستويات مختلفة. فعلى سبيل المثال، كانت الأمية منتشرة بشكل كبير مع قلة في عدد المؤسسات التعليمية الموجودة ومحدودية طاقتها الاستيعابية وضعف الخدمات بكل أنواعها. وبالتالي ركزت الإذاعة على وظيفة التثقيف والتعليم في المقام الأول. أما على المستوى السياسي، فكانت السلطنة تواجه تحديات داخلية ومنها الحركات المعارضة ذات التوجهات اليسارية وخارجية وذلك بتكوين علاقات سياسية مع الدول الأخرى. ومن هذا المنطلق، ترى الباحثة أن وظيفة الإعلام استهدفت العُمانيين في المقام الأول لإخبارهم بالتطورات الحاصلة في كافة المجالات وزيادة الثقة بأداء الحكومة.
  • يخلو الأرشيف في الوقت الحالي من العديد من المواد الإذاعية، وخاصة المواد السياسية. فكانت الأخبار والبرامج السياسية والتعليقات على الأنباء تبث بشكل متواصل منذ العام الأول، مع متابعة لما كانت تنشره وسائل الإعلام العربية عن السلطنة وأخبارها، حيث كان يتم بث ردود متعلقة بتوضيح صحة أو خطأ تلك المعلومات وإيضاح وجهة نظر السلطنة فيها، إلا أنها غير متوفرة. واستطاعت الباحثة التوصل إليها ومعرفتها عن طريق ما نشرته الصحف خلال فترة الدراسة.
  • بدأ بث الأخبار في الإذاعة خلال الأشهر الخمسة الأولى من بداية البث، وبذلك فإن إذاعة السلطنة سبقت إذاعة الكويت التي بدأت بث نشرات الأخبار بعد تسعة أعوام من بداية بثها. إلا أن النشرات والبرامج الإخبارية غير متوفرة في أرشيف الإذاعة في الوقت الحالي.
  • كانت أكثر البرامج المتوفرة برامج عربية المصدر، تليها البرامج المحلية ثم غير معروفة المصدر وأخيرًا الخليجية. وكانت جمهورية مصر العربية أكثر الدول العربية التي تم استيراد البرامج منها، ودولة الكويت الأولى خليجيًا.
  • ارتبط بث البرامج المحلية المتوفرة بالمناسبات والأحداث الوطنية والعالمية والدينية. ولم تناقش هذه البرامج المتوفرة القضايا والشؤون المحلية المختلفة.

التوصيات:

  1. ضرورة إجراء دراسة عن كافة المواد التي بثت على الإذاعة في العقد الأول. والاستعانة بالأشخاص الذين كانوا يعملون فيها والذين لا يزالون على قيد الحياة، حيث أنهم يمثلون مصدرًا مهماً بالمعلومات عن المواد التي بثت والظروف التي رافقت تلك الفترة وكيف أثرت على محتوى المواد.
  2. أهمية إجراء دراسة تحليلية لمضمون البرامج التي بثت في إذاعة صلالة، حيث أن أول خمس سنوات من عمر الإذاعة رافقت أحداثًا سياسية وعسكرية مختلفة وكانت الإذاعة موجهة بمواد وبرامج تخدم تلك الفترة.
  3. القيام بدراسة مقارنة بين إذاعتيّ مسقط وصلالة خلال العقد الأول من انشائها 1970م-1979م.
  4. ضرورة انشاء أرشيف موحد لجميع المواد الإذاعية التي بثت في إذاعتيّ مسقط وصلالة.
  5. أهمية اجراء دراسة ترصد ما نشرته الصحف المحلية (الوطن وعُمان) عن الإذاعة من أخبار وتغطيات.
  6. أهمية اجراء دراسات عن الإذاعة والتطورات التي حدثت فيها فنيًّا وبرامجيًا بعد توحيد البث بين إذاعتيّ مسقط وصلالة عام 1979م.
  7. اجراء دراسات عن مضمون برامج الإذاعات الحكومية (الإذاعة العامة، وإذاعة البرنامج الأجنبي، وإذاعة الشباب، وإذاعة القرآن الكريم).

0 7951 21 مايو, 2014 التاسع والأربعون, ثقافة وفكر مايو 21, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.