معنى الحياة

لـ

تعارف القدماء على أهمية العناصر المعرفية الثلاث:المبدأ والمصير والطريق بينهما؛ لتحقيق السعادة المطلقة الفردية و الجماعية. فالإنسان العاقل – في نظرهم – يجب أن لا تفوته هذه العناصر المعرفية الثلاث، و يجب عليه بالتالي أن يبذل جهده في تحقيقها والتعرّف عليها حتى يصل إلى مرتبة اليقين بها، و لعلّه يمكن تلخيص هذه العناصر المعرفية الثلاث في عنصر واحد هو معرفة الله. ويمكن أيضاً القول أنه رغم اختلاف مناهج العلماء في تاريخ الإسلام من الفلسفة والكلام والعرفان إلا أن كلها لا تخرج من مظلة ضرورة معرفة الله لتحقيق السعادة المطلقة. معرفة الله بالتالي تصبح عند القدماء و حتى فئة من المعاصرين غاية الخلق و الوجود برمّته (أي معنى الحياة الإنسانية).

 

إن العبادة في الآية “و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون” كما يشرح أحد علماء الدين الشيعة هي غاية وسطيّة و ليست نهائية، فهناك آية أخرى تقول: “واعبد ربك حتى يأتيك اليقين” أي أن اليقين بالله هو غاية العبادة، و آية ثالثة تقول: “كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم” أي أن من يمتلك علم اليقين المُشار إليه في الآية السابقة يستطيع أن يرى حقائق عالم الغيب حاضرة أمامه. هذا التفسير جذابٌ جدا، وبغض النظر عن تفاصيله إلا إنه يقدم وجهة نظر داعمة لما سبق من أنّ معرفة الله والوصول إليه هو غاية الغايات، ويجب أن يكون هدف الإنسان الأسمى و الأعلى في الحياة.

 

كل هذا رُبّما يكون مُتعارفٌ عليه وسط المسلمين، و لكن ما أودّ أن أُلفت الانتباه إليه على وجه الخصوص هو أن الطريق الذي يُحدده القدماء وبعض المعاصرين بمختلف توجهاتهم للوصول إلى معرفة الله هو طريق ليس بالسهل على الإنسان المزدحم بهموم الحياة اليومية من وظيفة أقرب لأن تكون عبودية العصر ومسؤوليات العائلة المعاصرة و كل ما تتطلبه من وسائل استقرار. فمن أين لنا من الوقت والمزاج لقراءة كتب علم الكلام والفلسفة والعرفان العتيقة منها والجديدة للتحقيق والطمأنينة العقلية والقلبية في معرفة الدين الصحيح والإله الصحيح؟ كما أن العصر الذي نعيش فيه يفرض علينا مسؤوليات جديدة اذا ما سلكنا هذا الطريق. إذ يجب علينا اليوم أن نفهم ما هو رأي العلم في هذا المجال، و ماذا تقول العلوم الطبيعية المختلفة فيه وماذا تقول فروع العلم والمعرفة الأخرى ذات الصلة. نعم، الناس تختلف في مداركها وطاقاتها الاستيعابية و للقارئ الكريم حرية الجواب عن موقعه المعرفي من القضية وعمّا إذا كان يرى مثل هذا التوجه واقعي وعملي!

 

إن طريقة التفكير هذه عن معنى الحياة هي – كما يوضح المفكر الإيراني مصطفى ملكيان في كتابه “الشوق والهجران” – طريقة تبحث عن هدف الحياة، الهدف الذي يجب أن يأتي من خارج الحياة، أي من الذي خلقها أو صنعها، و لكن هناك طريقة ثانية فيما يخص معنى الحياة، تأتي من الداخل، و هي أني “أنا الذي أعطي معنى لحياتي”!، وبتعبير آخر “أنا أعرف أني موجود، و لا يُهمّني من أوجدني، و ماذا كان هدفه من إيجادي، كل ما أريد أن أعرفه هو أنه ماذا عليّ أن أفعل في هذه المدة التي أنا موجود فيها؟ الجواب على هذا السؤال هو الذي سيعطي المعنى لحياتي، طموحي وما أقصده هو معنى حياتي”. إن معنى الحياة بهذه الطريقة الثانية يصبح ذاتيا، و سيختلف من شخص إلى آخر، و لا يعتمد على المباني و الأصول الغيبية أو الفلسفية، و تكتسب الأخلاق والفضائل به بعدا آخراً ينطلق من الذات و الرغبة الشخصية.

 

وعن إمكانية وجود معنى للحياة بمعزل عن الغيبيات يشرح عالم النفس المعروف إيريك فروم في كتابه “فن الوجود” أن التجربة البشرية العملية أوصلتنا إلى مجموعة من القيم والمبادئ الحميدة كالحب والتعاطف التي بإمكانها أن تشكل معنى لحياة الإنسان وتساعده في الوصول إلى الوجود الأمثل حتى لو كنا غير قادرين على شرح أدلتها نظريا، فالبُستاني مثلا يعرف ماذا يجب عليه أن يفعل ليحصل على الأزهار من دون أن يكون متخصصا في علم النبات!

 

يعيش الكثيرون اليوم وخاصة في البلدان العلمانية الخالية من الصراعات الدينية والمذهبية وفق هذه الطريقة لمعنى الحياة، تجد أحدهم يعترف بأنه لا يعرف عمّا إذا كان الله موجودا أم لا، و لا يعرف عمّا اذا كان المسيح مثلا ابن الله أم لا. لسان حاله يقول: أنا موجود و هذا كل ما أعرفه (يقول هذا بكل برودة أعصاب رغم أننا يمكن أن تقشعر جلودنا قلقا من هكذا اعتراف).

 

على ما يبدو أن هناك مجموعة من العوامل التاريخية أدت إلى شيوع مثل هذه الطريقة في تلك البلدان، منها عامل العلمانية نفسه، وخروج الناس من سيطرة وتحكم رجال الدين في الحياة اليومية، وبالتالي شيوع التفكير الدنيوي في المجتمعات، وظهور فلسفات تشكيكيه وعلوم زحزحت أو كادت يقين المؤمنين بالغيبيات. إذن قد يُجادل أحدهم أن هذه الطريقة غريبة عنا لأننا لم نعش ولا نعيش هذه العوامل. من وجهة نظري هذا الكلام غير واقعي إطلاقا، فإذا ما تأمّلنا حولنا فإن الكثيرين منا يعيش وفق هذه الطريقة أيضاً! فكم منا مشغول بطموحاته الدنيوية المختلفة عن الاشتغال بعلوم الدين والإلهيات (و عندما أقول “دنيوي” فإني لا أقصد بذلك أنه سلبي)؟! من الطريف حقاً أننا نعيش وفق الطريقة الثانية غالبا و لكننا لا نعترف بل ندافع مع تعصب عن الطريقة الأولى!، و هذا مجرد واحد من مجموعة التناقضات التي نعيشها بسبب استيراد نتائج الحداثة دون الحداثة نفسها!

 

لا يخفى أن هذه الطريقة الثانية في النظر لمعنى الحياة من الممكن أن تشكل حساسيّة كبيرة في بعض المجتمعات، لأنها و بكل وضوح تقع في مقابل الأيديولوجيات و السلوكيات المطلقة التي يجب على كل فرد السير وفقها، و تقع في مقابل التعاريف الوطنية والأسرية والعُرفيّة المقيّدة لذات الإنسان. إنها أقرب لعقيدة سارتر من أن “الإنسان مشروع”، على أن هذه الطريقة ليس من المفروض أن تؤدي إلى إلغاء الطريقة الأولى التي يمكن أن تصبح جزءا منها.

 

ليس الغرض من هذا المقال تفضيل طريقة على أخرى، فكما أن الطريقة الأولى صعبة على الكثيرين، الطريقة الثانية أيضاً ليست بالسهلة، إذ لا يتمكن الكثيرون من الحياة دون أساس غيبي. هذا من حيث الصعوبة و السهولة دون الحق و الباطل في القضية.

 

أختم هذا المقال بكلمات بوذا من كتاب “دين الإنسان” التي هي من أحسن الكلمات المُعبّرة عن معنى الحياة دون الحاجة الى الغيبيات: “ضعوا نصب أعينكم ما أكدته لكم وميزوه عما لم أؤكد لكم، فأنا لم أؤكد لكم بأن العالم أزلي، و لم أؤكد لكم بأن العالم حادث، وأنا لم أؤكد لكم بأن العالم زائل، و لم أؤكد لكم بأن العالم أبدي، أنا لم أؤكد لكم بأن الروح والجسد واحد، أنا لم أؤكد لكم بأن المستنير يتابع وجوده بعد الموت، كما أني لم أؤكد لكم بأن المستنير يصير إلى حالة لا هي بالوجود ولا هي بالعدم بعد الموت، أما لماذا لم أؤكد لكم هذه الأمور؟ فلأنه لا فائدة منها ولا علاقة لها بأساسيات تعاليمي، و بالمقابل فلقد أكدت لكم بأن وجود الإنسان شقاء، وأشرت إلى سبب هذا الشقاء، وعلمتكم الطريق لرفع الشقاء عنكم، أما لماذا أكدت لكم هذه الأمور؟، فلأنها ذات فائدة ترجى، ولأنها متصلة بتعاليمي، تزيل الرغبة من نفوسكم، وتهبكم المعرفة، والحكمة العليا”.

0 2223 22 مايو, 2014 التاسع والأربعون, ثقافة وفكر مايو 22, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.