عدالة النشر!

لـ

“ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة”.. رددنا كثيرا هذه العبارة ونحن نتصفح  الصفحات الداخلية للصحف المحلية كل سبت (سابقا) وكل أحد (بالنظام الجديد لعطلة الأسبوع) نشاهد صور الناس الذين تغطى أعينهم بالسواد وتنشر تفاصيل ملابسهم، ووجوهم.

إنها صفحات العلاقات العامة التي تبعثها الشرطة أو الإدعاء العام أحيانا في قضايا تهريب، أو قضايا سرقة، أو بيع مخدرات، أو جرائم، صفحات ترسل للصحف المحلية من باب التوعية وتعزيز سمعة المؤسسة.

في هذه الصفحات ترفق  بين فترة وأخرى صورًا لمتهمين شباب، بعضهم لا تتجاوز أعمارهم الـ20، ومنهم من بلغ الثلاثين وتجاوزها. هم مواطنون عمانيون لم يخرجوا من دائرة “الإتهام” ولم يصل أمر جنايتهم إلى المحاكم بعد، ولم يحكم عليهم أيضا.

نتساءل بوصفنا قراءً ومواطنين، ونحن نقرأ الصحف ونشاهد هذه الصور المحزنة، “التي يكون فيها البطل هو المتهم”، نتساءل عن حجم التدمير النفسي والعقوبة المعنوية القاسية التي يتعرض لها هذا المواطن “المتهم” الذي لم يتم إدانته بعد.

ونتساءل أيضا عن عدالة وأخلاقيات النشر التي تتحدث عنها المؤسسات الرسمية، والمؤسسات الإعلامية التقليدية تحديدا هنا في السلطنة، هذه المؤسسات التي تروج لفكرة احترام حقوق الناس، وحقوق المجتمع، والتسامح والمحبة.

ظاهرة نشر صور المتهمين المتكررة لا أتحدث عنها من موقف المتعاطف، وإنما موقف المتسائل الذي يرى أن هناك تغييبا واضحا لمعايير وأخلاقيات النشر في صحافتنا المحلية، التي ترتضي أن تتاجر بصور المتهمين مقابل أن تكون تلك الصفحة بسعر يحدده اللون وحجم الإعلان!

أتحدث عن موقف المؤسسات الإعلامية التي تستلم هذه الصور والأخبار دون أن تتخذ موقف “عدم النشر”، ليس من باب التحدي والقوة، وإثبات الذات تجاه المؤسسات الرسمية؛ وإنما من باب الوعي والإدراك بأخلاقيات المهنة ومعايير النشر، ومسؤولية النشر التي يجب أن تتبعها المؤسسة في هكذا قضايا.

لماذا لا تتحدى هذه المؤسسات الإعلامية نفسها وتقوم بنشر صور مسؤولين ووزراء أدينوا في قضايا فساد عبر محاكم الدولة، لا سيما وأن أرشيفاتها امتلأت بصورهم في وقت سابق، في حين تتجرأ بنشر صور شباب “متهمين” دخلوا دائرة المخالفة القانونية” .

هل تفكر المؤسسة الرسمية والإعلامية وهي تستلم صور المواطنين المتهمين في تبعات قرار النشر أخلاقيا؟ أم أن المؤسسات الصحفية تخشبت ولم تعد تفكر سوى بشكل الصفحة كيف سيخرج في اليوم التالي متوجا بإعلان كامل  ملوَن؟!

أليست هذه الظاهرة التي نتحدث عنها “مساهمة” في تغذية الكراهية والطبقية في المجتمع؟ ونتساءل بعدها حول أسباب مقاطعة المواطن لوسائل الإعلام، عوضا عن جدية المؤسسات في محاربة الجريمة إعلاميا؟! بحيث تطبق العقوبة على أفراد “مواطنين “ولا تطبق على آخرين “مسؤولين”؟.

 الأمر بشكل أساسي متعلق بنشر صور متهمين لم تنطق أي محكمة بأمر لنشر صورهم، ولا التشهير بهم أمام الملأ “باعتبارهم مجرمين على المجتمع أن يعرفهم”.

نشر صور المتهمين  سواء كان مسؤولا بارزا أو مواطنا عاديا يجب أن يحدده أمران مهمان، العائد المعرفي من وراء النشر، وأيضا  المسؤولية  الأخلاقية للنشر. وهذان المرتكزان هما من يحكمان المهنة وليس أية اعتبارات أخرى خارج دائرة المهنة.

على المؤسسات أن تدرك أن النشر يعتبر في حد ذاته عقوبة، وعقوبة قاسية. لأن السجين قد يدخل السجن ويقضي أيامه ويخرج، وقد يعود إلى  المجتمع ولحياته الطبيعية، لكن ماذا عن الشاب الذي قد يخطئ ويرتكب الجرم، ثم يعاقب بالتشهير به والزج بصورته في الصحافة المقروءة والمرئية باعتباره مجرما قبل أن يحاكم وقبل أن يقف أمام عدالة المحكمة؟

على المؤسسات المعنية في هذا الشأن أن تفكر جديا في قرار نشر صور المتهمين، وأقصد أن تفكر في اسباب ازدواجية اتخاذ القرار في نشر صور المتهمين، وعلى المؤسسات الصحفية أن تكون حريصة وقوية حين تتخذ موقف النشر، وعليها أن تعبر عن موقفها الواحد بوضوح لا أن تتبع معايير أخرى خارجة عن دائرة ” غرف  التحرير”.

المهنة تحكمها أخلاقيات، و تحكمها مسؤوليات نشر أيض، وعلى القرار أن يكون حاسما لا يتجاوز الإثنين في أي قضية نشر.

0 2068 28 مايو, 2014 التاسع والأربعون, ثقافة وفكر مايو 28, 2014
Avatar

عن الكاتب

رئيس تحرير صحيفة البلد الإلكترونية

عرض كل المواضيع التي كتبها تركي البلوشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.