بلادي تكرِّمُ أدباءها ومحاكمها تُدينهم

لـ

بلاد ضاربة بجذورها في عمق التاريخ كعمان، ارتبط تاريخها ببعدين مشتبكين: الدين والأدب، ولم يجد أي من علمائها وفقهائها وأدبائها غضاضة في الجمع بينهما، حتى بزغت ألقاب من مثل “عالم الشعراء وشاعر العلماء”، وكما نفض النقاد العرب أياديهم منذ وقت مبكر من قضية ربط الأدب بالأخلاق، واصطلحوا على نقده بمعايير الفن وحسب، تقديرا لدور الخيال والصنعة الفنية فيه، كذلك فعل العمانيون عبر تاريخهم الطويل، الذي لم يكتفوا فيه من أشكال التعبير الأدبي بالشعر، بل أبدعوا في كل ضرب وفن من مثل المقامات والقصص والمذكرات والرحلات، ثم بلغ من افتتانهم بالقوافي أن نظموا العلوم الفقهية والتاريخية والفلسفية والطبية في أراجيز شكلت كتبا بأكملها.

وعلى امتداد هذا التاريخ الطويل يبدو لنا أنهم فهموا الأدب باعتباره فنا، لا باعتباره وثيقة صدق أو كذب، فلم يَلُم أحد النبهاني في غزلياته، بل شبهها المؤرخون – بفخر لا يخفى – بمغامرات امرئ القيس، ولم يعتب مخلوق على تشبيهات ابن شيخان الحسية، لأنهم يدركون ببساطة أنه يتبع تقليدا عريقا في القصيدة العربية، شمل حتى القصيدة التي ألقيت أمام الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، ولقبت بالبردة تقديسا لها، وهي التي تفتتح بحب سعاد، الهيفاء مقبلة، العجزاء مدبرة. وشاعر متصوف واستنهاضي عظيم كأبي مسلم البهلاني لا يخلو ديوانه من أبيات الحب والغزل، ولم يحكم عليه الناس إنه “متناقض”، ومن بعده عشرات الأدباء الذين سطروا إبداعهم بكل حرية، ولم يُتَّهموا في دينهم، ولم يَلمهم ناقد؛ فأي ناقد لا يفوته قول “القاضي” الجرجاني: “فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحى اسمُ أبي نؤاس من الدواوين، ويحذف ذكره إذا عُدّت الطبقات، ولَكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية، ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وابن الزِّبَعري وأضرابُهما ممن تناول رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وعاب من أصحابه بُكْماً خرساً، وبِكاء مفحمين؛ ولكنّ الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر”. ودواوين الشعراء بين أيدي الناس، لو سُقنا منها الأمثلة على حرية الأديب في خياله لما فرغنا.

 إن أول مذكرات تكتبها امرأة عربية كانت لامرأة عمانية، ولم نسمع بمحكمة حاكمت الأميرة سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان على مذكراتها التي تعترف فيها صراحة بحبها للألماني وهربها معه، والمذكرات طبعتها وزارة التراث والثقافة قبل أن تطبعها دور النشر في الخارج. لم يتفرغ أحد على امتداد هذه القرون لنخلِ هذه الكتب مفتشا فيها عن كلمة لا ترضيه أو جملة لا تعجبه، فيحمل الكتاب بأسره إلى القضاء مطالبا بإعدامه.

وإذا ما وسعنا الدائرة قليلا فكتب الفقه العمانية ناهيك عن كتب الطب القديمة تشرح أدق التفاصيل الحميمة، بكلمات أقل ما يقال فيها إنها صريحة، وها هي تملأ الأسواق وتُعاد طباعتها، ويقتنيها الصغير قبل الكبير، وما انبرى أحد بالقول إن كتب الفقه والطب تخدش الحياء، أما الأكثر لفتا للانتباه فهو أن كل كتب “النكاح” عند العرب قد ألفَّها قضاة أجلاء من أمثال النفزاوي، وعلماء مفسرون مشهود لهم من أمثال السيوطي الذي لا نستطيع إثبات عناوين كتبه فضلا عن تفاصيل أبوابها، ولا يخفي مؤلفو هذه الكتب أهدافهم من تأليفها بل ينصون عليها بكل وضوح في مقدماتهم. ويُحصي الباحثون ما يربو على المائة كتاب في هذا الموضوع. وعلى الرغم من أن كتب التراث تنقل لنا أخبار قصائد “المغامرات الحسية” التي كانت تُنشد في المساجد نفسها، فإن بعض معاصرينا من “المتعلمين” العمانيين يستنهض أسلافه من الأدباء ليروا كيف “انحدر” الأدب.

وفي السنوات الأخيرة بدأنا نرى سيلا من الدواوين والقصص والروايات، التي تقام لها المهرجانات، وتُعقد الأمسيات، وتُرصد لها الجوائز الكبيرة منها والصغيرة، وتُدعم بالنشر والتوزيع، وفي هذا السيل بطبيعة الحال الزبد الذي سيذهب جفاء، ولكن فيها أيضا الذي سيمكث في الأرض، والذي سيترعرع في شجرة الأدب العماني الوارفة، وفي حقول الأدب العربي والعالمي، والذي يستحق أكثر مما يقدم له، والزمن كفيل بتنقية الجيد من الرديء، فلن يصمد المتهافت، ولن يخلد غير الأدب العميق، فالأدب لا يحتاج إلى وصاية لأنه ينقي نفسه بنفسه.

ولكن في خضم كل هذا، في بلدِ تُنشد فيها القصائد حتى اليوم في مجالس العزاء، والمناسبات الوطنية، وتضم مكتبات بيوتها قبل مكتباتها العامة نسخ ألف ليلة وليلة، وتتدفق في معرضها للكتاب آلاف العناوين الأدبية في أكثر الموضوعات حساسية، وتنفتح قنواتها الفضائية على كل شيء للصغار قبل الكبار، ويحمل الانترنت فيها لكل بيت الغث والسمين ليختار، في نفس هذه اللحظة التي تلتفت فيها البلد لأدبائها، وتحاول رد الاعتبار لمثقفيها، يصدر حكم أحد محاكمها بإتلاف كتاب ومنع توزيعه، وكأن المحكمة هي الوصيُّ على أذواق الناس وأخلاقهم، وكأن الأدب هو المسؤول عن مظاهر الانحلال التي لم يرها رافعو الدعوى في مجتمعهم “الطاهر”، وإنما اقتنصوها في جملة أو جملتين في قصة لم تزعم أنها تقدم سجلا للمجتمع، وليست بطبيعة الحال مرآة ولا منارة، كما يفهم أي قارئ للأدب العربي منه والعالمي، وليست بكل تأكيد أكثر خطرا من قضايا الفساد والرشاوي والإتجار بالبشر وتدهور التعليم، ولكنها – لسبب ما – أصبحت من اختصاص المحاكم في بلادي، وصدر الحكم بإعدام القصة.

ما الذي يرعب المحكمة في قصة؟

0 1924 01 يونيو, 2014 الخمسون, سياسة يونيو 1, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.