جنس وخمر

لـ

لم تكن هاجر تعلم بأن يومها الأخير من حياتها سينتهي اليوم وستنتهي معه كل أحلام طفولتها البريئة التي لم تكتمل بعد, تماما مثلما لم يكتمل أحد مشاهد رسوماتها على الكراس. فهي لم تضع بعد عليها الألوان, فالشمس تحتاج إلى اللون الأصفر لتشرق, والعشب يحتاج إلى اللون الأخضر لينمو, والبحر يحتاج إلى اللون الأزرق ليموج.. إنها تحتاج إلى ألوان الحياة, الحياة التي انتزعها منها أعداء الحياة ليقدموها قربانا إلى صناع الموت نظير جمع غفير من الحور العين, وأنهار تسيل من الخمر, في صورة تجسد مدى تعطشهم لسفك دماء أبناء جلدتهم بغية التنفيس عن كبتهم الجنسي المسعور, واحتساء كؤوس نخبهم الملعون.

في ذلك اليوم المشؤوم انطلقت هاجر ذات الأحد عشر ربيعا إلى السوق لشراء باقة ورود لصديقتها سارة, تعبر لها من خلالها عن خالص مواساتها وتمنياتها لها بالصحة والعمر المديد بعد نجاتها من حادث إرهابي كاد أن يودي بحياتها, وقع في حفل زفاف خالتها ماريا في إحدى قاعات الأعراس, محولا الفرح إلى ترح, ومخلفا قائمة من الضحايا ما بين قتيل وجريح.. وما أن كادت هاجر تغادر محل الورود حتى دوى انفجار هائل مصدره سيارة مفخخة في وسط السوق, هز الأرض.. ليحول الجميع إلى أجساد متفحمة وأشلاء متناثرة هنا وهناك..

ما الذي يدفع هؤلاء يا ترى إلى القيام بهذا الإجرام بكل ما تحمله الكلمة من معنى رغم تغنيهم وتبجحهم بقوة إيمانهم والتزامهم بتطبيق شريعة الله على الأرض؟.. لماذا يزهقون أرواحا بريئة لا ناقة لها ولا جمل فيما يدعون ويزعمون محاربته؟.. ثم من هو عدوهم الحقيقي وما هي غايتهم بالتحديد؟.. أين تكمن علة انحرافهم وظلالهم؟.. أفي صناع الخطاب الذين يتشرذمون حولهم وينقادون لتنفيذ تعاليمهم, أم في النص ذاته الذي ينطلق منه صانع الخطاب هو الآخر؟؟.. أسئلة تطرح على المحك لاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الدامية والتي دقت ناقوس الخطر في العالم, محذرة من مدى إرهابهم وخطورة عدم تكاتف قوى العالم للجم فكرهم الجهادي من الاستفحال, وتتبع المنابع التي تغذي هذا الفكر, بل وتجفيفه نهائيا.

 رحماك إلهي لا يمكنني قط تخيل حجم مسارح الدم الذي يتدفق في العالم جراء إرهاب هذه الجيوش المغسولة دماغيا!!.. معسكرات في بقع نائية يتم خلالها تفريخ هؤلاء.. وخلايا نائمة على أهبة الاستعداد للاستيقاظ في مكان ما حولنا.

إليكم قرائي الأعزاء هذا العرض السريع والمختصر عن أبرز العمليات الإرهابية التي قد شنها تنظيم القاعدة, أحد أشهر وأكثر الجماعات الراديكالية الجهادية إرهابا وعنفا, والتي حدثت خلال السنوات الأربع عشرة الأخيرة, حسب ما ورد من أرقام لعدد الضحايا في موسوعة ويكيبيديا الحرة للمعارف:

العملية

الزمان

المكان

الضحايا

المنفذون

تفجيرات دار السلام ونيروبي

7-8-1998

دار السلام, تنزانيا _نيروبي, كينيا

644

تنظيم القاعدة

تفجيرات مركز التجارة العالمي

11_9_2001

نيويورك, الولايات المتحدة

3000

تنظيم القاعدة

تفجيرات بالي

12_10_2002

بالي, إندونيسيا

411

تنظيم القاعدة

تفجيرات الرياض

12_5_2003

الرياض, السعودية

173

تنظيم القاعدة

تفجيرات ضريح العسكريين

22_2_2006

سامراء, العراق

أكثر من 100 (كحصيلة عنف بين السنة والشيعة )

تنظيم القاعدة (بشكل محتمل)

تفجيرات كنيسة القديسين

1_1_2011

الإسكندرية, مصر

أكثر من 120

جيش الإسلام (الموالي لتنظيم القاعدة)

 

من المؤسف جدا أن من بين قائمة هذه الدول التي تعرضت لتلك العمليات الإرهابية من قبل عصابات الموت, من المؤسف بأن تكون إسلامية. فوضعها أشبه ما يكون بوضع ساحر ما قد انقلب عليه سحره, أي بمعنى آخر أن نتيجة فتح المجال فيها لذوي القلوب المليئة بالكراهية والعدائية تجاه الآخر المختلف, والمتمثل بإفسادهم للمناهج التعليمية بتعاليم تحض على رفض ليس فقط دينه أو فكره, وإنما حتى حق وجوده في الحياة أيضا, وباكتساحهم منابر المساجد وإلقاء خطبهم عبر مكبرات الصوت والتي تفيض بالويل والثبور وعظائم الأمور على كل من يتجرأ وينتقد أو يختلف مع ما يذهبون إليه, وأيضا بإطلاقه لوسائلهم الإعلامية والتي تستقطب قطعانهم وتقضي على إنسانيتهم, في حال لم تستطع مناهجهم ومنابرهم أن تفي بهذا الغرض. 

إن العالم اليوم في حالة حرب مع الإرهاب, والعالم الإسلامي على وجه الخصوص مطالب بإعادة النظر مليا في مناهج كتبه التعليمية, وخطب مشايخه الدينية, وكذلك برامج قنواته الإعلامية, بهدف تنقيتها من كل شائبة من شأنها أن تحرف مسار أحد متلقيها, ومن ثم إلقائه في أحضان إحدى عصابات هذه الجماعات الجهادية.

إلى متى ومسارح دماء ضحايا الإرهاب ستستمر في عرض سلاسل هذه المشاهد الوحشية والشنيعة!!.. من انفجار سيارة مفخخة كانت توجد في وسط أحد الأسواق, لتحوله من مكان يعج بالحياة إلى بقايا أنقاض تفوح برائحة الموت.. أو انفجار حزام ناسف كان يحيط بجسد أحدهم أثناء تواجده داخل إحدى قاعات الأفراح, ليحولها في لحظات إلى قاعات للأتراح.. وغيرها من الطرق القذرة والبشعة التي يستخدمها أعداء الحياة لقنص وافتراس ضحاياهم من الأبرياء.

 قطعا سوف يستمر جميع هذا الإجرام إلى أمد طويل ومجهول, ما لم ننق كتبنا ومناهجنا الإسلامية.. سواء من: تفاسير قرآنية, أو أحاديث نبوية, أو فتاوى شرعية.. إلخ, من كافة شوائب إلغاء وإقصاء الآخر, وتكفيره وزجه في نار جهنم في الآخرة وهو لا يزال حي يرزق في الدنيا ولم يقف أمام ربه للحساب بعد, وفي أسوء حالاته تطبيق حد الردة عليه, ليس إلا لأنه فكر وامتلك حق الخيار, وأعلن القرار بأن يكون حرا طليقا في تقرير مصير حياته.

إننا مطالبون بالوقوف بيد من حديد في وجه من يعتلي منابر المساجد أمام رعاياه ويبث سمومه التكفيرية والتحريضية على حياة أي من كان من أتباع الديانات والمذاهب الأخرى, وذلك لأجل التحقق من عدم تلويث دور العبادة باللعب السياسية والتي تفقدها قدسيتها بلا شك وتجعل من الدين تجارة يرتزق من ورائه كل من يسيل لعابه إلى كرسي التحكم بعقول البشر وتجييشهم في صفه, وبالتالي ضمان تأمين مصدر مال لجيبه.

 أما أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية فهي ليست بمعزل بالطبع عن المطالبة بعدم السماح إطلاقا, لمن بدأت تكثر كتاباتهم على صفحات الصحف والمجلات, وأصواتهم عبر أثير الإذاعات, وصورهم من خلال شاشات التلفاز, بعدم السماح لهم بأن يطلقوا دعواتهم الطائفية والمذهبية المتصاعدة التي تزرع الفتنة بين الناس وتقسمهم إلى شيع وأحزاب متناحرة.

لن أنسى إطلاقا في حياتي ردود أفعال من أخذتهم الحماسة بتمجيد أيادي زمرة عصابة من قاموا بتفجيرات أيلول الأسود في برجي مركز التجارة العالمي بالولايات المتحدة الأمريكية. إنني أتساءل حقا أين ذهبت إنسانيتهم؟.. كيف تسنى لعقولهم بأن لا تأبى وتستنكر هذا العمل الجبان والمقيت برمته؟.. كيف يتجرؤون ويتفوهون بترديد “الله أكبر” على مجزرة (موقعة بمباركة إلهية), على حد اعتقادهم, رغم أنها تمثل قمة السادية؟؟

بجانب ما أحصيت ذكره أعلاه من منابع يمكن استغلالها لضخ الإرهاب, لا يمكنني إغفال أهمها واخطرها على الإطلاق, ألا وهي التربية والتي تبدأ من المنزل على أيدي الآباء. فمرحلة الطفولة, خصوصا خلال السنوات الخمسة الأولى منها, تعد من أكثر المراحل والفترات العمرية تأثيرا على حياة الطفل مستقبلا, وذلك بسبب غضاضته وسهولة تشربه لما يتم تنشئته عليه بانقيادية وبرمجته على نحو يرسخ في عقله الباطن ترسانة من الأفكار تتطور بشكل فتاك كلما تقدم في العمر مما يجعل مسألة التغلب على هذه البرمجة ليست بالأمر اليسير. فحياة الطفل باختصار هي كالعجينة القابلة لتشكيل على النحو المراد, وعملية خبزها في الفرن هي أقرب مثال على تلك القولبة البرمجية التي تتعرض لها تحت تأثير حرارة نيران تلك المنظومة الأيديولوجية المدمرة لأي حس إنساني عام ينبض بالفطرة.

إنني أتوق إلى أن يصبح حلمي حقيقة.. حلمي بأن تعيش البشرية جمعاء في سلام, وتتعايش معا بكافة أطيافها الدينية والفكرية؛ فيا أخي آمن بالحجر ولكن لا ترمني به, واللبيب بالإشارة يفهم.            

    

                  

 

 

0 2011 03 يونيو, 2014 الخمسون, سياسة يونيو 3, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.