ثقافة تشويه المرأة

لـ

لقد مرت المرأة عبر التاريخ بظلم وتشويه لا إنساني، ولا تقف هذه الكلمات هنا لتضرب الأمثلة الكثيرة  من التاريخ، لكون الأمر أصبح معروفاً لدى الجميع.

لكنها ستضرب بعض الأمثلة من الفلسفة الإغريقية، وعادات العرب وتقاليدهم، لكون كل ذلك أثر على تحجيم دور المرأة، وصُورت أنها مجرد عابدة أو خادمة للرجل، أو عورة، ومما يؤسف أن هذه الفلسفات الظالمة ألبست ثوب الدين، بينما الدين منها بريء.

فأرسطو يقول: (إن الانحراف الأول هو أن يجئ النسل أنثى بدلاً من أن يكون ذكراً، وإن كان ذلك يمثل ضرورة طبيعية، لأن فئة الحيوانات التي تنقسم إلى جنسين لا بد أن تبقى).

كلام أرسطو واضح على اعتبار ولادة أنثى يعتبر انحرافاً كونياً أو اجتماعياً، ومثل هذه النظرة كانت موجودة لدى العرب، وهو مما حكاه القرآن عنهم في قول الله تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) النحل: 58، ومثل هذه النظرة السوداوية نحو المرأة ما زالت حاضرة لدى بعض العرب، فتُمارس هذه الثقافة بطريقة مبطنة، مثال ذلك، أن يُسأل الرجل عن حال أطفاله الذكور ولا يسألون عن حال أطفاله الإناث.

وبعض المجتمعات يُسأل الرجل عن حال ولي العهد من أبنائه، ويقصد به الولد الذكر وإن كانت البنت أكبر منه، فيقدم الذكر على الأنثى، لكونه هو الذي يستحق في نظرهم إن يكون ولي العهد، بينما الواقع في الزمن الراهن يقدم لنا في بعض الأسر قوة المرأة وشخصيتها مع ما تمتاز به من الذكاء والتوظيف ما ينبغي أن يؤهلها أن تكون هي ولية العهد لا الولد الذكر.

وطبعاً في المثالين الأخيرين ينبغي أن يأخذا منحى العرف في المجتمعات، لا أن يُسلك بهما مسلك الدين، ومن ثم التعصب لهذا الأمر، فهنا تكون المغالطة التي لا تستقيم مع دين الله ولا الفطرة الإنسانية.

وفي الفلسفة اليونانية أيضاً يقول أرسطو: (ينبغي أن ننظر إلى الأنثى على أنها تشوه خلقي، أو أنها موجود مشوه إن صح التعبير).

وهذا النظرة أيضاً تمارس لدى العرب إلى يومنا هذا، فقد كانت بعض قبائل العرب تقوم بوأد البنات، ودسهن تحت التراب لأنه عار، وما العار إلا لأنه تشوه سواء كان تشوهاً خِلقياً أو خُلقياً فلا فرق بينهما من حيث الإساءة إلى المرأة، لهذا يلحظ عند بعض العرب لا تذكر المرأة وإلا ويتبعها بعبارة (أعزكم الله)، ليشير إلى أنها مجرد عورة، أو نجاسة، وهو ما سردته الروايات الكاذبة المنسوبة إلى نبي الإسلام عليه السلام، فقد روى الترمذي: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان)، فليحظ أن هذه الثقافة المشوهة لصورة المرأة ألبست ثوب الدين، لتمارس في المجتمعات الإسلامية بقوة ولتأخذ تصريحاً شرعياً لها، وقد يكون بعض الشباب المثقف أو المتدين قد تجاوز تلك العبارات بيد أنه يمارس ذلك بطريقة مبطنة، مثل ذلك، لا يستطيع ذكر اسم زوجته أو أمه أو أخته أمام أحد من زملائه، وإن ذكر فبشئ من الحياء والخجل، مع أن المسلمين الأوائل لم تكن ثقافة إخفاء اسم المرأة معهم، فيذكرون اسم خديجة وعائشة وزينب وفاطمة وغيرهن، والأمثلة من التاريخ في ذلك كثيرة، وحتى المرأة غذيت بهذه الثقافة المشوهة لصورتها ولإنسانيتها، لدرجة أن بعض النساء إذا كتبن مقالاً أو كتاباً يبتعدن عن ذكر أسمائهن ويشرن إلى أنفسهن بأم فلان، أو بقلب آخر، كما نرى ذلك حتى في وسائط التواصل الاجتماعي، ومن المتناقضات أنهم يذكرون اسم المرأة أو الأخت في الأعمال الرسمية بل هي نفسها تقوم بذلك، وذلك بسبب تأثير الحداثة والثقافة المعاصرة على هذا الفكر الأرسطي.

وعموماً الثقافة المعاصرة بمختلف حراكها التقني والصناعي والفكري كفيلة لردم تلك الثقافات المشوهة لصورة المرأة وإن مورست إيديولوجياً لخدمة برجماتية الأهواء.

0 1610 10 يونيو, 2014 الخمسون, ثقافة وفكر يونيو 10, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.