إلعب يا فأر

لـ

نشرت جريدة صوت عُمان في العدد 44 في عام 1978م، ما قاله جلالته من كلام ثمين حول أنّ “جميع المسؤولين في حكومة هذا البلد هم خدم للشعب”، ولكن كما يبدو هنالك محاولات مُعاكسة لجعل الشعب خدما لمصالح البعض من المستفيدين من قرار مجلس الوزراء الأخير. فقد غرّد كُثر عبر عدد غير مسبوق  من التغريدات وصل إلى ما يربو على  50 ألف تغريدة  في زمن قصير، كما احتقن الشارع العُماني الذي أخذ يكرّ ويعيد ويزيد قصة القرار الذي قنن صلاحيات هيئة حماية المستهلك فيما لا يتعدى 23 سلعة من أصل 3 ملايين سلعة مُسجلة في قاعدة البيانات.

 والسؤال: هل يمكن لهذه التغريدات المستمرة والشارع الضاج والبيانات التي شرع المواطنون بتوقيعها الكترونيا والآراء التي كتبتها الأقلام النزيهة أن تُغير السيناريو البشع، أم أنّ المسألة كما طرح أحد “الكاريكترات” يُقاس بتجاهل المسؤولين للضجيج وبالرهان على الوقت الذي سينسى فيه المواطن العماني حقه المهضوم؟

ولكن هيهات أن يصمت المواطن العماني هذه المرّة والمسألة تتعلق بلقمة عيشه وبأساسيات حياته، هيهات أن يعود العُماني إلى أسوار القلعة التي تُغلق بابها آخر المساء، في زمن جديد مكنته أدوات عصره من أن يُعلي صوته ورأيه. فعلى قلب رجل واحد انطلقت حملة غاضبة لتقول بصوت واحد: “انتهى زمن الضحك على الذقون”. كما أنّ زمن الإعلام الذي يكبت صوت المواطن، ليرسم صورة براقة للآخر انتهى أيضا، فهنالك من يرى أن هذا “الهاشتاق” الذي أطلق عبر تويتر ضد القرار يكاد يكون واحد من أكثر “الهاشتاقات” تفاعلا. وهذا التفاعل لم يأتي من فراغ وإنما من غضب، فإن كانت الطبقة المتوسطة في عُمان بالكاد تستطيع أن تعيش الحياة الكريمة، فما بالك بمن هم دون هذه الطبقة ممن يحسبون حساب نزهة صغيرة أو عشاء خارج البيت، يحسبون حساب دشداشة العيد، وحقائب أولادهم المدرسية. قرار كهذا من شأنه أن يوقظ كل الغضب النائم. وهذا ما لا ينبغي أن نصل إليه ونحن دولة من أكثر دول الوطن العربي، لاقت الثناء على ذكاء قائدها في احتواء مطالب الشعب، وإعادتهم من الشوارع إلى البيوت برضا.  فهل نحن على استعداد لمواجهة غضب جديد؟ أم علينا أن نفكر بأن خطوة توحيد الرواتب “ذلك الفرح الصغير” لم يكن أكثر من فخ للوقوع في براثن قرار صادم كهذا.   

يتساءلون: لماذا نذهب إلى الإمارات لنتسوق، علما بأن متوسط دخل الفرد لديهم أعلى بكثير من متوسط دخل العُماني والإجابة: لأن العُماني يجد لديهم متنفسه وخياراته في اقتناء السلع. فيما أسواقنا مُحتكرة وسلعها محدودة وبالتالي باهظة الثمن لغياب المنافسة. نحن على مشارف شهر رمضان الكريم ويليه العيد ومن ثم افتتاح المدارس، ولا نعرف هذه “البيسة” أين عساها تذهب!  

فلولا أنّ المواطن لمس بريق أمل يتيم من هذه الهيئة ووضع ثقته فيها، لما ضجّ الشارع العماني هكذا. لو كانت مؤسسة غير مؤثرة لما اكترث أحد لأمرها. أذكر إلى الآن أن الناس علقت على هذه الهيئة باستياء بادئ الأمر، ولكن منذ أن بدأت عملها الجاد وكشفها المُبين للحية العملاقة الملساء التي تمشي من تحت أقدامنا، منذ مسلسل الحلويات المغشوشة إلى إطارات السيارات وقطع الغيار، منذ أن بدأت ترمي أطنانا من السلع الفاسدة والمنتهية من أطعمة وأسماك وأدوات تجميل، منذ ذلك الحين بدأ المواطن العُماني يشعر بأن هنالك من يرأف به ويكترث لأمره، بل إنه تعلم ثقافة أن يتصل وأن يبلغ ما أن يمس أحد حق من حقوقه. هذه الهيئة الصغيرة قامت بعمل مُنظم وملفت للانتباه، وربما أثار عملها غيرة البعض، فحضروا لها حبل مشنقة متين.. فهل يعقل أن يقتصر دور الهيئة على سلع أغلبها مدعوم أصلا من قبل الحكومة؟ ماذا عن مواد البناء التي نُكابد ارتفاعها وقطع غيار السيارات؟ ماذا عن مراقبة أسعار الصيدليات والأدوية والملابس.. أليست من الأشياء الأساسية التي لم تعد الحياة ممكنة بدونها!

ما يحصل الآن هو أننا نتابع الحلقة المتممة لمسلسل الاحتكار الذي خنق أسواقنا واقتصادنا العماني، فهل ظنوا فعلا أن خدعة دراسة الغرفة التي ترى “أن تحديد الأسعار لها آثار سلبية، لأنها تؤدي إلى ضياع مبدأيّ العرض والطلب وتثبيط عمليات الإنتاج وقتل روح الابتكار وتردي جودة الانتاج وضعف مستوى السلع وتثبيط الإبداع في تقديم الخدمة وقتل رغبة التطوير وغياب المبادرات وتبديد الموارد وتخفيض الدخول، كما تؤدي إلى الإخلال بالعمليات الحسابية عند التجار..” لحظة واحدة.. يبدو أنّ  السبب الأخير هو مربط الفرس.

كنا ننتظر بارقة أمل حول الأوامر السامية بدراسة إنشاء الجمعيات التعاونية، كنا نتوقع إجراءات حازمة فيما يتعلق بتطبيق قانون منع الاحتكار وننتظر بشائر إصدار قانون حماية المستهلك، وصلاحيات أكثر لتمكينها، فإذا بها تُشنق.  

ليس من حق أحد أن يتحدث الآن عن الأموال العُمانية التي ستصرف في الخارج، ليس من حق أحد أن يعتب لأن عُمان ستتحول إلى أرض خصبة للتجارة المستترة، فيما يد المشاريع العمانية مغلولة.. فما أن يقل الحس الرقابي لعين القط اليقظ حتى يلعب الفأر بذيله كما يشاء.  

0 2525 18 يونيو, 2014 الخمسون, سياسة يونيو 18, 2014
Avatar

عن الكاتب

كاتبة عمانية

عرض كل المواضيع التي كتبها هدى حمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.