ما فيني بارض

لـ

” يتصل أحدهم بمؤسسة لتخليص المعاملات، وبعد الاستفسار عن الوثيقة يطلب من الموظف أن ينهيها له قبل وصوله، فيرد عليه الموظف أن المكان مزدحم ويجب عليه الحضور لتخليص المعاملة والانتظار حاله من حال بقية المراجعين، فيغضب المتصل ويرد عليه ما فيني بارض انتظر، وسأكون معك بعد ربع ساعة وأتمنى أن تكون معاملتي جاهزة!!”
تلك أحد المشاهد التي يكررها البعض من الذين قد نطلق عليهم المستعجلين أو قليلو الصبر في المجتمع، يستعجلون كل شيء، ولا يتنفسوا، ويتطاير الشرر من أعينهم، بحسب سرعة تنفسهم والتهامهم الهواء، ليس بالضرورة أن الوقت لديهم ثمين، ولكن أصبحت كالجين الوراثي الذي لا يهدأ حتى وأن انتهاء من أداء العمل المراد تخليصه وإنهاءه، فنفاذ الصبر لديهم يكاد يكون مبدأ أو ضرورة تصيبهم بالهستيريا أن لم يتم عملهم بالسرعة القصوى، ومن الملاحظ أن تلك الصفة أصبحت كالعدوى يصاب الجميع بها حين يكون هناك أي تجمع في مكان ما، فينقل أحدهم فيروس نفاذ الصبر مثله كمثل التثاؤب حينما يرسل إشارات تجعل الجميع متحفز وغير قادر على الانتظار، وقد تكون كردة فعل غاضبة على طلب قد تأخر في تنفيذه بالسابق فتصيب الشخص بالإحباط، وبالتالي يحاول أن يستعجل كل موضوع قادم أمامه بدون احتساب الوقت أو أن الحاجة للانتظار هي من لمصلحته، فيحاول أن ينجز أكثر من عمل في وقت واحد وفي أسرع وقت ممكن، وتطارده فكرة أن الحياة قصيرة ويجب أن يتم ما يرغب به بأسرع ما يمكن.
الملفت أن شخصية ” ما فيني بارض ” نجدها لدى البعض من مرتادي الشارع والمواصلات، ويبدو أنه فهم الحاجة من لتحسين الشوارع بما يسهل الوصول إلى المكان المقصود بأمان بصورة خاطئة، فهذه الشخصية أعتبر الطريق السالك أداة يطلق فيه طاقته القصوى لسرعة الوصول إلى الموت، سواءً بقتل أولئك من هم بالشارع أو من معه في السيارة، وأن كان الطريق مزدحم نجده يتجاوز المركبات بسبب جين ” ما فيني بارض” المتوارثة من أسرته بطريقة غير مباشرة، ويبدو أنه من خلال نشاءته كان يرغب بالكثير من الأعمال أو المتطلبات وتم تأجيلها من قبل الأسرة أو تجاهلها، فأصبحت قيادة السيارة وسيلة لتنفيس غضبه لذلك التأخير، بالإضافة لقاطعي الطرق الذين حتى الآن لا أستوعب سبب تجاهلهم للأماكن المخصصة لقطع الطريق من جسر أو معبر أرضي، فيقطعون الشارع من وسطه، لأنهم استسهلوا الوقت الذي يقطعوا به الشارع عرضي، كي تدهسهم تلك السيارة التي يقودها شخص شبيه بهم وما فيه بارض.
غالباً لا يتحمل ” نافذ الصبر ” المسؤولية، فهو يحمل مسؤولية التأخير كل عمل اتمه بدون دراسة وتخطيط، رافضاً أن يدرك أن التريث قليلاً والتركيز يساعده على أدراك العرقلة التي تصادف ذلك العمل، كما أن مكانته الاجتماعية أو الاقتصادية تضعه في موضع الضغط الدائم، لمحاولة الإلمام بكل شيء من حوله في أقصى سرعة ممكنة، وبالتالي يؤدي إلى فقده السيطرة بالكثير من الأمور التي لم يخطط لها أو يجدولها، كما أن طبيعية الحياة الحالية يجعله يلهث وراء الماديات بدون وعي وادراك لضرورة أن يأخذ الأمور بروية ودراسة.
حين نأتي لمحاولة دراسة الطريقة التي أدت إلى وجود هذه الصفة لدى بعض أفراد المجتمع، نذهب إلى التنشئة، فالطفل عندما يولد حدد مقياس سرعته في تأدية الأعمال على دماغه، وكلما أدائها بسرعة كلما كان محبوب، فتتكرر على رأسه عبارات تساعده في حرق الأفكار لتسريع العمل، مثال عليه ” عدد سنوات دراسته يجب أن تنهيها، وبعدها الكلية أو الجامعة، ومن ثم العمل، وبعد ذلك الزواج المرتب له في السابق وما عليه سوى توفير المهر أو البيت بقرض من البنك طوال سنوات حياته – هذا من حيث الرجل- الزواج وبعد ذلك ضرورة الأنجاب بسرعة – وهذا من حيث المرأة- ازدياد عدد الأبناء، سرعة توفير حاجياتهم” ويجب أن لا يشكو فأن شكى أو أعترض تردد عليه هنا الصفة معاكسة أي ما فيك بارض للعمل بما خططه الأهل لك.
في أحد أوجه انعدام الشعور بالطمأنينة والأمان تجعل البعض من الذين يتعرضون لحالة ” ما فيني بارض” لأن يشعر أنه شخص غير جدير بالعمل، يفتقد للجراءة بالقيام بما يرغب به، تنتزعه حاله من رادات الفعل المعاكسة للحالة التي وجد نفسه فيها، فيرفض القيام بأي عمل، ويستكين للكسل والخمول ورفض كل ما يؤدي إلى أيجاد ذاته فيها، وكل هذا هي نتيجة التفكير السلبي لقدراته بخلق عالم يتناسب مع طموحه التي أذبلتها عدم توفيرها له من قبل من هم حوله، واتكاله الكامل عليهم للقيام بما يجعله شخص خامل غير مفيد، وبالتالي فهناك حالتان تتلبسان شخصية ” ما فيني بارض” أولها عدم التريث للإنجاز الأمور، والثانية عدم الرغبة بالقيام بالأمور نهائياً.

0 1439 19 يونيو, 2014 الخمسون, ثقافة وفكر يونيو 19, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.