قرار مجلس الوزراء بحاجة إلى إعادة نظر

لـ

يقال بأننا من شعوب دول العالم الثالث. هذه المقولة الغربية، هي نتاج الرأسمالية ومكوناتها الهدامة نحو إنسان ما يسمى بـ “العالم الثالث” متناسية أن شعوب دول العالم الثالث هي شعوب تحمل هويات وطاقات وإبداعات. إلا أن ما يقتل تلك الطاقات والإبداعات ليس تلك الصبغة اللاإنسانية في تقسيم العالم وفق المقدرات المادية أو تطورها العلمي، إنما يقتل تلك الطاقات والإبداعات القرارات التي تحجم إنسان العالم الثالث وتحصر فكره ضمن قائمة غذائية من أجل شل طاقاته وإبداعاته وقدراته!

قرار مجلس الوزراء بتعديل قرار هيئة حماية المستهلك رقم (12/2011م) “بشأن حظر رفع أسعار السلع و الخدمات إلا بعد الحصول على موافقة الهيئة” هو قرار يقر عددا من الفجوات في حكومتنا “المترهلة” (كما وصفها أحد وزراء نفس الحكومة) أساسا. إلا أن هذه الفجوات تتسم بلا إنسانيتها تجاه إنسان العالم الثالث لتؤكد مقولة أن العالم الثالث عالم الاحتكار وعالمٌ، القوي فيه يأكل الضعيف، وعالمُ عدم احترام المواطن وعالمُ القرارات التي تتخذ بمنأى عن الشعب، و بالنتيجة إنه عالمٌ خالٍ من أية إبداعات و ابتكارات ..و..و الكثير!

إنسان العالم الثالث وليد قرارات لا إنسانية استهدفت عقل وكيان الإنسان لتجعله أسير حاجات أساسية لا تؤهله أن يخوض غمار العلم و التقدم و العطاء. فتظل تلك القدرات والطاقات التي أهله الله سبحانه بها تنحت في أحجار الكد والعيش والبحث عن الأمن والأمان بما فيه الأمن الغذائي! مسكين هذا الإنسان الذي قُدر عليه أن يكون طاقة معطلة تتوجس خوفا من مفترِسٍ يتربص بها!

لقد أكدت النتائج التي توصلت إليها الدراسة المعدة من قبل غرفة تجارة و صناعة عمان إلى “أن منظومة حماية المستهلك ينبغي أن تكون متكاملة بثلاثة أضلع رئيسية” هذه الأضلع الرئيسية تفتقر إلى أهم ضلع في تلك المنظومة وهو الإنسان بخيره وشره. لقد تحدثت عن الحقوق والواجبات ضمن أطر لا تحتمل حقا او تبادر نحو واجب!! فهل يتوقعون ممن سبق له ان غش الأطفال في غذائهم أن يقر ويعترف فضلا عن أن يراعي تلك الحقوق؟ أم يتوقعون من أصحاب شركات السيارات التي بسبب جشعها وغشها في قطع الغيار حصدت أرواح شبابنا؟ أم أنها سوف تكون من ضمن أولويات عصابة الفساد والرشاوي في أكبر شركات البناء حتى نأمن على أرواحنا من فسادها؟

لقد أقرت الدراسة أن اكبر المتضررين من ظاهرة التضخم هم المستهلكون. فكيف تم حماية أولئك المستهلكين؟ هل هناك قوانين تناولت الحد من عملية الاحتكار؟ أم أن هناك قوانين أَقرت العقوبات على أصحاب العمل للحد من فسادهم و غشهم و.. و؟ كيف ستتم حماية المستهلك في منظومة فتحت ذراعيها معانقة أصحاب رؤوس الاموال؟

تربويا، إقرار أي برنامج في أي مجال لابد أن يتم وفق أسس علمية تراعي المجتمع وقدراته وظروفه. فهل تمت دراسة تلك الظروف و القدرات والإمكانيات؟ هل تم استفتاء الشعب أو أخذ رأي المختصين؟

لقد توصلت دراسة غرفة تجارة وصناعة عمان إلى ثمانية نتائج التي لا يجب الإخلال بها ( كما ورد في الدراسة)، منها على سبيل المثال:
1) تثبيط روحية الإنتاج وقتل روح الابتكار..
كان الأجدى بالمجلس الاستعانة ببعض التربويين وعلماء النفس والاجتماع لتعريفهم بأن روح الابتكار لا تنمو وتنضج في ظل بطون جائعة وعقول تبحث لها عن مخارج لعيش كريم أراده الباري لهم عز وجل للإنسان. هذه حقيقة إنسانية تربوية غفل عنها المجلس في ظل طغيان التفكير المادي القائم على مبدأ حساب الربح و الخسارة!
2) تردي جودة الإنتاج وضعف مستوى السلع المستوردة. الأربعون سنة الماضية أثبتت للمواطن العماني أن جودة الإنتاج في ظل غياب الرقابة كانت معدومة تماما. فقد طالت عمليات الغش الكثير من القطاعات مثل التعليم والصحة والمواد الغذائية والسيارات وغيرها فهل سيكون الوضع أفضل الآن في ظل إيمان مجلس الوزراء الموقر بأهمية السوق الحرة!
3) تثبيط الإبداع في تقديم الخدمة وقتل رغبة التطوير عند التاجر. هل مجلس الوزراء الموقر وجد فرصة لاكتشاف السوق العمانية وماهية الرغبة عن التجار (وأقول الوافدين) لأنها حقيقة السوق فهم الذين يديرونها؟ من أبسط الأمور التي طورها هؤلاء التجار هو ضياع اللغة العربية سواء في محلاتهم التجارية أو في اللوحات والإعلانات حتى كتابة كلمة “مطرح” وهي بلدة عمانية لم يستطيعوا إدراكها أو بالأحرى هي لا تعني لهم سوى مطرحاً لحصد المزيد من المال!
4) تردي جودة الإنتاج. فمهما حاولنا أن نظهر بمظهر الدول المنتجة إلا أن معظم تلك المنتجات ليست سوى عملية قص ولصق نقوم بها في أطر وظروف معينة تبث الأمل في نفوس شبابنا ليوم يخوضوا فيه غمار الإبداع والإنتاج الحقيقي الذي يغطي دورة الإنتاج بأكملها. ولكن.. مقابل هذه الظروف التي نحاول تجاهلها فإن لغة القرار لا تحاول النظر إلى واقعنا العماني إلا من خلال عدسات مكبرة تحاول تكبير حجم الأمور لوضعها في غير موضعها. فيتحدث عن الإنتاج الغائب والذي في ضوئه يتحدد السعر وفق العرض والطلب. لكن في حالة سوق تستورد كل صغيرة و كبيرة من الخارج فإن السعر لابد أن يكون محددا كما أن عملية التلاعب بالأسعار ينبغي أن تُعد جريمة لا يجب ان تغتفر. من جهة أخرى كيف يتحقق العرض والطلب في حالة احتكار مجموعة من الشركات للمنتج؟ وهل سوف تنافس الشركة ظلها في سعر المنتج؟

لقد ذكر الله سبحانه و تعالى في كتابه الكريم: “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون” لكن هل هذا ديدن أصحاب القرار؟

إن دول الجوار وضعت اسساً متينة تحمي مواطنيها من جشع التجار وأصحاب رؤوس الأموال إلا أن تلك الخاصية الإنسانية التي اتسمت بها تلك الدول لا تجدها الغرفة وأصحاب القرار ملزمة لهم لتطبيق خطوات مشابهة. كما أن الاحتكار المطبق في السلطنة لم يعطِ أصحاب القرار دافعا في وضع حد لها رغم مخالفته للمنطق و العقل والدين!

إلا أن الشيء المهم الذي تفتق ذهنهم به هو أن حماية المستهلك داء يضر بمبدأ العرض والطلب.. غير النافذ بطبيعة الحال بسبب نظام يشجع على الاحتكار. أما كلمات الإبداع والمبادرات الذاتية فهي لن تجد لها ميدانا في ظل نظام اقتصادي يكون المال فيه “دُولَة بين الأغنياء”!

ارحمونا.. فالمواطن العماني ليس بحاجة إليكم في تلميع قرارا يتقاطر ازدواجية ويخلو من أي منطق أو حكمة. فرغم أن ظروف ولادة هيئة حماية المستهلك لم تأتِ بدافع الرغبة في حماية المستهلكين إلا أن البقاء على منجزاتها التي تنفس من خلالها المواطن القليل من النسمات لا يمكن القبول بان يتم إجهاضها. مع الأسف الشديد إن القرارات الحكومية في حكومتنا “المترهلة” لا يمكن التراجع عنها حسبما لوحظ ذلك من خلال تاريخ حكومتنا، إلا أن حكمة صاحب الجلالة عودتنا بأن ثمارا أطيب سوف يتم قطفها ونحن بانتظار تلك الثمار اليانعة! ولكن الشعب يدعوكم (قبل ذلك) إن كنتم أهلا للعناية الإلهية في أن تقوموا بكل أمانة ومن موقع المسؤولية .. بإعادة النظر!

 

0 1478 19 يونيو, 2014 الخمسون, سياسة يونيو 19, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.