كلمة في التعايش

لـ

يمكن أن نتعلّم من التجربة وممارسات الحياة اليوميّة ما لا نتعلّمه من قراءة الكتب و متابعة الكُتّاب، و يحدث أحيانا أن ما نتعلّمه من التجربة قد نغفل عنه، بمعنى أننا قد لا ننتبه أننا تغيّرنا و تكوّنت لدينا أفكار جديدة هي التي تُسيّرنا. هكذا هي تجربة التعايش الطائفي أحيانا، فمع تعاملاتنا الحياتية المتكررة القائمة على أساس المصلحة المشتركة مع أفراد أو جماعات تنتمي لثقافة أو مذهب أو سلوك مختلف عنا تتكون في لاوعينا صور للتعايش و السلام تُحركنا من حيث لا نشعر، و ننتبه في ساعة الفتنة الطائفية أننا في الحقيقة لا نكُن عداوة لهؤلاء الأفراد أو الجماعات بل و نحترمهم لتعاملهم الطيّب معنا.
هذا النوع من التعايش الذي يمكن أن أسميه بالتعايش “الشعبي” يترسخ عبر التعامل و الاختلاط، و هو أمر جيد و لا بأس به، و لكن إلى أي درجة يمكن لمثل هذا التعايش أن يصمد أمام الفتن ودهاء الفاسدين والساسة؟ كيف استطاعت الدول الاستعمارية في القرون الماضية خلق أزمات وفتن طائفية في بلدان شهدت استقرار و تعايشا سلميا بين أهلها؟
ينطلق بنا هذا السؤال إلى سؤال آخر و هو هل يمكن بناء حالة تعايش قائمة على أساس المعرفة الدينية اليقينية؟ لنستوعب أولا أننا نتحدث عن تعايش طائفي ديني، و لنستوعب ثانيا أننا نتحدث عن طوائف مقتنعة و متمسكة عن قلب بمعتقداتها و ممارساتها. إذا استوعبنا هاتين النقطتين يسهل علينا الإجابة على السؤال: لا يمكن! لا يمكن للمعرفة اليقينية في ظل تمسّك كل طائفة بمعتقداتها بالمحافظة و الدفاع والممارسة أن تخلق حالة تعايش سلمي، وإن حصلت فإنها ستكون قائمة على أساس المصلحة المشتركة أو توازن القوى فقط.
ما يميّز الشعور أو المعرفة الدينية أنها “مقدسة” أو “مطلقة” و أخص هنا ما يسمى بالمعرفة الأصولية، و لا يمكن لمثل هذا التقديس بكل ما يحتويه من عناصر الرغبة و الرهبة أن يخلق تعايشا سلميا. أضف إلى ذلك أن مثل هذه المعرفة المقدسة تُولد في نفوس أصحابها رغبة الدعوة والإرشاد و “عدم ترك الآخر في حاله”، ليبدأ مسلسل الوصاية و النفاق و الانفصام.
إذا ما هو الذي يخلق أو يمكن أن يخلق تعايشا سلميا حقيقيا صامدا لا تهزه رياح الفتن و المؤامرات؟ يُنقل عن الفيلسوف البريطاني المعروف برتراند راسل: “لن أموت أبدا من أجل معتقداتي لأنني قد أكون مخطئا”. نعم، إنه الشك. البعض لا تعجبه كلمة “الشك” لأنه يعتبرها مرحلة وسطية تنتهي بالاستقرار والطمأنينة و إذا استمرت “أكثر مما ينبغي” فإنها هدّامة. على كل، فإن نظرة كاتب هذا المقال مختلفة عن هؤلاء، و لكن يمكنه بدل كلمة الشك أن يقول “وعي المرء لإمكانية أن يكون على خطأ”.
إنه هذا الوعي الذي من قدرته إنزال الإنسان إلى مرتبته الحقيقية، بعيدا عن غرور المعارف اليقينية المطلقة التي تصح في الأرض و السماء. يحتاج هذا الوعي ليتكون إلى مراحل طبيعية غير قسرية من الاطلاع والجدال و النقاش و الاختلاط و التأمل، و لكنه حتما لن يتكون إذا لم يكن المرء صادقا مع نفسه.
لا يوجد شيء إيجابي بالتمام و الكمال، و لهذا الوعي سلبياته أيضا، إذ في حالاته الشديدة قد يقود المرء إلى نوع من الأنانية و الاستئثار بالنفس على حساب الآخرين، و لكنه – هذا الوعي – حتما سيقود المرء الصادق مع نفسه إلى الفردانية الحميدة، مدركا أنّ مصلحته و منفعته المادية و المعنوية لا يمكن أن تستمر بالأنانية.
يقول الدكتور علي الوردي في إحدى كتبه مشيرا إلى مسألة مشابهة: “ميزة البحث الموضوعي كما أشرنا أنه مشكّك يتطلّع كل يوم الى رأي جديد لم يألفه من قبل. أما العقيدة فشأنها الوثوق والإيمان الراسخ. وللإنسان أن يؤمن بأية عقيدة يشاء إذ هو حر في ذلك، إنما هو لا يمكن أن يسمي نفسه باحثا علميا. إنه مُخيّر بين أن يترك سبيل البحث العلمي نهائيا أو أن يأخذ منه الجانب الذي لا تتدخل عقيدته فيه. أما إذا أراد أن يجمع بينهما في مجال واحد، فإنّ ذلك دليل على أنه لا يفهم ولا يريد أن يفهم”.

0 1409 29 يونيو, 2014 الخمسون, ثقافة وفكر يونيو 29, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.