عولمة الجنس: واقع وتحديات

. وأشارت أحدى البحوث الاجتماعية – التي تبحث في شؤون الأسرة في ظل العولمة – إلى ما تضمنته وثائق أممية في هذا الجانب ، مثل البنود الصادرة عن مؤتمر السكان الذي عقد بالقاهرة في عام 1994م، والذي اعتبر “أن الفرد هو الأساس، ومصالحه ورغباته هي المعيار، لا الدين ولا الأمة، ولا العائلة، ولا التقاليد، ولا العرف، ومن حق الفرد التخلص من القيود التي تُفرض من جانب تلك الجهات”.

sex trade

عولمة الجنس: واقع وتحديات


خليفة الزيدي

العولمة: ظاهرة بأشكال مختلفة

تعددت التعريفات التي تفسر مصطلح “العولمة ” فمنها ما قصر المعنى على الاقتصاد وذلك من خلال مجموعة من المؤشرات، يأتي في مقدمتها تحرير التجارة الدولية، وتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتقدم العلمي والتكنولوجي، والشركات متعددة الجنسيات . في المقابل هناك تعريفات شملت جوانب أخرى – بالإضافة إلى الاقتصاد – كالسياسة والثقافة والفنون والفكر والمجتمع وغيرها . والعولمة بشكل عام تعني اصطباغ عالم العالم بصبغة واحدة شاملة لجميع شعوبها وكل من يعيش فيها، وتوحيد أنشطتها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية من غير اعتبار لاختلاف الأديان والثقافات والجنسيات والأعراق . ومن ثم يختلف تعريف الباحث أو الكاتب للعولمة باختلاف التخصص الذي يبحث فيه أو يطرقه . فالاقتصادي يبحث أو يتحدث عن العولمة الاقتصادية والمثقف يدق ناقوس خطر العولمة الثقافية … وهكذا . ويرى البعض أن العولمة مفهوم استعماري جديد في اسمه قديم في مسماه يهدف إلى جعل العالم قرية صغيرة تحت قيادة الدول الكبرى وسيطرة الثورة التقنية وسباق الشركات المتعددة الجنسيات . ولكن هناك شبه اتفاق على أن العولمة قد نشأت في تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، واستفراد أمريكا بالعالم، ولاسيما عندما طالبت أمريكا دول العالم بتوقيع اتفاقية التجارة العالمية بقصد سيطرة الشركات العابرة للقارات على الأسواق العالمية. مما يؤكد أن العولمة بثوبها الجديد أمريكية المولد والنشأة .

ومما لا شك فيه أن العولمة بكافة أشكالها تؤدي إلى تعميق مفهوم الحرية الشخصية في العلاقات الاجتماعية وتقوية النزعة الأنانية لدى الفرد، وهذا بدوره يؤدي إلى التساهل مع الرغبات والميول الجنسـية، وتمرد الإنسان على النظم والأحكام الشرعية التي تنظم وتضبط العلاقات بين الأفراد، مما أدى إلى انتشار الإباحية، والرذائل، والتحلل الخلقي، وخدش الحياء، والكرامة، والفطرة الإنسانية. كما أن إفرازات العولمة اقتحمت مجتمعاتنا الشرقية المحافظة وأدت إلى وجود تخلخلات في الروابط الأسرية والاجتماعية، وتمرد المراهقين والشباب على ضوابط الأسرة، وقيم المجتمع، وتهديد النظام الأخلاقي القائم على الدين والعادات الاجتماعية الأصيلة .

عولمة الجنس: الأسباب والموقف الدولي

لقد بدأ الحديث مؤخرا عن مصطلح جديد أرتبط بظاهرة العولمة أيضا وهو العولمة الجنسية . وقد ساعد على ظهور هذا النوع من العولمة الثورة التقنية الحديثة والمتسارعة وانفتاح العالم على الثقافات الأخرى أو ما يعرف “بالغزو الثقافي”، وما أفرزه هذا الغزو من ظواهر جديدة على المجتمعات المحافظة . فقد غزت الأفلام الإباحية بعض القنوات الفضائية وشبكة المعلومات الدولية. وأصبحت الهواتف النقالة والأشرطة المدمجة والبريد الالكتروني وغيرها من وسائل التقنية الحديثة تروج للجنس ويتم تبادل الأمور الإباحية من خلالها. كما أن تجارة البغاء واستغلال النساء والأطفال في تجارة الجنس انتشر في السنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق . أيضا فإن السياحة غير المقننة والمفتوحة في بعض الدول وبتسهيلات مغرية جدا فتحت المجال على مصراعيه لتنقل تجار الجنس والحسناوات اللاتي يتاجرن بأنفسهن يدفعهن في ذلك – بالإضافة إلى التسهيلات السياحية – الفقر والفضول لتجربة الحرية والانفتاح على العالم الجديد والهروب من القهر والقيود الاجتماعية والدينية التي تفرضها عليهن بعض المجتمعات.

ومن أهم أخطار عولمة الجنس هي الدعوة إلى الحرية الجنسية وحفظ حقوق الفرد في ممارسة الجنس وأيضا الشذوذ الجنسي، فانتشرت العلاقات الجنسية الآثمة بين الرجل والمرأة، بل بين الرجل والرجل والمرأة والمرأة ! وأصبحت بعض الدول تقنن الشذوذ. أيضا تطالب بعض المنظمات والمجموعات – التي تنتهج من الشذوذ منهجا لها وتدافع عنه – بحقوق الشواذ الاجتماعية والإنسانية بل وحتى المطالبة بحقوقهم السياسية وضرورة وجود من يمثلهم في البرلمانات . وأشارت أحدى البحوث الاجتماعية – التي تبحث في شؤون الأسرة في ظل العولمة – إلى ما تضمنته وثائق أممية في هذا الجانب ، مثل البنود الصادرة عن مؤتمر السكان الذي عقد بالقاهرة في عام 1994م، والذي اعتبر “أن الفرد هو الأساس، ومصالحه ورغباته هي المعيار، لا الدين ولا الأمة، ولا العائلة، ولا التقاليد، ولا العرف، ومن حق الفرد التخلص من القيود التي تُفرض من جانب تلك الجهات”. كما تحدثت تلك البنود عن ممارسة الجنس من دون أن تفترض وجود زواج، وعن ممارسة الجنس بين المراهقين من دون أن تستهجنه، والمهم في نظر ما خرج به المؤتمر هو ألا تؤدي هذه الممارسة إلى الوقوع في الأمراض، والواجب توعية المراهقين وتقديم النصائح المتعلقة بممارسة الجنس ومنع الحمل، وتوفير منتهى السرية لهم، واحترام حقهم في الاحتفاظ بنشاطهم الجنسي سراً عن الجميع.

وذهبت بعض الدراسات إلى أن العولمة في الجانب الاجتماعي تسعى إلى تعميم السياسات المتعلقة بالطفل والمرأة والأسرة، وكفالة حقوقهم في الظاهر، إلا أنَّ الواقع هو إفساد وتفكيك الأفراد واختراق وعيهم، وإفساد المرأة والمتاجرة بها، واستغلالها في الإثارة والإشباع الجنسي، وبالتالي إشاعة الجنس في المجتمع، وبالمقابل تعميم فكرة تحديد النسل، وتعقيم النساء وإقرار الإجهاض . ويتم تأمين هذه السياسات أيضا بواسطة المؤتمرات ذات العلاقة كمؤتمر السكان في القاهرة و مؤتمر المرأة الذي عقد في بكين في عام 1995 م والذي عمق فكرة تغيير الإنسان لهويته الجنسية وقننها، فأصبح من حق الإنسان أن يتحول من ذكر إلى أنثى أو من أنثى إلى ذكر أو أن يختار أن يكون بينهما ، كما أن وثيقة المؤتمر أقرت الاعتراف بالشواذ .

ظاهرة التحرش الجنسي

ومع وجود هذه الدعوات والحماية الدولية التي أفرزتها العولمة، انتشرت عادات ربما تكون قديمة في وجودها ، جديدة في جرأتها كظاهرة التحرش الجنسي والاغتصاب . فقضايا التحرش الجنسي طغت على ملفات الأجهزة الأمنية والتنفيذية والقضائية وخصوصا في المجتمعات المحافظة والتي لم تألف هذه الجرعات الكبيرة من الحرية الجنسية . بل وأصبح التحرش الجنسي يأخذ أشكالا جديدة وغريبة على مجتمعاتنا مستغلا الثورة التقنية الحديثة والتزايد الكبير والحر في وسائل الإعلام المسموعة والمقرؤة والمرئية. ولم يقتصر التحرش الجنسي على تحرش الرجل بالمرأة بل خدش حياء الطفولة واقتحم جدران الأسرة . فتحرش الأستاذ بتلميذه وتلميذته وتحرش الأخ بأخته أو أخيه وباتت القصص التي يندي لها الجبين حديث الشارع والمجالس. كما تفنن البعض في طرق التحرش الجنسي في الأماكن العامة والمجمعات التجارية ودور العلم والعمل وذلك من خلال توظيف التكنولوجيا الحديثة كالهاتف النقال و “البلوتوث” وغيرها لخدمة مآربهم الجنسية . ووصل الأمر بالبعض إلى العنف والاغتصاب في حالة عدم قبول الطرف الآخر، وأقدم بعضهم على طرق مبتكرة وغريبة للإيقاع بالفريسة فلم يردعه في ذلك بأن يكون المغتصب هو طفل لم يتعدى السابعة من العمر أو أن المكان هو دار للعبادة !

سلعة رخيصة واقتحامٌ للمحرمات

أيضا انتشرت تجارة الجنس في بعض الدول وأصبحت ممارسته سلعة رخيصة، وباتت دولا أخرى تعتمد على هذه التجارة كمقوم للسياحة والترويج لها ومن ثم فقد أصبحت وجهة عالمية يقصدها الكثيرون لإشباع الرغبة في صورة ربما تكون مقبولة في عيون البعض ومستهجنة عند البعض الآخر. هذه التجارة اعتبرها دعاة الحرية أمرا طبيعيا، بينما اعتبرتها الدراسات الإنسانية والاجتماعية انتهاكا لكرامة الإنسان وطريقا لانتشار الأمراض الجنسية والمعدية .

ومع انتشار المومسات والأفلام الإباحية والمجون الجنسي غزت المجتمع بعض السلوكيات الدخيلة على مجتمعاتنا المحافظة . فأصبح منظر بائعات الهوى مألوف في بعض الأماكن وبات تبادل الأفلام الإباحية من الأشياء الروتينية وخصوصا بين فئات المراهقين والشباب. وطغت على المجتمع بعض الأفعال المنافية للأخلاق والدين والذوق العام .. يدفعها فضول البعض للتجربة وانبهار البعض الآخر بكل ما هو جديد واعتباره “موضة”. فأصبح الزوج يبحث عن المتعة خارج بيت الزوجية رغبة منه في تجربة أوضاع جنسية جديدة لا يستطيع أن يطبقها مع زوجته أو بحثا عن الحرية والخروج عن الأشياء المألوفة. بل أن البعض ذهب إلى أبعد من ذلك فمارس زنا المحارم، واقتحم أسوار المحضور .. وظهرت قضايا جديدة لم يألفها البشر كحبس الأب لأبنته لسنوات لرغبته في ممارسة الجنس معها في أبشع صور انعدام الروح الأبوية والإنسانية . بشاعة الحدث وما رافقه من عنف وإنجاب لطفولة مستهجنة وغريبة على المجتمع والأطر الدينية كان قضية رأي عالمية !!

الشذوذ الجنسي وظاهر “البويات”

ومن أبرز إفرازات عولمة الجنس أيضا انتشار الشذوذ الجنسي بين الرجال أو ما يعرف بالجنس الثالث . في المقابل بروز ما يعرف بظاهرة “البويات” أو الاسترجال بين الفتيات والذي يطلق عليه بعض الباحثين الجنس الرابع، تلك الظاهرات التي تفشت في المدارس والجامعات والمؤسسات والأماكن العامة، وغدت – بحد ذاتها وما ينتج عنها من تداعيات – مشاكل اجتماعية تؤرق المسؤولين وأرباب الأسر وخصوصا في المجتمعات المحافظة . فهذه الظواهر بعيدة كل البعد عن الفطرة الإنسانية ، ورغم قدمها التاريخي إلا أن انتشارها بهذه الصورة في المجتمع أصبح يدعوا للقلق، مما حدا بإحدى الدول الخليجية إلى أطلاق حملة تحت شعار “عفوا إني فتاة” امتدت طوال عام 2009 للتصدي لظاهرة “البويات” .

وقد وصل الأمر بهذه الفئات في بعض الأحيان إلى تحدي السائد في المجتمع وتغيير الجنس أو إلى تناول جرعات زائدة من العقاقير الخاصة بالهرمونات لتساعد في زيادة المظهر الأنثوي أو الرجولي وهو ما يؤدي إلى ظهور بعض التغيرات العضوية، بحسب ما يشير إليه أطباء أمراض الذكورة وطب النساء . وعلى فضاء شبكة المعلومات الدولية تجد هذه الفئات مصدرا خصبا للتعارف وإقامة العلاقات وتبادل القصص والحكايات. ومن خلال السفر إلى بعض الدول – التي تقر بحقوق الشواذ وتنادي بها – فإن هذه الفئات تمارس حريتها بالظهور والممارسة والمشاركة في بعض الفعاليات ذات العلاقة .

خطر العولمة الجنسية وتحدي المجتمع

نعم أصبحت العولمة الجنسية خطرا على الفرد والمجتمع . خطر يهدد النظام الخلقي والديني فالتحرش الجنسي بات يمارس بين المحارم في البيت الواحد .. وبين طلاب المدارس وزملاء العمل. وخطر على النظام التربوية والأسري فقد طغت النزعة الفردية والسعي خلف الحرية الشخصية على بني البشر وما نتج عن ذلك من تفكك وتخلخل في النظام الأسري وانهيار للنظام التربوي القائم على القيم والأخلاق والمثل العليا. وخطر على النظام الصحي فالأمراض الجنسية أصبحت تنتشر بسرعة كبيرة وبصورة لم تستطع بعض الدول السيطرة عليها. ومن الأمثلة الشاخصة على ذلك هو القاء الشرطة – في أحدى الدول العربية المعروفة بأصالتها – القبض على شبكة لتجارة الجنس تضم اثني عشر ذكرا من الشواذ جنسيا، وبمجرد تحويلهم للتحقيق أمر قاضي التحقيقات بالكشف الطبي عليهم ، فأثبتت الفحوصات الطبية إصابة أربعة منهم بفيروس نقص المناعة المكتسبة الإيدز!.

لقد أوصت الدراسات الاجتماعية والتربوية بضرورة الاهتمام بالثقافة الجنسية على أن تصبح هي الأساس والمصدر الرئيسي لنشر الوعي بالجنس، بكافة أبعاده، وبدون حياء، وذلك بهدف تحصين المجتمع من المؤثرات الخارجية. كما أوصت تلك الدراسات بضرورة الاهتمام بتربية الأسرة فهي عمود المجتمع وأساس الإصلاح الاجتماعي والإنساني ، وذلك بتثقيف أفرادها، وتوعيتهم بأخطار العولمة والنزعات الإباحية ، وتوجيههم إلى المسار الأخلاقي الصحيح الذي يحفظ لهم كرامتهم وصحتهم وبيئتهم الاجتماعية من خلال أجهزة الدولة المختلفة، ومن خلال الوسائل والبرامج التي تشترك جميعها في تكوين أجيال تشعر بانتمائها إلى القيم الصحيحة، وإعادة النظر في خطط تعليم المرأة؛ بحيث تتفق مع طبيعة المرأة من ناحية وظروف المجتمع من ناحية أخرى. كما حذّر علماء الاجتماع والنفس من مخاطر الغزو الثقافي والإعلامي للحضارات الغربية مشددين على ضرورة دراسة الأسباب التي تؤدي إلى تفكيك الأسرة ، والتشتت، وغياب الروابط الدينية والأخلاقية والتربوية بين أفرادها، والدعوة إلى استخدام عالم التقنية المتقدم بشكل سليم يخدم الإنسانية ولا يدمرها . كما دعا البعض أيضا إلى تكاتف جهود الأفراد والمؤسسات الحكومية والخاصة و وسائل الإعلام للتصدي لعولمة الجنس والتأكيد على التوعية بأهمية الأسرة في المجتمع ودورها الإنساني العظيم.

العدد الثاني سياسة

عن الكاتب

Avatar

خليفة سليمان

كاتب وأديب عماني