الحادي والخمسون ثقافة وفكر

مكانة المرأة.. تقررها مناخات الانفتاح أو الانغلاق

Avatar
Written by نبال خماش

مزايا عديدة تمتعت بها المرأة العمانية في ظل الفقه المعتمد بمجالها الجغرافي، وفي العديد من المسائل، واذا جرى تناول الأحكام والتشريعات ذات الأبعاد الإنسانية والمعنوية على نحو مباشر، فان عددا من علماء هذا الفقه، وعلى نحو جريء، أقر وأجاز الشهادة للمرأة منفردة، حتى في الأمور ذات الصلة بالعبادات مثل رؤية شهر رمضان، بل ذهب عدد من الفقهاء الى قبول التعديل للمرأة في الشهادة، وهي مسألة متقدمة جدا في عموم الفقه الإسلامي.

رغم تحكمها، بسبب شرطها البيولوجي، بأهم شكل من أشكال الرزق الإنساني على الإطلاق، الشرط الذي يكفل تأبيد الحياة وديمومتها ممثلا في عملية انجاب الأطفال، رغم هذا العطاء إلا أنها في المقابل، ووفقا لتجربتها عبر العديد من المحطات التاريخية، قديمها وحديثها، فإن المرأة هي العنصر الأضعف والأقل حظا في مجالات الأرزاق والمنافع المادية مقارنة بالرجل، لا لشيء، سوى لأنه المتحكم في الانفاق وتوزيع الثروات، وراسم الاستراتيجيات، لذا كان من الطبيعي أن ترجح الكفة دائما لصالح الرجل وتميل الى صفه.
ولو استعرضنا على نحو سريع التجربة العربية- الإسلامية في هذا الجانب الخاص بمسألة الأرزاق، ومدى النفع الذي تجنيه المرأة في ظل التشريعات والقوانين والأعراف المعتمدة عبر مراحل زمنية متعددة، ستبرز أمامنا على نحو واضح وجلي، وبدون بذل أي جهد معرفي كبير، أن فترة التنزيل القرآني تعتبر مرحلة حاسمة وفاصلة في مسألة التعامل مع المرأة والنظر اليها، شأنها في ذلك شأن العديد من القضايا والمسائل المجتمعية. ذلك أن كتاب الله ومن خلال مقاطعه المقدسة، وضمن آلية تشريعية وقانونية واضحة، عمل على إحداث نقلة حضارية للوضع الذي كانت تعايشه المرأة في عصر ما قبل الإسلام، أو ما يسمى اصطلاحا بالعصر الجاهلي، وذلك ضمن ثلاثة وسائل وطرائق فاعلة ازاء الأعراف والقوانين التي كانت سائدة، إما لجهة الإلغاء، أو الإقرار، أو ادخال بعض التحسينات على بعض هذه القوانين والأعراف.
وفيما يتعلق بالحقوق المالية للمرأة على وجه الخصوص، فإن المقاطع القرآنية التي تمس هذا الجانب يمكن إدراج معظمها ضمن التقسيم الثالث، المرتبط بتحسين وضع المرأة مقارنة مع جملة القوانين والأعراف التي كانت موجودة ومقرة في المجتمعات القبلية، فمن جهة أقر القرآن العديد من هذه الأعراف من حيث المبدأ، لكنه بالقابل أدخل جملة من التعديلات في جوانب تطبيقية مختلفة.
.
فاذا أخذنا قضية المهور بصورتها الجاهلية، فاننا نجد أن الإسلام أقر هذا المظهر واعتبره شرطا لازما من شروط اتمام الزواج واقرار مشروعيته، إلا أن حسّن كثيرا من آلية عمله. فالمهر مسألة كانت محل توافق في العرف القبلي الجاهلي، لا يكتمل الزواج الا من خلاله، وكانت قيمته تدفع للولي وليس للفتاة نفسها، وبصيغة البيع والشراء، والثمن المدفوع للسلعة. ولما تنزل القرآن الكريم أقر من حيث المبدأ أصل هذا السلوك الإجتماعي، الا أنه أمر أن تدفع قيمته للفتاة مباشرة وليس للولي، في دلالة إنسانية عميقة، حيث غدت المرأة بموجب الآلية الجديدة طرفا أساسيا في هذا التعاقد، وليس سلعة جرى دفع ثمنها.
هذا في الزواج، وكذلك الحال بالنسبة للطلاق، ففي العرف الجاهلي كان بمقدور الرج أن ينهي العلاقة الزوجية مع امرأته بكلمات يتلفظها، ويلقي بها خارج منزله دونما حقوق أو تبعات. القرآن أبقى على مسألة الطلاق، غير أنه حسّن من شروطه، ففرض على الرجل تبعات والتزامات مادية في حال تحققه بعد ثلاثة أشهر من تلفظ عبارات الطلاق، وهي فترة كافية لمن أراد اصلاحا وتوافقا اجتماعيا أن يجريه بين الطرفين.
ومن أكبر دلالات تحسين وضع المرأة والاصلاحات التي أدخلها القرآن على القانون الاجتماعي زمن الجاهلية، هو موضوع الإرث، ونظام الإرث في تلك الحقبة ما هو الا اعكاس لنمط الحياة المعتمد والمتبع آنذاك، القائم أساسا على الغزو والقتال، فجاء نظام الإرث معززا من القيم القتالية من خلال حصر التركات بالرجال الذين يقاتلون ويغامرون بأرواحهم في ساحات الحرب، أما القواعد من الأطفال والنساء فقد استبعدوا من هذا القانون أو العرف، بل إن المرأة كانت في الغالب جزءا من الإرث، ويتم توريثها إذا مات زوجها لصاحب الحق في مال الميت. هذا لا يعني بالطبع أن هذا النمط كان هو النمط الوحيد قبل الاسلام، لكنه كان الأغلب الأعم، اذ تحدثنا كتب التاريخ عن نساء ورثن أزواجهن أو آباءهن، بل إن بعض الروايات لتحدثنا عن قيام بعض الرجال في زمن ما قبل الاسلام، بتوزيع أموالهم على أبنائهم قبل الوفاة، وأن منهم من وافق توزيعه لماله لما ورد في القرآن الكريم، فأعطى للذكر سهمين وللفتاة سهم، كما دون ابن حزم في جمهرة أنساب العرب، ذاكرا قصة عامر بن جشم بن يشكر.
واستكمالا لنهجه في اصلاح وتحسين وضع المرأة، قرر الكتاب العظيم في آياته الكريمة أن للأنثى حظا في الإرث يوازي نصف حظ الرجل.

بعد انقطاع الوحي، وتوقف نزول الآيات الكريمة، بعد هذه التجربة بفترة زمنية، ومع اتساع النطاق الجغرافي للدعوة، ودخول أمم وأجناس في دين الله، وتبدل النمط المجتمعي من نمط قبلي بسيط الى مجتمعات حضرية كبرى، حيث تعقيدات الحياة وتشابكها، هذه مسائل استدعت بالضرورة أن تبرز قضايا ومشاكل جديدة، بالمقابل برزت اجتهادات معرفية تشريعية في سبيل تقديم حلول لهذه المشاكل الناشئة، وبالطبع فان هذه الاجتهادات لم تتقيد بمنهجية واحدة، بل تعددت وتنوعت، منها المنفتح على العقل وعلى الأثر القانوني للحضارات السابقة، وبعضها يراوح بين التقليد والابتكار، وبعضها مغرق بالتقليد الى أبعد مدى، وكانت قضايا المرأة حاضرة في كافة هذه الاجتهادات، لذا لم يكن بمستغرب أن تكون الحظوظ التي تجنيها امرأة ما في ظل اجتهاد متأثر ببيئة ثقافية معينة، غير تلك التي تجنيها امرأة أخرى تطبق عليها أحكام واجتهادات بيئة ثقافية مغايرة، رغم أن أصل التشريع واحد، الا أن الظروف الثقافية والاجتماعية اختلفت من مكان الى آخر، فاختلفت الرؤى والاجتهادات. والأمثلة المرتبطة بالمرأة في هذا المجال عديدة، ويمكن الاستدلال على شاهد فقهي تأسيسي يعكس مدى الاختلاف في النظرة الى المرأة من بيئة الى أخرى في نفس المسألة، غير أن تباين المناخ الثقافي نجم عنه اختلاف في الحكم.
فعلى سبيل المثال كانت مدرسة المدينة، وبحكم تأثرها وولائها للقانون القبلي، كانت هذه المدرسة تصر على أن تبقى كامل اجراءات الزواج وتحديدا عقد الزواج حكرا على الرجال، أو الولي، فيما نجد مدرسة الكوفة الفقهية، التي أسسها ابن مسعود، ونتيجة لهذا الانفتاح والتمازج الثقافي الذي عرفته هذه البيئة، فإن نظرتها للعديد من المسائل المجتمعية كان أكثر انفتاحا وتسامحا، فأجازت للمرأة أن تباشر العقد بنفسها.
وكذا الحال بالنسبة للأثر الاجتماعي في الفقه العماني، الذي تعامل مع القضايا التي تمس المرأة على نحو إنساني يتسم بالانفتاح والسمة الأخلاقية فيه بالغت الوضوح. واذا تناولنا قضية الأرزاق تحديدا والحقوق التي ضمنتها تشريعات هذا الفقه للمرأة في هذا الجانب، فان المدرسة كسائر المدارس الفقهية الاسلامية، أقرت من حيث المبدأ على مسألة حق المرأة في التملك، باعتبار أن الامتلاك يكسب الانسان شعورا بالتميز والراحة، وقد توافقت كافة مرجعيات هذا الفقه على فكرة أن ليس للرجل أخذ مال زوجته إلا بطيب نفس من قبلها، بل أعطاها هذا الفقه الحق كي تتصرف بمالها على النحو الذي ترتأيه وبغير أمر زوجها، فهي وفقا لتعبير هذا الفقه” أملك بمالها”.
مزايا عديدة تمتعت بها المرأة العمانية في ظل الفقه المعتمد بمجالها الجغرافي، وفي العديد من المسائل، واذا جرى تناول الأحكام والتشريعات ذات الأبعاد الإنسانية والمعنوية على نحو مباشر، فان عددا من علماء هذا الفقه، وعلى نحو جريء، أقر وأجاز الشهادة للمرأة منفردة، حتى في الأمور ذات الصلة بالعبادات مثل رؤية شهر رمضان، بل ذهب عدد من الفقهاء الى قبول التعديل للمرأة في الشهادة، وهي مسألة متقدمة جدا في عموم الفقه الإسلامي.
وفي مجال النظرة الإنسانية، فإن المتأمل لعدد من النصوص التأسيسية لهذه المدرسة الفقهية، يجد مدى الحضور الإنساني واللطف في التعامل الذي حرصت عليه هذه النصوص في التعامل مع المرأة، والتأكيد على أن يكون نمط حياتها يتسم بالراحة والسكينة، وإن كان بالمقدور الرفاهية فلا مانع. فنجد الفقيه أبو سعيد الكدمي، في كتابه “المفيد” وقد وضع جملة من الشروط التي اشترطها على الزوج في سبيل أن يؤمن الحياة الرغيدة الهانئة لزوجته، وهي بالجملة وفقا للاعتبارات الزمانية التي جرت صياغة هذه الشروط، يمكن اعتبارها ثورة حقيقية لصالح ما هو أكثر من حقوق المرأة، بل نتحدث هنا عن رفاهيتها ورعايتها ومدى الاهتمام الذي يجب أن تحظى به من قبل زوجها، إن كان موسرا على نحو التحديد، فاشترط الكدمي على الرجل أن يحضر لامرأته من تعينها في معالجة طعامها وتحديدا في الأمور التي تحتاج جهدا بدنيا مثل تحضير الطحين وعجنه وخبزه، واذا لم يكن منزل العائلة على ماء من نهر، فعليه أن يحضر من يعينها في غسل ثيابها، وان كانت ممن تُخدم قبل الزواج، فعليه أن يحضر لها خادما، وان كانت ممن يلبسن الكتان والحرير، وكان مقتدرا فلها ذلك، وان كانت ممن يلبسن الكتان والقطن، وكان واجدا لذلك فعليه توفيره، هي بالمجمل صور تعكس مدى الاهتمام الذي أولاه هذا الفقه للمرأة.
ووفقا لهذا المعطى التاريخي في التأصيل لمكانة المرأة في التاريخ العماني، ولأن سليل هذا الموروث لا زال نابضا وحيا، كان من الطبيعي أن تحوز المرأة العمانية المعاصرة، مكانة متقدمة، ليس على مستوى الساء العربيات فحسب، بل على المستوى العالمي، وبالعودة ثالثا الى مسألة الأرزاق تحديدا، باعتبارها من أكبر المؤشرات والدلالات التي يمكن الاستدلال من خلالها على مكانة المرأة في البعد الزمكاني، فإن الإشارة هنا تكفي أن الدولة الوحيدة التي ينص قانونها على حق المرأة في تملك أراض سكنية من قبل الدولة، مثلها مثل الرجل سواء بسواء، هي سلطنة عمان.

عن الكاتب

Avatar

نبال خماش

كاتب أردني

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.