آكلي التين بالدين

لـ

 

 

ليس هناك أقبح منزلة ولا أسوأ عاقبة ممن جعل الدين مطية يركبها لينال به أغراضه الدنيئة ضاحكا به على ذقون الناس ومستلبا عقولهم وأموالهم وأشد هؤلاء إثما من حمل سمت العلم وتعاطى الإفتاء وطرق أبواب الحكام ليفصل لهم الفتاوى وفق ما يشتهون ويتمنون حتى ذكر عن بعض مفتي الديار العربية أنه أصبحت لديه قرون اسشعار فصار يفتي وفق ما تريده السلطة قبل أن يقال له :افت بكذا وكذا وفي مثل هؤلاء يقول الشيخ السالمي:

وقيل إن رأيتم الفقيها %يأتي السلاطين ويقتفيها

فاتهموه إن ذاك لص%وينبغي أن بالجفا يخص

دعك من استعمالهم الدين في تكثير الأتباع وذلك بإشهار سيف الترهيب والتخويف ووجوب اتباع قولهم وإلا عد المخالف متتبعا للرخص ومن تتبعها فهو هالك وكل ذلك رغبة في احتواء القطيع وحجر التفكير عليهم والعالم الحق هو الذي يردد:قولي محتمل للصواب والخطأ فلا تأخذ إلا بعدله .

ومن آكلي التين بالدين من حق عليهم قول ابن مهران:

(وضعوا مفاتيح الدنيا على الدنيا فلم تنفتح،فوضعوا عليها مفاتيح الآخرة فانفتحت) الذي يصور لنا طائفة من الناس جعلت الدين سلما لنيل مآربها الدنيئة وأغراضها اللئيمة فلما أعيتهم الحيلة في الضرب في الأرض والابتغاء من فضل الله ركنوا للخرافة والأوهام فألبسوها ثوب الدين ومنهم من قام إلى عامة الناس يمنونهم بالشفاء من أمراض أعيا الطب علاجها بل جعل بعضهم تلك الأوكار التي يعالج فيها فرصة لهتك أعراض المرضى وحال هؤلاء يشبه حال أهل النفاق الذين كانوا على عهد رسول الله فإنهم لما رأوا دولة الاسلام ظاهرة كانوا يجاهرون بالاسلام ويبطنون غيره رغبة منهم في نيل مآرب دنيوية ،وللأسف فإن بعض الفقهاء قد أوجدوا لهم سبيلا ميسرا لذلك فلا زالوا يصنفون الكتب التي تدلل على دخول الجني في الانسي وتلبسه به ويروون أحاديث التمائم متناسين أن الله جعل أسبابا وسن سننا حتى قال الرسول الكريم قولته المشهورة(تداووا عباد الله فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل معه دواء علمه من علمه وجهله من جهله ) وهنا إشارة لطيفة إلى أن جهلك بالدواء لا يعني عدم وجوده وإنما عليك بالبحث عنه واستخدام كافة الوسائل لطلبه ، إننا أمام باعة للوهم وهم بفعلهم هذا يضرون ولا ينفعون فكم من وصفة وصفوها لمريض كانت سببا لوفاته أو تأخر شفائه ومما يزيد القلب حسرة وأسى أنك تجد أطباء متخصصين يرسلون مرضاهم لهذه العيادات عندما لا يكتشفون سببا للداء ولم يفكروا أن تشخيصهم كان خاطئا وأن فوق كل ذي علم عليم مذكرين إيانا بالوثنيين الذين كانوا يرون الظواهر الطبيعية فيرجعونها لقوى الشر والخير ويعبدون من أجلها الشمس والقمر والنجوم،إننا بحاجة إلى تنقية الوعي المجتمعي منذ سني الطفولة الأولى بأن هناك أسبابا ونتائج مترتبة عليها وأن نظرية عدم ارتباط العلة بالمعلول التي نادى بها الغزالي معتبرا أن الله سبحانه هو المقدر للأشياء وأن ما نراه إنما مرجعه العادة أي اعتيادنا على رؤية العلة مرتبطة بالمعلول وجودا وعدما هذه النظرية  من الأغلال التي كبلت العقل المسلم وجعلته مهيئا للرتع في مراتع الخرافة والدجل فأين قول الله عزوجل (ولن تجد لسنة الله تبديلا)ولذلك لا تعجب من دعوات التواكل واليأس والرضا بالدون عندما تشيع مثل هذه الأفكار التي في بيئتها نشأ قول القائل:

جرى قلم القضاء بما يكون&فسيان التحرك والسكون

جنون منك أن تسعى لرزق &ويرزق في غشاوته الجنين

على أن من الناس من يلعب على وتر الدين بطرق أخرى غير الاستشفاء الذي قد يوظف فيه النص الديني وإنما يلبس لبوس التدين الظاهري ليكسب ثقة الناس ثم ينقض على أموالهم عن طريق المحافظ المالية أو الجمعيات التعاونية أو ليتزوج من امرأة بعينها ومثلهم بعض مقاولي الحج الذين يحملون الحجاج ثم يرمون بهم في العراء فيصبحون كالأيتام على موائد اللئام فلا حجا قضوا ولا سعيا أتوا وهؤلاء يحق فيهم قول ابن المبارك لما سئل :من سفلة الناس؟قال:( الذي يأكل بدينه) وفضائحهم تبدو وعوارهم يزداد في أيام الحروب والأزمات والمجاعات فيرقصون على طنبور المساعدات والصدقات والجهاد بالمال فلا يلبث الناس أن تتسارع إلى العطاء مدفوعين بعاطفة إيمانية ورغبة في نصرة المستضعفين بينما تصب الأموال في جيوب آثمة ولحى لا ينقصها الخجل يجللها العار والشنار والخزي في الدنيا والآخرة.

إن على الدولة واجب حماية المجتمع وحماية أفراده وذلك عن طريق نشر الوعي والعلم ومراكز الأبحاث والمحاضن التربوية والترفيهية ليرتقي عقله ويتحرر فكره فيبدع وينهض بأمته وعليها تنظيم وتقنين كل مهنة لها تماس مباشر بالناس ووضع القوانين الرادعة لمن تسول له نفسه التربح بطرق مشبوهة مستغلا الدين كمصيدة للبسطاء كما عليها تنظيم عمل المؤسسات الخيرية والنظر في مصارفها حتى لا يستغلها أرباب النفوس الدنيئة في تجميع الثروات أو هتك الحرمات أو القيام بأعمال إرهابية تحدث شرخا في بنيان المجتمع وتضعضع من وحدته الوطنية ولنا في الدول المجاورة عبرة وعظة كما أن على الدولة وهي تنشئ المؤسسات الخيرية الرسمية أن تشعر الناس بأثرها وتكسبهم الثقة فيها ويكون على رأسها أناس معروفين بالأمانة حتى يجد الناس البديل الصالح لأن هناك من الناس من يخاف أن لا تبرأ ذمته بدفع زكاته لهذه المؤسسات ولذلك لابد من غرس الثقة والطمأنينة في نفوس الناس تجاه هذه الجمعيات ولا يكون ذلك إلا بإعلام جاد يُري الناس النفع العميم منها ويحس بأثرها فيرتاح ضميره فيسارع إليها عاما بعد عام.

0 1907 19 أغسطس, 2014 الحادي والخمسون, ثقافة وفكر أغسطس 19, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.