التنمية بالتسامح

لـ

ما من فكرة أو قيمة خلقية تثير نقمة المتشددين المغالين في دينهم أكثر من فكرة التسامح، ذلك أن المؤدى الختامي لهذه القيمة هو قبول الآخر وتقدير التنوع وتعظيمه، والجماعات المتشددة بصيغها الراديكالية المتطرفة، وهي صيغ تتعارض بالمطلق مع القيم الأصيلة للدين الحق، فان هذه الجماعات لا ترفض الآخر ولا تحتمل استيعابه فحسب، بل تجهد في سبيل الغائه بالمعنى الواسع للالغاء والتغييب، استنادا لمنظومة من التفسيرات والفتاوى الدينية لا يمكن القول بشأنها الا أنها الأسوأ من جملة الموروث الديني، على اختلافات هذا الموروث المذهبية أوالطائفية، ومن ثم اكتسبت هذه المنظومة إضافة الى سمة الأسوأ، سمة أخرى باعتبارها الأخطر على مستقبل الأمة وقيمها الأصيلة، والتي يأتي التسامح في مقدمتها. وما حالة الفوضى والألم التي تعيشها العديد من أوطان الأمة، الا نتيجة طبيعية ليس لغياب قيمة التسامح، بل لانعدامها والا كيف بالامكان تفسير كل هذه المشاهد المروعة والويلات الموجعة.
وإن كان غياب وتقهقر هذه القيمة في أي من المجتمعات ينبىء بخراب وتخلف حضاري، بالمعنى الواسع لكلمة حضاري، فإن مشكلة مجتمعية وسلوكية تبرز باعتبارها مؤشرا من المؤشرات التي يمكن الاستدلال من خلالها على اصرار مجتمع ما كي يبقى يراوح ضمن أطر التخلف والبدائية، لعدم تقبله العقلي لفكرة التسامح، فان حضور هذه القيمة في مجتمعات أخرى، فان هذا الحضور بات يعد ضمن مؤشرات التنمية والتقدم، وقد بدأ حديثا، في معاهد ومراكز التفكير العالمي بالبحث جديا لوضع أطر وتصورات علمية وقانونية واقتصادية وثقافية بالطبع لمعرفة دور التسامح عند المجتمعات في مواجهة الأزمات التي تواجهها.
التسامح بمعناه الحداثي بات يعني أن يكون هناك استشعار وحس لدى كل المواطنين في دولة ما، حس يعظّم فيه المواطنون رفاه بعضهم البعض، وتسود فيه مشاعر القلق ، قلق على الآخر وليس منه، وهو من أنبل وأسمى مظاهر القلق. مناخ مجتمعي مؤسس على فكرة اجتماعية واقتصادية وثقافية تفيد أن الجميع مطالبون ومدعوون للمشاركة في مسعى وطني واحد، هذا الاحساس الجمعي من شأنه أن يجعل الناس، المواطنين، كلهم أقل أنانية، ورغبة في أن يتقدم المجموع ليحققوا نجاحاتهم في كافة المجالات والميادين، مايعني أن عجلة التنمية ستدور على نحو متسارع، وبذلك يحقق المجموع أكبر قدر من السعادة والشعور بالرضى.
إن الغاية الختامية من هذه النظرة الحداثية لمفهوم التسامح هي الانسان، وفرص تحققها يتم من خلال تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين كافة ابتداء، في مختلف المجالات الحياتية: الصحية والتعليمية والاقتصادية، وضمان هذه المجالات وكفالتها للشركاء في الوطن، باعتبارهم شركاء في التنمية، ويتوج ذلك كله مسألة الالتزام بالقانون، فما من مظهر يعزز أواصر التحاب والمودة والتسامح بين أبناء أمة من الأمة، أو شعب من الشعوب، أكثر من الالتزام بالقانون، والتعامل مع مجمل المنظومة القانونية باعتبارها مرجعا نافذا، يطبق على الجميع.
وكي لا نبقى في إطار الشروحات النظرية، ولاعطاء سمة عملية واقعية فان الاشارة هنا تكفي الى التأكيدات الصادرة عن على كل ما سبق ذكره، بيانات البنك الدولي في السنوات الأخيرة، التي تشير بمجموعها أن المواطنين الملتزمين بالقوانين ويراعون التشريعات في أوطانهم ويحترمونها، يتمركزوا عادة في الدول التي تسودها قيم التسامح ونبذ التعصب وتقدير الآخر، ولاحظت هذه البيانات أن هذه الشعوب تمكنت من التعامل مع تأثيرات العولمة وتحدياتها المختلفة، ليس باعتبار هذه التأثيرات ظواهر يمكن من خلالها اقصاء وتغييب كل مظهر من مظاهر التنوع والاختلاف، كما حدث في العديد من بقاع العالم في تسعينيات القرن الماضي، بل على العكس من ذلك تماما، اذ حافظت هذه المجتمعات مع التغير العالمي بثقة وطمأنينة، وبقيت ملتزمة بقيمها الأصيلة في تقدير التنوع واحترام قيم ومعتقدات الآخر.
وهذه الثقافة أكسبت شعوبا قليلة على وجه الأرض وميزتهم باعتبارهم شعوب لها خصوصيتها وفرادتها الوطنية، شعوب لا يتملكها رهاب التنوع والاختلاف لسبب أن جذرها الثقافي، الديني والمجتمعي، قائم بالأساس على فن يعد من أرقى الفنون الإنسانية قاطبة، إنه فن العيش المشترك وقبول الآخر، وهي مسائل مؤصلة على نحو واضح في صميم المنظومة المجتمعية العمانية، المستمدة جذورها من فقهه الذي استوعب وهضم على نحو عبقري مقاصد الاسلام الكبرى وغاياته السامية، وتشكل جراء هذه النظرة عقلا يوازن بين الأنا والآخر.

0 2020 14 سبتمبر, 2014 الثاني والخمسون, ثقافة وفكر سبتمبر 14, 2014

1 comment

  1. Avatar
    د. هالا مقبل

    د هالا مقبل

    كل الشكر أستاذ نبال على طرح هذا الموضوع وهو من أولى أولويات المجتمع المسلم في هذه الفترة الحرجة التي تعيشها الأمة وتعاني من الاتهامات بالتعصب والهمجية ويوسم فيها الإسلام بالتعصب وعدم تقبل الآخر وذلك بناء على ما يشاهدونه من ممارسات عنصرية متعصبة بعيدة كل البعد عن روح الإسلام الذي دعا إلى التسامح وعدم تقبل الآخر سواء أكان تسامح ديني أم فكري بل دعا إلى تقبل الآراء والاستماع للآخرين إذ إن مصادرة أفكار الآخرين وتجاهلها والتعصب للرأي من أبرز أسباب الفشل ويؤدي إلى اتساع الخطأ ، وبالتالي يصعب تصويبه ، وقد دعا الله تعالى إلى الحرية في التعبير واستقلال الرأي ، يقول الله تعالى : ” وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْأَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ” ونحن في أمس الحاجة إلى تربية الأحرار ، أعني أن يكون الإنسان المسلم ناضجاً ، عميق النظر ، حر التفكير، متحرراً من إسار الآخرين ، لايصادر عقله شيخ ، ولا يذوب في حزب ، منهجه منهج القرون المفضلة الأولى ، تضيؤه أنوار الكتاب العزيز والسنة النبوية المشرفة ، يبني عليهما كل مسلماته الشرعية ومن المسلم به أن من تمام الإنصاف والعدل قبول الحق من الخصم ، والتفريق بين
    الفكرة وصاحبها ، وأن تكون الصحة مقياس الحكم على الفكرة ، وأن يبدي الشخص
    إعجابه بالأفكار الصحيحة والأدلة الجيدة وإن خالفت فكرته ، فلا قيود على الأفكار ، والحقائق مطلقة ، وقد جعل الله تعالى المقياس في هذه القضية موكل بالعمل ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا )

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.