ملاكٌ يَرعى ضَحِكات الأطفال في المقبرة

لـ

image

“إنْتَه عَسّووولْ وأمّووورْ وسُكرْ وعَسلْ.. مِشْتاقِتْلَكْ وَاااااااااجِد”.

لم تكن هذه الرسالة الواتسابية الصوتية، رسالة شوق أو غزل؛ بل هي دلالة غيابٍ ورحيلٍ، وهي علامةٌ ضمنيةٌ في كلام عابر. الرسالة الصوتية لم تتعد عشر ثواني، مدّتْ الطفلةُ الكلمةَ الأخيرةَ لثلاث ثواني، تأكيدا منها على الشوق والحنين الطفولي.وتأكيدا منها على رصيدِ المحبة. الرسالةُ التي طارت من قرية صغيرة من قُرى جبال الحَجر السمائلية إلى مرتفعات وجبال الكامرون الماليزية ـ الجبالِ المثمرة بالفراولة والقهوة وحقول الشاي ـ لتقول للرجل هناك أنّ روحها تشتاق له، وأنها تنتظره على الباب، باب البيت، وباب السيارة، وباب الرحلة الطويلة، وباب الحكاية، ونافذة الحياة.
صوت الرسالة الواتسابية سيحفظُ صوتكِ وروحكِ وشوقكِ أيتها الملاك، من قال لكم إن الموت قادرٌ على أن يغيّب كل شيء.

(2)

ستبقى الحكاية بلا عنوان في الليل، لن يكون هناك صوت فدوى؛ ليقرأ عنوان الحكاية، ستبحث سبأ ومكيّة عن الحروف، والألوان، وأصوات الحيوانات في الحكاية والحياة. ستُطلّ عليهما فدوى من بعيد وهما يبحثان عن عنوان الحكاية الضائعة. ستُدلهما فدوى على طريق الحياة، وطريق الغياب.

(3)

فدوى
فدوى
فدوى
فاتحة الغياب، وفاتحة الدمع، وفاتحة الرحيل السريع، وفوهة الفاجعة، ودال الدليل نحو الفرح الغائب، وواو توصل الدمعَ إلى أقاصي الروح، وصوت الوادي،وألف تمدنا بالحياة أكثر، وبوجع أكثر.
فدوى
فدوى
فدوى

(4)

ضحكتكِ حاضرةٌ هنا في النص، وفي الكلام، وفي الغياب. كلّما زرتكم في البيت تستقبليني بالضحكة، وتودعيني بالضحكة والقُبلة، لن يكون للشاي طعم في بيتكم بعد اليوم، لن تكون للحكايات دهشتها، ولن يكون للمكان حميميته بعد غياب ضحكتكِ.
لن تحضري عيد ميلاد فراس الثاني كما فعلتِ في عيد ميلاده الأول، ستُطلين علينا من بعيد، من فوهة السماء المفتوحة، ستحضرين من حديقة البيت، أو من المقبرة، وتطلين من النافذة. ستغنين لفراس من خلف نافذة الغياب.

(5)

في الأيام الأخيرة، كنتِ تذهبين لصديقتك الطفلة الثريا، لتأخذي لأختها الراحلة رسائل الحياة، وضحكات الأطفال، وألعاب الطفولة، وأناشيدك، وأبيات المتنبي، وتراتيل عبدالباسط.
تحملين معك حكاياتك الصغيرة، ورائحة الأمهات، ستغنين معها أناشيد طيور الجنة.
الرسالة والبريد وساعي البريد كلهم كانوا يختصرون ضحكتكِ.

(6)

كنتِ ملاكا صغيرا، عشقتِ البياض، وعشقَك بياض الروح، كنت تحبين الغيوم، وكلّما مرّتْ غيمة كنتِ تغني لها، تعشقين فستانك الأبيض، يدهشك البياض يا فدوى، ولكن الموت ليس أبيض دائما يا فدوى.
كنتِ تطاردين غيمة، وكنتِ ترسلين أغنية للسماء، وكان يوم جمعة، وكان الوقت غروب، لذا رحلتِ يا فدوى والبياض يرافقك. كانت روحك خفيفة فحملتها الغيمة إلى البعيد. هناك حيث بياض الملائكة.
قلتِ لكلَّ النساء والأطفال والنخيل والحكايات والدروب أنكِ تحلمين أن تصبحي طبيبة؛ لتلبسي الأبيض. لبستِ سماعة الطبيبة البلاستكية.
لبستِ الأبيض باكرا. وباااااااكرا يا فدوى لبستِ الأبيض.

(7)

من سيطارد قطة البيت في الصباح، من سيمسكُ يد سبأ لكي تقف، ولكي تشرب الماء.ولكي ترسم الوردة، ولكي تلوّن الشمس.
فدوى سيأتي الصيف وستثمر فرصادة البيت، وسيمرُّ أطفال القرية والغرباء ليأكلوا من الفرصادة، ستكونين غائبة في الصيف، ولكن روحك ستنزل في الليل لتسقي سبأ كأس ماء؛ ولكي تأكلين حبات الفرصاد المتساقطة في حوش البيت. ولكي تتركي شمس سبأ مشرقة.

(8)
“باباه باباه فدوى رايحه الجنة، وأنا راح أشل آي باد مالها”.
لم يجد الأب سوى الدمعة ليردّ على مكيّة، وهي تسأل عن غياب فدوى.
الدمعة نفسها التي ستسقط في قاعة السينما عندما شاهد الأب فيلم (رجل نوفمبر) في إحدى قاعات السينما في دبي، عندما رأى بطل الفيلم يحضن ابنته، وقبل أن يحضنها كانت تناديه:بااااااابا.

(9)
” إنته عسّووول وأمّووور وسُكر وعسل.. مشتاقتلك واااااااااجد”.
يا أبي كل فجر وأنت تمشي إلى المسجد الصغير أسمعُ صوت خطواتِكَ، أناديكَ، أصرخُ لك باباه أنا مشتاقتلك. في طريقكَ إلى المسجد فجرا، في الجانب الأيسر من المقبرة، حاول أن تنصتَ إلى صوتي، أريدُ أن تحفّظني بيتا جديدا للمتنبي. أريدُ منك يا أبي أن تسمع قصتي الأخيرة، وتسجلّها في هاتفك. كل فجر يا أبي ستجدني في الجانب الأيسر من المقبرة، بالقرب من الطريق، أغني لك:
” طيرٌ طارْ في الإبحارْ
يبحثُ عن وجبةِ إفطارْ
يحمِلُها في المنقارْ
للأطفالِ المنتظرينَ على الأشجارْ” **
والطفل الحامل وجبة الإفطار ظل وحيدا فوق الأشجار منتظرا الأطفال العابرين نحو سماوات الغياب.

(10)

image (1)

 

في دفتر الرسم، الذي أهديتني إياه يا أبي، والذي اشتريتَه من المتحف البريطاني بلندن في شتاء 2012، رسمتُ بعض الورود والأحلام والأشجار والعصافير، كتبتُفيه أول حروفي بالحياة، كتبتُ اسمي واسمك. شاغبتْني مكية ورسمت صورة طفلة وشعرها مبعثر. حاول يا أبي أن تمشّط شعر الطفلة في دفتر رسمي، يا أبي حاول أن تَسقي كل الورود والأشجار في دفتر الرسم.ستسمع في الليل أصوات عصافير على الأشجار، في دفتر الرسم تلك هي روحي فلا تخف ولا تبكي يا أبي.

** كلمات الشاعر البحريني علي الشرقاوي. كانت فدوى تردد هذه الأبيات مع أبيها كثيرا.

0 2451 17 سبتمبر, 2014 أدب, الثاني والخمسون سبتمبر 17, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.