مفارقة الوفرة

لـ

 

 

ملخص “مخاطر الدولة النفطية: تأملات في مفارقة الوفرة” لـ “تيري لين كارل”

 

“ما النفط إلا براز الشيطان، إننا نغرق في فضلات الشيطان”.
خوان بابلو بيريز ألفونسو، أحد مؤسسي منظمة الأوبك.

 

إبّان فورة النفط في عقد السبعينات كان مصدّرو النفط يعتقدون أن الرخاء الذي جلبه النفط سيوفر لهم قاعدة مستديمة لاقتصاد ما بعد النفط، و القضاء التام على البطالة، و الأمن القومي، و الاستقرار السياسي، و باختصار فإن هذا الرخاء، كما تصوروا، سوف يتيح لهم فرصة الالتحاق ببلدان العالم الأول. و هكذا نجد أن شاه إيران وعد شعبه بإنشاء “حضارة عظمى”، في حين أن رئيس فنزيلا، كارلوس أندريس بيريز، تنبّأ بقيام “فنزويلا العظمى” في المستقبل القريب. و لكن اتضح أن هذه التنبؤات و التكهنات ليست سوى صيغة جديدة من “أسطورة ميداس” الذي خرَب الذهب حياته رغم آماله الكبيرة بالرخاء لبلاده.

هذا هو ما أسميه “مفارقة الوفرة”. ذلك أن المنطق يقول إن وقوع البلدان الثرية بالنفط في مطب أزمة اقتصادية و سياسية عاصفة هو أمر يثير الذهول و الحيرة. بل إن وقوف هذه البلدان، شديدة التباين – سواء من حيث الطبيعة أو الاحتياطي النفطي أو مستويات المعيشة أو عدد السكان – عند مفترق طرق مماثل رغم ما بينها من فوارق، أمر محير هو الآخر، و يتطلب التفسير.

و لهذه الأحجية تبعات عالمية. لقد ارتفعت الأسعار ثلاث مرات في عقد السبعينات اقترنت اثنتان منها اقترانا وثيقا باحتدام أزمة سياسية داخل بلد رئيسي من البلدان المصدرة للنفط: ليبيا سنة 1971 و إيران سنة 1979. و في العام 1990 اهتز سوق النفط و ارتفعت الأسعار ارتفاعا حادا نتيجة محاولة العراق لحل مشكلاته الداخلية بغزو جارته الكويت. فتخيلوا العواقب لو انهار استقرار السعودية أو دول الخليج الأخرى – في منطقة تسيطر على 60 في المائة من احتياطي النفط المكتشف في العالم! إن من الضروري السعي إلى فهم الأزمات في الدول المصدرة للنفط، لا لأنها تؤثر على حياة الشعب القاطن داخل حدودها فحسب، بل أيضا لأن صدى هذه الأزمات يتردد بقوة في أسواق العالم، و ينذر سلام العالم اجمع بخطر.

إن اقتصادات البلدان المعتمدة على النفط و نظمها السياسية تتشكل تشكلا جوهريا بفعل دفق الدولارات النفطية، على نحو يفردها و يميزها عن باقي الدول. فالثروة النفطية قادرة على صبّ المؤسسات في قوالب معيّنة صبا محكما فاق تخيّلات و مدارك أفضل الأخصائيين. و يصح ذلك بوجه خاص على الدول التي يقترن فيها استغلال النفط بمرحلة بناء الدولة الحديثة، و هو الحال الأكثر شيوعا. و حين يحصل هذا الاقتران، فإن الدولة النفطية تجنح في تطورها جنوحا يشوه مؤسساتها، و يضعف قدرة هذه المؤسسات. ففي البداية نرى، أن متطلبات استثمار النفط، و نضوب هذا المورد، يتحتم وجود سلطة سياسية شديدة المركزية، إن لم يكن لشيء فعلى الأقل لإعطاء الرأسمال الأجنبي شريكا موثوقا للتفاوض، و تذهب ريوع النفط إلى الدولة، سواء بموجب القانون أو بقوة العرف. أضف إلى ذلك فإن التساوم الأولي بين شركات النفط الحريصة على ضمان مصادر جديدة من النفط – لدرجة أنها تواصل عملها حتى وسط الحروب الأهلية كما حصل في أنغولا – و بين الحكام المحليين التواقين إلى ترسيخ القواعد المؤيدة لهم يخلف وراءه – مهما كانت الفوائد المتبادلة عند الطرفين – إرثا مريرا من المركزية الشديدة للسلطة السياسية.

تستخدم السلطة المركزية المزايا المالية النفطية في البحث عن بدائل إنتاجية قابلة للاستمرار تعوض عن التنمية التي يقودها النفط، و لكنها في نفس الوقت تؤدي إلى تقوية نزعات الاستهلاك بحيث تطغى على نزعات الإنتاج، بإلغاء الإيرادات الحكومية المستمدة من الضرائب المحلية مثلا، كما أن هذه المزايا تعيق آليات التصحيح الذاتي للاختلالات، و تضعف أخلاقيات العمل التقليدي، و محفزات العمل في السوق، و احتمالية قبول التقشف، مما يؤدي إلى استشراء ممارسات متهورة في الميزانية كالاقتراض الدولي المتهور.

من شان الإيرادات النفطية أن تسمح لزعماء الدول النفطية بتجنب إجراء التغييرات الضرورية لفترة أطول من قدرة بقية زعماء الدول النامية، لأن هؤلاء الأخيرين يرضخون لمتطلبات التغيير بسرعة حين تبدأ المؤشرات الاقتصادية الكبرى بالكشف عن وجود متاعب. الواقع أن حكام البلدان المصدّرة للنفط لا يملكون أي حافز مباشر يدفعهم لأن يكونوا مقتصدين، كفوئين، و محترسين في رسم السياسات، كما لا يوجد لديهم أدنى سبب يدعوهم إلى لا مركزة السلطة بإشراك مساهمين آخرين. بالعكس، فالأموال التي تتدفق على خزائن سلطة شديدة المركزية لا تقود إلا إلى المزيد من تمركز هذه السلطة، مشجعة نسيج العلائق الريعية بين السياسيين و الرأسماليين. و هكذا تتولد حلقة مفرغة من نتائج التنمية السلبية و التي ترسخ التبيعة الأحادية للدولارات النفطية و تفسر لنا أحجية “مفارقة الوفرة”.

ثمة اتفاق مذهل بين الاقتصاديين لتفادي المآل المحزن للدول المصدرة للنفط: يتوجب على خبراء النفط أن “يعقموا” عائدات النفط عن طريق إيداعها في صندوق ائتمان في الخارج حين تكون الأسعار عالية، و استخدام آليات السوق مثل تحرير (ليبرالية) التجارة، و تحرير نظام أسعار صرف العملة، و الخصخصة، و إزالة الضوابط المقيدة للأسعار و الأجور و معدلات الفائدة، و توفير بيئة مستقرة لضمان حقوق الملكية، و رفع الإنتاجية في الزراعة و الصناعة، و دعم مكافحة الفساد. أخيرا، يتوجب عليهم تقليص الإنفاق الحكومي إلى أدنى حد ممكن، و مقاومة غواية الميل إلى زيادة الاستهلاك المحلي لترضية السكان الساخطين، و تحاشي برامج الأشغال العامة ذات الشعبية الكبيرة، و الاتجاه، عوضا عن ذلك، إلى الاستثمار طويل الأمد في النظام الصحي و التعليمي، اللذين يسهمان في زيادة الإنتاجية.

لكن مهما بدت هذه الوصفات معقولة، فإن تطبيقها في الدول النفطية أمر بالغ الصعوبة، و سبب ذلك هو أن السياسات التي تقرر سبل الإفادة من ثروة النفط لا تتحدد أساسا بفعل الحسابات الاقتصادية، و عليه فإن مفتاح الإصلاح الناجح هو سياسي و ليس اقتصادي. لنأخذ وصفة “التعقيم” مثلا و التي طبقت بشكل ناجح في النرويج و ألاسكا، و لكن بعد ترتيبات دستورية تمنع الحكومات من استخدام أرصدة صناديق النفط لأية أغراض خلاف الغايات التي أوجدت لها، و قوانين تضع هذه الإيرادات خارج سيطرة صانعي السياسة، و عليه فإن نجاح سياسة كهذه يتطلب سلفا وجود نظام قضائي مستقل و فعّال، و القبول بشفافية ممارسات التصرف بالميزانية، و هذه شروط لا تتوفر بأي شكل ذي معنى في أغلب الدول المصدرة للنفط. كذلك سياسة تقليص الإنفاق و الحد من دعم أسعار السلع سيؤدي إلى تفجر السكان الذين اعتادوا على “النعمة” و باتوا يمقتون أي مظهر للتقشف. أما الجهود الناجحة لاستخدام دولارات النفط استخداما حكيما فإنها تتوقف على وجود ضغوط سياسية و اجتماعية مضادة، و هذا يتطلب بناء القدرة السياسية للجماعات ذات المصالح، و المستقلة عن، بل حتى المعارضة للتنمية التي يقودها النفط.

إن فترات تدني أسعار النفط (كما هي الآن) توفر فرصة لإنشاء المؤسسات السياسية و الإدارية القادرة على إدارة النفط. و الحق إن مثل هذه الفترات قد تؤلف الفرصة الوحيدة لانتشال دول النفط من حلقة التنمية المفرغة، إلى حلقة التنمية المزدهرة. و لما كان ذلك يتطلب أجهزة خدمة مدنية، أي إدارة قائمة على الجدارة و الأهلية لتحل محل نظام تعيين الأتباع، فإن بالإمكان بناء الدعم السياسي لإصلاح الأجهزة الإدارية في فترة انخفاض الأسعار. أما حين ترتفع الأسعار، فإن حوافز الاحتفاظ بأفضل وظائف الدولة للأصدقاء و الأقرباء تكون أقوى من أن ترد. زد على هذا أن انخفاض الأسعار يسهل السعي إلى لجم الحكام الطموحين، و بخاصة إنشاء جهاز إداري قوي و خاضع للمحاسبة يقوم بمثل هذا الدور. أخيرا تقوية المصالح الاجتماعية المرتبطة بقطاعات غير نفطية، و القادرة على تخفيف وتائر التنمية المتسرعة و المفرطة المطامح، إن لم يكن لشيء، فعلى الأقل لتفادي الأعمال التافهة ضخمة الحجم التي ميزت فترات الفورة النفطية في القرن العشرين. إن الأسعار المتدنية اليوم تؤلف فرصة مناسبة لخلق ديناميكية تنمية مغايرة تماما. و لكن لما كانت الأسعار مرشحة للارتفاع، فإن هذه الفرصة لن تعمر طويلا. المفارقة أن الأسعار المرتفعة تميل إلى غلق نافذة الإصلاح. تلك هي “مفارقة الوفرة”.

 

 

0 2805 20 أكتوبر, 2014 الثالث والخمسون, سياسة أكتوبر 20, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.