شهادة الزور “الفكرية”

لـ

شهادةُ الزّور هي أن يشهدَ المرءُ بالكذب أو بما لا يُحيطُ به علما(1)، وهي فعلٌ حرّمته الشرائع الدينيّة وجرّمته التشريعات القانونيّةُ الوضعيّة، لما في ذلك الفعل الشائن من تضييعٍ للحقوق، وتغييرٍ للواقع وتدليسٍ على الناس.
ولعظيمِ خطرِ شهادة الزّور، وكبير أثرها الفاسد؛ فإنّك لا تكادُ تجدُ من يجادلُ في قُبحها، أو يماري في دناءتِها، على اختلاف المشاربِ الدينيّة وتعدّد المذاهب الفكرية والعقديّة، لكنّ ذلك للأسف الشديدِ اقتصرَ على الصورة النمطيّة لشهادة الزور المتمثّلة في قلب الحقائق أمامَ جهةٍ قضائيّة في سبيلِ تخليصِ مجرمٍ من قبضة العدالة، أو تمكينه من الاستيلاء على ما ليس له فيه حق!
شهادةُ الزّور –كما نزعمُ غبّ استقرائنا لتعريفاتها وأحكامها-تتعدّى تلك الصورة الفريدة المشتهرة عند الكثير؛ وتتجاوزها لتشملَ كلّ فعلٍ يتضمّنُ شهادةً كاذبةً أو شهادةً صادرةً عن غيرِ علمٍ بالموضوع المشهود فيه. ونزعمُ أنّ أخطرَ أنواعِ شهادات الزّور هو ما سنطلقُ عليه هنا شهادة الزور الفكرية! وشهادات الزور الفكرية نقصدُ بها تلك الشهادات التي يكون موضوعُها مرتبطاً بنتاجٍ أدبيٍّ فكريٍّ مثل الكتابات الأدبية المختلفة كالقصة والشعر، أو الكتابات والأطروحات الثقافية والفكرية والفلسفية. وشهادةُ الزور الفكرية–كغيرها من شهادات الزور-تأخذ تلكمُ الصورتين اللتين افتتحنا بهما المقال: الشهادةُ كذباً أو الشهادة عن غير علم، وتتجلّى مظاهرُها في وصفِ عملٍ ما بالبلاغة والإتقان والإحسان، أو الشهادة لامرئٍ بأنّه شاعرٌ أو أديبٌ أو مفكّرٌ أو باحثٌ أو فيلسوف أو ما شاكلها من أوصاف؛ والعملُ أو المرءُ المشهود لهما بذلك ليسا في ذلك من شئٍ لا في قبيلٍ ولا في دبير!
تنبع خطورةُ هذا النّوع من شهادات الزور من كونِ آثارها تتعدّى ظلمَ فردٍ ورزأه في ماله إلى ظلمِ المجتمع ورزأَه في أدبه وفكره، وتتجاوزُ تخليصَ مجرمٍ من قبضة العدالة إلى التمكين لجاهلٍ أو سفيهٍ من ثقافة الأمة وفكرها؛ وجعله قدوةً ومثالاً لكثيرين ممّن لا يحسنون التفريقَ بين الغثّ والسمين، ولا يجيدون معرفةَ الأصيل من المدّعي.
ولعلّ الصورة الثانية من صور شهادة الزور وهي تلك الناشئة عن الشهادة بغير علم هي الأكثر وقوعاً والأوسعُ انتشاراً في المجال الفكري، إذ إنّ الصورةَ الأولى وهي الشهادةَ بخلافِ الواقع مع علم الشاهد بذلك قليلةٌ جدا –فيما نحسبُ على الأقل-ويكون الدافعُ لها –إن وقعت-هو المجاملةُ والمداراة أو محاولةُ كسب الأتباع أو بلوغ رضى المشهود له. بل إنني أزعمُ أنّ الصورةَ الأولى في ميداننا المحلّي هنا في السلطنة تكادُ تكونُ نتيجةً للصورة الثانية وأثراً من آثارها السيّئة! فالفوضى التي صاحبت انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ووسائط النشر الالكتروني التي لا تكون –غالبا-خاضعةً لحدود وضوابط؛ فتحت المجال واسعاً ليقتحمَ غمارَ الكتابةِ والنشر كلّ من عنّ له ذلك، أو سنحت له خاطرةٌ فأعجبته، أو لمحت له فكرة فرآها “فكرا”، والمرءُ يعجبُه طنينُ رأسه! ولأنّ الطيورَ على أشكالها تقع؛ فقد أدّى ذلك إلى تكوّنُ جماعاتٍ وتشكيلِ مجموعات بحسب اتفاقها في رؤاها وأفكارها أو غاياتها وأهدافها، وشيئاً فشيئاً شهدنا نشوءَ ما حذّر منه الدكتور عبدالله الحرّاصي في مقالة له عام 2009 م وسمّاه “قبيلة الكتّاب”(2)، وبعيداً عن موضوع طرح الدكتور الحرّاصي والذي تناول فيه علاقة “الكتّاب” بالدولة والمجتمع ومؤسساتهما وإشكاليّاتها؛ فإنّ ما يعنينا هنا أنّنا أصبحنا نشاهدُ ما ينطبق عليه وصف “قبيلة الكتّاب” بحيثُ أصبح الانتماءُ لتلك “القبيلة” سبباً في الاحتفاء بإنتاج أفرادها وأفكارهم وآرائهم والشهادة لها بالسموق والسموّ والإجادة بغضّ النظرِ عن الحكم الموضوعي والنظر العلمي! وقد تحدّثت عن هذه الظاهرة بشيء من التفصيل الدكتورة فاطمة اللواتية في مقالٍ لها نُشرَ قريباً حين تحدّثت عن ظاهرة “الشللية” في الواقع الثقافي(3).
ما يعنينا من كلّ ما سبق هو أنّ نشوءَ أمثال تلك الظواهر مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بانتشار شهادات الزور الفكرية، فكلا الأمرين يؤدّي إلى الثاني، فالشهادةُ بغير علمٍ بأنّ فلاناً مفكّرٌ وأديبٌ أو مثقّفٌ وفيلسوف أو أنّ الكتابةَ الفلانيّةَ فكرٌ وأدبٌ وفلسفةٌ أدّى لنشوءِ جماعةٍ تدّعيها، ونشوءُ تلك الجماعة أدّى إلى شهادة أفرادها بعضهم لبعض بالفكر والأدب والثقافة تعصّباً وانحيازاً، حتى صار الأمرُ كالذي يُشهدُ له بأنّه مهندسٌ بارعٌ وليس فيمن شهدوا له بذلك مهندسٌ واحدٌ أو فردٌ يفقهُ من أمر الهندسة شيئا!
المؤسفُ في الأمر أنّ الكثيرَ لا ينتبهُ لخطورة شهادات الزور “الفكرية” ففي حين أنّك قد تجدُ الجميعَ يقرُّ بشناعة شهادة الزور وبشاعتها؛ إلا أنّ الكثيرَ يقعُ فيها “فكرياً” دون أن يشعر ولربما وقع البعضُ فيها “عن سبق قصدٍ وتربّص”! ولعلّ سببَ الوقوع في الأمر هو الخلطُ بين حرّية اعتناق رأيٍ شخصيّ والشهادة العلمية، فالمرءُ له الحرّيّةُ في تشكيل رأيه الشخصيّ وله الحريّةُ في أن يُعجبَ بكتابةٍ أو فكرة، كما أنّ له الحرّيّةَ أن يرى التربَ تبراً أو يحسبَ الورمَ سمناً، فذلك شأنُه وليحتفظ به لنفسه، أو لينشره منبّهاً على أنّه رأيٌ شخصيّ لا يستند إلا على فهمه الشخصي، أمّا أن يُمسكَ قلمَه ليكتبَ المقالات، أو يعتليَ المنابرَ ليدبّج المديحَ ويوزّعَ الشهادات فيما لا يفقه أو يملكُ من العلمِ والأدوات ما يؤهّلُه لذلك؛ مدّعياً أنّ شهادتَه صادرةٌ عن علمٍ وفهم فتلك هي عين شهادة الزور!
ويعظمُ الخطبُ حين يقعُ في الأمر مؤسّسات–رسميةً كانت أو خاصة-كمؤسسات النشر والصحف المختلفة –مثلا-فمجرّد نشرها لكتابةٍ ما يعني شهادتُها لها بأنّها قد استوفت شروطَها الموضوعة للنشر، ولا أحسبُ أنّ هناك جهةً ما لا تضعُ من ضمن شروطها للنشر السلامةَ اللغويّة والتماسك البنائيّ لما يردُها من كتابات! لكنّ النّاظرَ في المنشور يستطيعُ تبيّن الكثير ممّا يقفُ مشدوهاً أمامه مسائلاً نفسَه كيف وجد هذا العبثُ طريقَه للنشر؟!
إذاً كيف للمرءِ أن يعصمَ نفسَه من الإتيان بشهادة زورٍ فكرية أو النجاة من الوقوعِ ضحيّةً لها؟
أمّا الأمرُ الأوّلُ فيكون بعدم الخوض فيما لا علمَ له به، وأن ينتبه للفرقِ بين الذائقة الشخصيّة والشهادة العلميّة، والأسلمُ من جميع ذلك هو الوقوف لمن لم يملك من العلم والأدوات ما يؤهّلُه للحكم، فإبداءُ الرأي في كلّ أمر، والتعليقُ على كلّ شأنٍ مظنّةُ الوقوع في الخطأ؛ فما هناك من يملكُ من العلم ما يحيطُ به بكلّ شيء!
وأمّا للنجاة من الوقوع ضحيةً لشهادات الزور الفكريّة فإنّه ينبغي إدراكُ حقيقةِ أنّ المدّعين كثير، والغثاءَ مستطير، وما كلّ من نشرَ كتاباً أو كتابين، أو ظهر في برنامجٍ تلفزيوني أو تحدّثَ في محفلٍ علميّ أصبحَ مفكّراً لا يشقّ له غبار، أو شاهداً لا تُردّ شهادتُه، فما أسهل تلك الأمور في زماننا، وخصوصاً للمدّعين! وإن وجدتَ من يمسكُ فأساً في يده، ويحملُ حطباً على ظهره؛ فاعلم أنّه حطّابٌ وإن شهدَ له من شهدَ بأنّه صيّاد، وإذا لاحَ لك ما يبدو أنّه حمارٌ ويُصدرُ صوتاً يشبه نهيقَ الحمير؛ فاعلم أنّه حمارٌ حقيقةً ولو حاولَ مَن حاولَ إقناعَك أنّه أسد!

(1). د. عبدالمنعم التمسماني، جريمة شهادة الزور وعقوباتها في الفقه الإسلامي http://www.hespress.com/opinions/41352.html
(2). د. عبدالله الحراصي، حتى لا تكون “قبيلة الكتّاب” ضد المجتمع ودولة المؤسسات http://harrasi.blogspot.com/2009/12/blog-post_06.html
(3). د. فاطمة أنور اللواتية، المشهد الثقافي في سلطنة عمان ومعوّقات التطور 1/2 http://www.alfalq.com/?p=6860

0 1741 05 نوفمبر, 2014 الرابع والخمسون, ثقافة وفكر نوفمبر 5, 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.