استدعاء تجارب مجتمعية متفوقة.. ضرورة وجودية

لـ

في حال أردنا أن نعمق البحث بمنهجية تطبيقية ومحاولة معرفة وفهم التكوينات الاجتماعية التي تبلورت وأخذت معالمها وخصائصها الكبرى بالتشكل على نحو واضح وجلي، في العهد الإسلامي الأول، وتحديدا في فهم هذا التنوع بأشكال التعبير الديني واختلافات الرؤى والتفاسير للقضايا الدينية والدنيوية في هذه التكوينات المجتمعية؛ إن مشروعا بحثيا بهذا المستوى أول ما يتطلبه العمل لانجازه جهد عال ومضن في سبيل استكشاف تعريفي يوضح مواطن القوى، والقوة كذلك، التي أثرت على نحو فاعل ونشط في هذه المجتمعات، ومعرفة المدى الذي بلغته هذه القوى وهي تشكل مجتمعاتها وتحدد لها أساليب وطرائق تفكيرها وسلوكها الشخصي، إضافة الى أنماط سلوكها وصور التعامل مع الآخر.
إن بحثا بهذا المستوى، يستدعي أول ما يستدعي دراسة التأثيرات الكبرى والأدوار النشطة التي مارستها الطبقة الفقهية العالمة في تلك الفترة، هذه الطبقة أسهمت وعلى نحو نشط في تأطير وتقنين مجمل السلوك الإجتماعي، من خلال منهجياتهم وأساليبهم المعرفية في استخراج الأحكام وفقا لقواعد محددة، ابتداء من الاعتماد على كتاب الله وسنة نبيه الكريم بداية، لدى كافة المدرسيات الإسلامية، ووفقا لمبدأ الاجتهاد وإعمال الرأي لدى بعض هذه المدارس، أو لمبدأ القياس وفقا لمدارس أخرى، بالدرجة الثانية، ليتكشف لنا في النهاية مدى تمثل هذه الأوساط الإجتماعية التي شاعت فيها هذه المدرسة أو تلك.
من الناحية التطبيقية، فإن هذا التباين والتمايز في منهجية استخراج الأحكام، إضافة الى التمايز في الرؤى تجاه قضايا كبرى مثل دور العقل في حياة الإنسان، مفهوم الأمة، مفهوم الاجتهاد، والعديد من القضايا الجوهرية، لم تكن هذه التباينات التي نم عنها بالضرورة حوارات واختلافات في الطرح لعدد كبير من المسائل الفقهية والسلوكية، ناهيك عن الاختلافات العقدية والتعبدية، لم تكن هذه الاختلافات بمعزل عن الأوساط المجتمعية التي تنبعث فيها هذه المحددات المعرفية، بل إن هذه المحددات هي التي اشتغلت شغلها في تكوين المجتمعات المحلية وتشكيل هويتها الخاصة بها، بل وحتى مزاجها العام. فمن حيث المبدأ نجد أن كافة المجتمعات العربية والإسلامية نتيجة لتأثرها بهذه القوى المفكرة، خاضت غمار جدالات طويلة وعريضة في العديد من القضايا والمسائل، الجزء الأعظم منها ذات طابع ديني، غير أننا نجد أن صور هذه الجدالات وأساليبها تختلف لدرجة التعارض بين مكان وآخر. فهناك مجالات مكانية اتسم اختلاف وجهات النظر في العديد من المسائل بطابع الجدل الإيجابي والحميد، ولم يتعد الخلاف مجالات الحوار النظري، فيما شهدت أماكن أخرى جدالات ونقاشات عديدة لم تلبث أن تحولت الى صراعات واقتتالات دامية، وقد تكون المسألة الخلافية، مثار الاقتتال تحتمل بطبعها أكثر من رأي أو تفسير، وتستوعب كافة التعارضات، أو الجزء الأغلب منها في غياب نص واضح صريح تجاهها، لكن هذا الاختلاف لا يستدعي بحال من الأحوال اقتتالا أو نزاعا عنفيا، ومع ذلك نجد في سطور التاريخ الإسلامي الكثير من المواقف والمشاهد العنفية الإجتماعية التي أثيرة واحتدمت نتيجة هذه الاختلافات الرؤيوية. أذكر في هذا السياق الحادثة التي دونها ابن الأثير في كتابه ” البداية والنهاية” وهو يؤرخ لأحداث عام 317هـ/ 929م، كيف أن أهل بغداد تنازعوا فيما بينهم على نحو عنيف، ما أدى الى أن فقد خلق كثير حياتهم، وفقا لتعبيره، نتيجة اختلاف في تفسير قوله تعالى” ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك مقاما محمودا”، وكانت نقطة الخلاف تتمحور حول تفسير المراد الالهي للمقام المحمود.
هذا الاقتتال مبعثه وبدايته اختلاف فكري بالدرجة الأولى، لم يلبث أن تطور ليأخذ كل طرف من الطرف الآخر موقفا عقديا، ينتهي في الغالب الأعم إلى بلوغ درجة ثنائية التكفير وازدواجيتها، وفي حال بلغ الخلاف الى هذا الدرجة فان تبعاته تكون بالغة الخطورة على المجتمع، اذا لا يلبث الجميع أن يدخل في دائرة العنف المجنون، هذا السلوك لا يعكس مدى خطورة وأهمية القضية المختلف فيها، بقدر ما يعكس حالة الهيجان والاستنفار في سبيل مواجهة ومعالجة الموقف المقابل، ليس بالكلمة الطيبة، وليس بالحوار والتفاهم، وليس طرح حجة مقابل أخرى، وإنما بالحالة العصبية والهيجانية والاستبعاد، ليغدو المناخ العام مهيىء وفي أي لحظة للاشتعال واضرام نار الفتنة، والأحداث التاريخية حافلة بمثل هذه المشاهد في مختلف مراحله الزمانية والعديد من مواقعه المكانية.
فيما لم تشهد تجارب مجتمعية أخرى مثل هذه المشهديات العنفية، وللأسف فإن هذه التجارب لم تدرس الى الآن على النحو الذي يجب دراستها، رغم أن هذه التجمعات والتشكيلات، وعلى نحو طبيعي، خاضت غمار العديد من النقاشات والاختلافات الحادة والعميقة، لدرجة أن بعضها نجم عنه افتراق أهل قطر من الأقطار، كما حدث في عمان في القرن الخامس الهجري، التي افترق أهلها الى مدرستين فكريتين كبيرتين: النزوانية والرستاقية، الا أن هذا الخلاف كانت له قواعده وضوابطه المحددة في إدارته وتوجيهه، ولما أدرك الفقهاء العمانيون أن الأمور تزداد تشاباكا، وأن تداعيات هذا الخلاف سوف تنعكس بالضرورة على المجتمع وأمنه وسلمه، توافقوا جميعا على صياغة بيان وقع عليه العلماء الحاضرون، وصادق عليه من لم يحضر، وبموجبه توقف الجميع عن إثارة نقاط الخلاف وأكدوا ضرورة البحث دائماعلى نقاط الاتقاء.، وكان توقيع هذه الاتفاقية أو البيان عام 443هـ/ 1052م.
إذا هما نموذجان وتجربتان من التاريخ، غير أن حضورهما لا زال ماثلا إلى يومنا هذا، فمن جهة نشهد هذه الفترة انبعاثا لأسوأ ما حواه الفكر الإسلامي في تاريخيته الممتدة، ممثلا بما يطلق عليه الإسلام الراديكالي، الذي ينطلق تكوينه من أفكار وهمية تتمحور حول التعالي والأفضلية على الآخر، وأنه يحوز الحقيقة الدينية والدنيوية على نحو مطلق، وتبيح له له هذه الأوهام ممارسة سلوكات التعدي والإقصاء بل والاستهانة في وجود كل من يخالفه أصلا، وفي سبيل ذلك يمارس أبشع الفظاعات الإنسانية، معتقدا كذلك في نفسه أن هذه السلوكات اللانسانية شكل من أشكال الدفاع عن النفس، وبالتالي فلا ضوابط ولا حدود لهذا السلوك، وزيادة على ذلك يتم تبريره بجملة من المقاطع والشواهد المقدسة، التي حرفها عن مسارها الطبيعي ومقاصدها النبيلة.
بعيدا عن التعقيدات السياسية الآنية التي تجتاح هذه المجتمعات، أو حتى الغوص في محاولة وضع تصور لهذا السلوك، فإن الحاجة باتت ملحة لفهم نماذج أخرى من المجتمعات العربية الإسلامية، التي لم تتأثر عبر تجربتها التاريخية الطويلة سوى بالجوهر الحقيقي للدين، ولم تشهد أنماط التبرير والتعالي والإقصاء، إنما هي مجتمعات موسومة بالتسامح والانفتاح. هذه التجارب جدير بالباحثين والأخصائيين الإجتماعيين دراستها على نحو معمق، ليس فقط من أجل فهم أسباب فرادتها وتميزها، وإنما لهدف أن تكون نموذجا يقتدى به في مجالات السلم والنماء المجتمعي.

0 1823 10 نوفمبر, 2014 الرابع والخمسون, ثقافة وفكر نوفمبر 10, 2014

2 comments

  1. Avatar
    د. هالا مقبل

    إن من يقف في مواجهة الإسلام ودعاته هم مهوسو الأفكار الغربية المستوردة والبعيدة عن روح الإسلام وهم يتصدون لفكر الإسلام وأهله ويروجون لأفكار تحت مسمى التحديث والحرية والديموقراطية والانفتاح والتقدم ، وإن المعركة الدائرة ضد الإسلام أنشأتها في التاريخ افكار مضللة مستوردة وعملت على تأجيجها في غالب الأحيان عناصر مريبة في أهدافها وغاياتها كما هي غريبة في جنسها وانتمائها ومرجعيتها .
    والتجربة المجتمعية العمانية الرائدة تعكس مقدار الوعي النابع من تأصل القيم الإسلامية والإنسانية وفيض الموروث الحضاري لدى هذا الشعب الذي ما فتئ يثبت يوما بعد يوم تميزه وتفرده وحكمته في التعامل مع القضايا والمواقف . أشكرك أستاذ نبال على هذا الطرح الراقي وتحيتي لكل الشعب العماني العريق .

    Reply
  2. Avatar
    Zaid Sami

    نحن في أمس الحاجة لدراسة ماضي الأمة لنعرف كيف نتعامل مع حاضرها والتعصب حول فكرة ما يجب أن تتقيد بالبحث العلمي والمرجعية الدينية ( القرآن والسنة ) وإلا تحول الخلاف إلى عصبوية وطائفية ، وبالتالي تمزيق المجتمع ويقع في هذا السياق الراديكالية الإسلامية أو السلفية الإسلامية التي يتوجب عليها الانفتاح على عصرها ومتطلباته بما لا يتعارض مع النهج الإسلامي القويم ، ولا بد من قبول الحوار مع الطرف الآخر وإيجاد قواسم مشتركة كما تطرقتم للتجربة العمانية التي تعبر عن نضج فكري في تلك الحقبة من الزمن .. نحن في أمس الحاجة لدراسة ماضي الأمة لنعرف كيف نتعامل مع حاضرها والتعصب حول فكرة ما يجب أن تتقيد بالبحث العلمي والمرجعية الدينية ( القرآن والسنة ) وإلا تحول الخلاف إلى عصبوية وطائفية ، وبالتالي تمزيق المجتمع ويقع في هذا السياق الراديكالية الإسلامية أو السلفية الإسلامية التي يتوجب عليها الانفتاح على عصرها ومتطلباته بما لا يتعارض مع النهج الإسلامي القويم ، ولا بد من قبول الحوار مع الطرف الآخر وإيجاد قواسم مشتركة كما تطرقتم للتجربة العمانية التي تعبر عن نضج فكري في تلك الحقبة من الزمن.

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.