الطبيبُ شَتَريّا

كتب بواسطة يحيى الرواحي

قالَ كليلةُ العصر لدمنةِ عصره: إني يا دمنةُ قد نظرتُ في أحوالِ بعضٍ من أهل عصرنا، وأفرادِ مصرنا ممّن قد يكونون نبغوا في فنٍّ من الفنون، أو تعلّموا شيئاً من العلوم؛ فحسبوا أنّهم قد بلغوا الغاية، وملكوا الكفاية، فاقتحموا كلّ فنٍّ غيرَ فنّهم، وركبوا مركباً غيرَ مركبهم، حتى كادوا أن يَهلكوا ويُهلكوا غيرَهم! فهل تملكُ يا دمنةُ مثلاً لهم؟

تنبيه: جميعُ شخصيّات هذه القصّة من وحي الخيال، وأيّ تطابقٍ بينها وبين أي شخصيّة حقيقية لا يدلّ إلا على أنّ تلك الشخصيّة تحملُ بعضَ صفاتِ شخصيات القصة، لكنّ ذلك لا يعني أنّها مقصودة بالضرورة!
قالَ كليلةُ العصر لدمنةِ عصره: إني يا دمنةُ قد نظرتُ في أحوالِ بعضٍ من أهل عصرنا، وأفرادِ مصرنا ممّن قد يكونون نبغوا في فنٍّ من الفنون، أو تعلّموا شيئاً من العلوم؛ فحسبوا أنّهم قد بلغوا الغاية، وملكوا الكفاية، فاقتحموا كلّ فنٍّ غيرَ فنّهم، وركبوا مركباً غيرَ مركبهم، حتى كادوا أن يَهلكوا ويُهلكوا غيرَهم! فهل تملكُ يا دمنةُ مثلاً لهم؟
قال دمنة: نعم يا كليلة، فإنّ أمثالَ هؤلاءِ في كلّ عصرٍ كثير، وإن شرّهم في أيّ مصرٍ لمستطير، وما انتشر أمثالُ هؤلاء في بلدٍ فما وجدوا من يُنزلُهم منزلتَهم، ويقفُ بهم حدّهم؛ إلا كادوا أن يقودوه للبِلى، أو يسلكوا به سبيلَ الردى، كفعل الطبيبِ “شتريّا” ومَن شايعه
قال كليلة: وما خبرُ الطبيب “شتريّا”؟!
قال دمنة: زعموا أنّ بلاداً كانت في جانبٍ من الأرض ذات أنهارٍ ووديان، وجبالٍ وشُطآن، وكان يفصلُها عمّا حولَها من الأرض: البحرُ في جانب، ووادٍ سحيقٍ في الجانب الآخر، ولأنّ البلادَ كانت كثيرة الأنهار والوديان؛ فقد احتاجت كثيراً إلى إنشاء الجسور والقناطر، وبناءِ السدود والمعابر، وأصبحت هندسةُ الجسور والقناطر علماً ذا أصولٍ وحدود، كُتبت فيه الكتب الكثيرة؛ أُصّلت فيها أصولُه، وقعّدت قواعدُه وأصبحت لذلك العلم لغتُه التي يُتقنُها كلّ مشتغلٍ فيه، ومصطلحاتُه التي يجبُ أن يعيَها كلّ متعاطٍ له وحازَ مهندسو الجسور النّبغاء شرفاً رفيعا، ومكانةً باذخة، حفظَها لهم الكرام، وحسدَهم عليها الطّغام! وكان لمهندسي الجسور رؤساءُ يرجعون إليهم، وقادةٌ يصدرون عن رأيهم، إذ هم قد بلغوا الغاية في علم هندسة الجسور، وملكوا من الخبرة والدراية ما فاقوا به أقرانهم، واعترف لهم بالسبق فيه أمثالُهم، وكان زعيمُ المهندسين شيخاً كبيراً فاضلاً يُقال له “أرشد”، إليه انتهت رئاسةُ المهندسين، وعليه دارت رحى علوم هندسة الجسور، فقد حوى من العلم والفهامة، والخبرة والفطانة، ما بزّ به المتقدّمين، و أتعبَ من يأتي بعده من المتأخّرين، فأسلمَ له كلّ مهندسي البلاد قيادَهم، واعترفوا له بالفضل عليهم، وأصبح كعبةَ طلاّبِ علم هندسة الجسور، إليه يشدّون رحالهم، وبحلقات علمه يتحلّقون ويُطيفون، وكان رجلاً كريماً سمحا لا يردّ من قصده، ولا يحرمُ من طلبَه!
قال كليلة: ما أهنأ تلك البلاد بذلك الرجل، وما أشدّ ربحَها وفوزَها! فإنّه ما حفظَ الناسُ لعلمائهم في أيّ علمٍ مكانتَهم، ولا رفعوا قدرَهم؛ إلا فازوا وربحوا، وإنّ الخسارةَ والفشل لا تكونان إلا عندما يوضعُ الأكفاءُ غيرَ موضعهم، ويوسّدُ الأغبياءُ أمرَ بلدهم! فأنبئني نبأ الطبيب “شَتَريّا”
قال دمنة: كان في البلاد طبيبٌ شابٌّ يُدعى “شتريّا”، وقد حاز في الطبّ أرفعَ الشهادات، لكنّه لم ينتشر له فيه صيت، ولم يُسمع له فيه صوت! وكان موصوفاً منذ حداثةِ سنّه بالغرور وحبّ الظهور! فنظرَ في أمره وقدّر في سرّه، فوجدَ أن مهندسي الجسور قد ذهبوا بكلّ الفخر، وحازوا كلّ شرف، فتاقت نفسُه إلى أن يكون في زمرتهم، وأن ينضويَ تحت لوائهم، لينالَ من شرفهم، ويحظى بمثل مكانتهم، فعزمَ أمرَه، وحزمَ أمتعته، ويمّم شطرَ الشيخ الزعيم “أرشد”؛ الذي استقبله –كما يستقبلُ غيره- بكلّ ترحابٍ وكرم، وأصبح لديه كأحد تلامذته ومريديه
قال كليلة: ما أحرى “شتريّا” بما فعل! فإنّ العلمَ لا يُقصدُ إلا في مظانّه، ولا يؤتاه إلا من جدّ في تحصيله، فما كان من خبر “شتريّا” مع المعلّم “أرشد”؟
قال دمنة: كان المعلّم “أرشد” ذا بصيرةٍ نافذة، وفراسةٍ وقّادة، وقد تفرّسَ في هذا الوافد الجديد غروراً وصلفا، لكنّه آثرَ أن يعاملَه بما ظهرَ من أفعاله، لا بما سبرَه من أغواره، ورجا أن يكون فيما يعلّمه إيّاه من علم، ويرشده من تعاليم كاسراً لغروره، ومزيحاً لجهالته، فأخذَه بالرفق واللّين، وأخذَ يثني عليه ويُظهرُ له التقدير والإعجاب تشجيعاً له وإرضاءً لشئٍ من غروره، لكنّ “شَتَريّا” لسَبْق شقاوته، وغلبة جهالته، حسبَ أنّ تشجيعَ معلّمه اعترافٌ بسبقه، وتواضعَه له شهادةٌ بعلمه!! فأصبح معتداً بنفسه، متعالياً على أستاذه، يتعمّد مخالفتَه، و يُظهرُ عدمَ موافقته، وشايعَه في ذلك بعض زملائه الأغرار، ونفرٌ من أفراد البلاد الذين أضمروا للمعلّم “أرشد” العداوةَ حسداً لمنزلته، وغضاً من مكانته!
قال كليلة: يا للؤم “شَتَريّا”! وما أعظمَ خسارته، وأشنعَ فعلتَه! وإنّي لا أبرّئُ المعلّم “أرشد” من بعض اللوم، فما كان له أن يتجاهلَ فراستَه، ويختارَ إغماضَ عينيه عن بصيرته، فإنه قد قيل إنّ بصيرةَ المؤمن وفراستَه نورٌ من الله ينيرُ به طريقَه، ويكشفُ له به شيئاً من حُجُبِ الغيب؛ بما يستقيمُ به أمرُه، و يستبين به رشدُه، وإنّ المعلّمَ جديرٌ بأن يأخذَ تلامذته بالشدّة واللين، وبالغلظة والرفق، فلا يغلّبَ أحدَهما على الآخر، ولا يضعُ أحدَهما موضعَ الثاني، وأن يجزيَ المحسنَ بإحسانه، ويعاقبَ المسئَ بإساءته، فإنّ في ذلك تأديباً لهم وتهذيبا، وإنّ التشجيعَ لمن لا يستحق، والثناءَ على من ليس بأهل؛ لا يأتيان إلا بنتيجةٍ معاكسةٍ للمراد! وهل ترى فرعون كان سيبلغُ به الحالُ أن يدّعيَ الألوهيّةَ لو وجد من يجبهُه بحقيقته، ويواجهه بحقارته منذ أوّل يوم؟!
قال دمنة: لا أشكّ في صدق ما تقولُ يا كليلة، لكنّني بلغني من حكمة “أرشد” وبصيرته ما يجعلني أؤمن أنّ له وجهاً فيما ذهب إليه
قال كليلة: فأخبرني يا دمنة ما كان بعدُ من خبر “شتريّا” مع المعلّم “أرشد”؟
قال دمنة: بذلَ المعلّم “أرشد” نصحَه لشتريّا، وكان ممّا قاله له: “اعلم يا شتريّا أنّ العلمَ أبواب، فمن ولجَ بابَه الأول بانَ له عظمُ الجهل الذي كان فيه، فإذا ولج البابَ الثاني ملَكَ من أساسات العلم ومبادئه ما يجعلُه يحسبُ أنّه بلغَ الغاية، وظفرَ بالكفاية، فإذا اغترّ وقنع، ولم يسعَ إلى بابِ العلم الذي يليه علّه يُفتحُ له؛ قبعَ في مكانه جاهلاً وهو يحسبُ أنّه عالم، وغافلاً وهو يحسبُ أنّه منتبه! وهنا مزلّةُ الأقدام ومضلّةُ الأفهام، حيثُ ضلّ الجمّ الغفير، فلا تكوننّ يا “شتريّا” منهم، بل اقصد بابَ العلم الآخر وقف عليه طالباً مجتهدا، وراغباً متذلّلا، فلعلّه أن يُفتحَ لك، فإذا فُتحَ لك؛ فاضت عليك فيوضُه النّورانية، وسالت عليك سيولُه العرفانيّة، حتى تغرقَ في خضمّها الزاخر، وتولَهَ في حضرتَها وَله المدلّهِ الحائر، غائباً عن كلّ موجود مستغرقاً في ذلك العالم المشهود! وحينها بانَت لك حقيقةُ أنّ العلمَ بحرٌ لا ساحلَ له، و سماءٌ لا حدّ لها، وعلمتَ علمَ اليقين أنّه لا بشرَ عالمٌ حقيقة، فما أوتيَ البشرُ –مجتمعين- من العلم إلا قليلا! وحينَ تُدركُ تلك الحقيقة؛ حينها فقط تكونُ قد تعلّمت، وأصبحتَ عالما!”
قال كليلة: إنّ في كلام المعلّم “أرشد” ما ينير الطريق، و يوضّحُ السبيل، لمن أخذ بحجزته، وعملَ بحقيقته، فما كان من أمر “شتريّا” إزاءَه؟
قال دمنة: غلبت عليه شِقوتُه، وظهرت للعاقلِ والمنصف ضلّتُه، ففارقَ أستاذَه مُجانبا، وذهب في سبيله مغاضبا! وقصدَه النّاصحون فقالوا له: “يا شتريّا إنّ أمّتنا بحاجةٍ لكلّ صنفٍ من أصناف العلوم، وإنّه لا يستقيمُ أن يتّجه كلّ أفرادها لعلمٍ واحد، أو أن يتخصّصَ جمعُها في فنٍّ أوحد، وإنّه ليس كلّ الأفراد يملكون المّلكات ذاتها، فهناك من ينبغُ في الهندسة، وغيره ينبغُ في الطب، وهكذا الأمرُ في كلّ فنٍّ وعلم، وإنّك يا شتريّا طبيب، فاصرف همّتَك لتنبغَ فيه فتفيدَ أمّتك، ودع هندسةَ الجسور لأربابها إذ قد قصرت ملّكاتُك عن إتقانها، وليس في ذلك قدحٌ لذاتك، أو تنقيصٌ لقدراتك، وإنّما هي ملكاتٌ ومواهب قُسّمَت بين العباد، ومن لم ينجح في مجالٍ لم يكن له أن يتخاذل ويقعد يندبُ حظّه، أو أن يعاندَ وينازعَ أربابَ المجالِ مجالَهم، بل الأجدى له أن يصرفَ همّته ليبحث عن مجالٍ يُبدعُ فيه”، فما كان منه إلا أن أخذته العزّةُ بالإثم، ورمى ناصحيه بسوء القصد، وسارَ يمارسُ الطبّ ويفتي في بناء الجسور! فلا هو برعَ في الطبّ ولا هو أحكمَ أساسات هندسة الجسور، فصار كالغراب المشهور الذي حاول تقليد مشية الطاووس! وقد تبع “شتريّا” نفرٌ من أمثاله، وجماعةٌ من أشباهه، وناصروه وشايعوه!
قال كليلة: فما كان مبلغُ علم “شتريّا” من هندسة الجسور؟
قال دمنة: طفق يقرأ كتبها، وكان أجهلَ الناسِ بلغة علم هندسة الجسور، فلا يكاد يُحكمُ شيئاً من مبادئها وأساساتها! ولك أن تتخيّل ما سيفهمُ من يقرأ كتاباً لا يُتقنُ لغتَه؟! فصارَ يفسّرُ قوانين ذاك العلم ومبادئه بتفاسيرَ أضحكت العارفين، وأصبح مادةً للتندّر والاعتبار بين مهندسي الجسور، فيما اغترّ بكلامه بعضُ من لا يفقهون في الهندسة شيئا!
قال كليلة: قد علمتُ أنّ منشأ ضلالهم لا يكونُ أكثرُه إلا من جهةِ جهلهم بلغة علم هندسة الجسور! ولذلك أجمعَ العلماءُ والحكماءُ أنّ أولَ ما ينبغي لطالبِ أيّ علمٍ أن يتعلّمَه هو لغةُ ذلك العلم! فأخبرني يا دمنة عن عاقبة أمرهم
قال دمنة: قرّرت البلادُ أن تبنيَ جسراً فوق الوادي السحيق الذي يفصلُها عن باقي الأرض، وأن تُنهيَ بذلك عزلتَها، وتفتتحَ آفاقاً أرحبَ لأهلها، وعهدت إلى المعلّم “أرشد” بتلك المهمّة الخطيرة، والمسؤوليّة العظيمة، فثار “شتريّا” ومشايعوه، ورأوا في ذلك انتصاراً للمعلّم “أرشد” ومنهجه، فأعلنوا في البلاد أنّهم سيبنون جسراً خاصاً بهم، وسيكونُ أحسن وأجمل من ذاك الذي سيشيّدُه “أرشد”!
انصرفَ “شتريّا” ومشايعوه في تصميم جسرهم، ولعدم امتلاكهم العلم اللازم، ولا الخبرة الكافية، فإنّهم لم يأخذوا في حسبانهم الكثير ممّا ينبغي أن يُنتبه له في تصميم الجسر كالأحمال التي ستقطعه، وأوقاتُها، وكم مرةً في اليوم ستقطعُه، بل صرفوا همّتَهم إلى أمور شكليّة من مثل كيف سيكون شكل الجسر، وما أنواع الزينة التي سيزيّنونه بها! وجهدوا أن يُنهوا جسرَهم قبل الجسر الآخر؛ لكي يُثبتوا سبقَهم، ويُقنعوا النّاسَ بتفوّقهم! فيما كان المعلّم “أرشد” ومجموعة عمله تعملُ بصمت، وتنظرُ في أكبر التفاصيل وأدقّها، وتُفرغُ الوسعَ في الدراسة والبحث، واشتغلوا بذلك عن مراقبة “شتريّا” أو الاهتمام لما يفعل!
اشتغلَ “شتريّا” وجماعتُه في بناء جسرهم، وفي الوقت ذاته كانوا يسخرون من سير عمل مجموعة “أرشد”، ويتّهمونها بالبطء وتبديد المخصّصات الماليّة التي أُحرزت لها! ويُشيعون بين النّاس أنّ المواصفات التي وضعها “أرشد” لجسره مواصفاتٌ مبالغٌ فيها كثيرا، وأنّ هندسةَ الجسور فيها من السّعةِ ما يسمحُ بتخفيفِ كثيرٍ من تلك القيود، وتسهيل كثيرٍ من تلك التعقيدات!
شارفَ جسر “شتريّا” وجماعته أن يتمّ، و”شتريّا” ومشايعوه يكادون يطيرون فرحاً بجسرهم، فيما لاحظ “أرشد” ومجموعته أنّ ذاك الجسرَ لم يُبنَ على أساسٍ متين، وأنّه –لا شكّ- ساقطٌ عند أوّل اختبار، فطفقوا يحذّرون النّاس منه وينبّهونهم إلى خطره، فما كان من “شتريّا” ومشايعيه إلا أن رأوا في فعل “أرشد” وأصحابه حسداً لإنجازهم، واعترافاً بتفوّقهم! فأخذوا يسخرون منهم، ويعيّرونهم بتأخّرهم وجمودهم!
ثمّ إنّ “شتريّا” ومَن معه جمعوا النّاس للاحتفال بافتتاح جسرهم، وأقاموا لذلك حفلاً عظيما، سبقه الكثير الكثير من الدعاية والترويج، والاستنفار والتجييش، فاجتمع في حفلهم الكثيرُ من المغرورين أو الغريرين، وتكدّسوا في وسط الجسر بعرباتهم وخيولهم، وسرادقاتِ حفلهم وغنائهم، وقامَ خطباؤهم يدبّجون الثناء، ويكيلون المديح لهذا الانجاز العظيم، ويعرّضون بأرشد وصحبه! وفجأة! بدأ الجسرُ يهتزّ ويضطرب وهوى بمن فيه إلى قاع ذاك الوادي السحيق، ولم ينجُ منهم أحد!
قال كليلة: يا لها من عاقبةٍ سيئة، وخاتمةٍ وبيلة، وما كان لشتريّا ومَن ماثلَه في كلّ عصرٍ ومصرٍ إلاّ أن تكونَ تلك نهايتُهم، فأخبرني يا دمنةُ ما كان من خبر أهل البلاد مع المعلّم أرشد عقبَ حادثة الجسر؟
قال دمنة: اجتمع النّاس غبّ تلك الحادثة الشنيعة، وقام فيهم المعلّم أرشد خطيباً فقال: “أيّها النّاس إنّ هذا والله ما كنّا نحذّرُ منه، ونبيّنُ عاقبتَه وخطرَه، فما كان من البعض إلاّ أن اتّهمنا بالاستبداد، ومحاولة احتكار ممارسة هندسة الجسور لأنفسنا وتلامذتنا! وبأنّنا كنّا نعمدُ إلى مصادرةِ الأفكار وحظرِ حرّيةِ التعبير! وهل يكونُ “الفكرُ” مِن جاهل، أو يُسمعُ –بحجّة حرّية الرأي- لمدّع؟! أما والله إنّا لنسعدُ بكلّ طالبٍ مجدّ، وبكل تلميذٍ مجتهد، ونتمنّى أن يظهرَ في هندسة الجسور من يُحكمُ أصولَها، ويرفعُ لواءَها، حتّى نسلّمَ الرايةَ له، ونضعَ شيئاً من ثقلِ الأمانة عن كاهلنا إلى كاهله، لكنّ ذلك لم يعنِ قطّ ولن يعنيَ أبداً أن نسكتَ عن المدّعين المتطفّلين، والجهلة المقتحمين، وذاك عينُ ما فعلناه مع شتريّا ومشايعيه، فبذلنا لهم النّصح، واستفرغنا في ذلك الوسع، ثمّ لمّا لم يرتدعوا، ومضوا في سبيلهم يبنون الجسر المنهار، لم يكن لنا أن نكتمَ حقيقتهم، وشناعة ما يبنون، فطفقنا نبيّنُ للنّاس ونحذّرهم، غيرَ آبهين بكيل التهم، ولا بصيحات السخرية والانتقاص، فصدّقنا من صدّقنا، وكذّبنا من كذّبنا، وقد بان لكم الآن صدقُ ما كنّا ندعوا إليه، وظهر لديكم وخيمَ عاقبةِ ظهور أمثال شتريّا بينكم، فاحذروا أن تُخدعوا بكل “شتريا” جديد!!”

أدب السادس والخمسون

عن الكاتب

يحيى الرواحي

كاتب عماني

اترك تعليقاً