احتكار التفسير الديني .. إلى زوال

لـ

من جوانب فكرية متنوعة يمكن تناول مقالة د. زكريا المحرمي، المنشورة على صفحة الفلق الألكترونية، تحت عنوان” الرجم.. مراجعات حضارية”، وبسبب تنوع الطروحات والاستخلاصات التي خرجت بها المادة المنشورة، كان من الطبيعي أن يبرز هذا التنوع في المواقف تجاه مضامينها، فهناك المؤيد للفكرة والطرح، وهناك الرافض بالجملة لكل ما حوته، وهناك من فاجأه الطرح الذي تقدم به د. المحرمي من جهة جدية الطرح وجديده.
غير أن القضية التي كانت مثار اهتمامي وانتباهي معا غير متصلة بموضوع المقال أو مدى منطقتيه وصلابة حجاجه العقلي، وهي كلها عناصر متوفرة في المادة المنشورة، وإنما نظر إلى المادة باعتبارها ممثلة ونموذجا عملانيا لهذه التأثيرات الفكرية التي يحدثها المفكرون المعاصرون في الشأن المرتبط بالتفسير الديني على وجه الخصوص، فهم من خارج الفئة أو الطبقة التي اعتاد الناس أن يأخذوا آراءهم وتفسيراتهم في العديد من القضايا ذات الصلة بالتفسير التاريخي لحدث له دلالات دينية واضحة، ، ناهيك بالطبع عن الأخذ بالرأي الفقهي أو التشريعي القانوني في مسألة من مسائل الدين أو الدنيا، فهذه التفسيرات والاجتهادات، وحق اعلان الآراء في هذه المجالات هي من اختصاص الطبقة العالمة بالأمور الدينية، المتخصصة بالعلوم الشرعية، أو ما يعرف لدى الأديان السماوية، اليهودية والمسيحية برجال الدين.
في الماضي، وحتى القريب منه، كانت مجالات التفسير الديني بتشعباته وتنوعاته كافة، مجالا محتكرا لفئة أو طبقة محددة، وهنا أتكلم عن التفسير الديني على المستوى العالمي، إذ كانت التصورات والأفكار التي ينهل منها المؤمنون في كافة أنحاء الأرض، وعلى امتداد التاريخ الإنساني، خاصة التفسيرات المرتبطة بصميم الشأن الديني أو في جوانب متعلقة به، تصدر كلها عن جهة واحدة ومنبع محدد، يحتكر النص الديني ويتعهد تفسيره أو تأويله، والناس تتغذى من هذا النبع أو ذاك، تنهل منه وتروي ظمأها في المعرفة والوقوف على اجابات حياتية أو أخروية لأسئلة شغلت أذهانهم.
عالميا أخذت علوم البحث الإنسانية، لغوية وتاريخية واجتماعية ومعرفية نقدية تنافس وبقوة الفهم التقليدي لقراءة النصوص الدينية، ذات الصلة بالجانب التاريخي على وجه الخصوص، هذا التفسير الذي كان يصدر تاريخيا عن طبقة شكلت نسيجا متجانسا ومتماسكا، وان اختلفت فيما بينها في عدد من التفسيرات والاجتهادات، قلة أو كثرة، تقاربت أو تباعدت، الا أنها في نهاية المطاف طبقة متجانسة في أساليب البحث واصدار الأحكام، وفوق ذلك كله، هي طبقة احتكرت التفسيرات الدينية بكافة أطياف هذه التفسيرات ومجالاتها المتنوعة. وكان يبرز في مواجهة هذه الطبقة المهيمنة على النص والتفسير الدينيين، طبقة مفكرة شكلت كذلك نسيجا متجانسا ومتماسكا، لها أساليبها وأدواتها في الاستدلال واستخلاص النتائج بغية الفهم أو محاولة الفهم. والأغلب الأعم في تاريخية هذه العلاقة هو التوتر والانفعال والرفض.
على مستوى التجربة الإسلامية، يمكن القول إن بدايات هذه العلاقة الرافضة والمتوترة أخذت بالتشكل في بدايات القرن الثالث الهجري لسبب أن العلوم الفلسفية بدأت تشق طريقها، وتعمل على رسوخ قدمها في مجالات العلوم السائدة في تلك الآونة، والتي كان يتصدرها بالطبع العلوم الفقهية والدينية، وأخذ العقل الإسلامي، أو بعض نماذجه تميل الى الأخذ بالنهج العقلي الحديث. الا أن المدرسة المعممة القائمة على التقليد والنقل، وأساتذتها المنظرون، نظموا حملات فكرية متتالية استهدفت العلوم الجديدة المنافسة، ورموزها النشطة والفاعلة.
من الشواهد التي تحضرني في التطبيقات العملية موقف أحد رموز المدرسة الكلاسيكية ازاء حركة التجديد في عصره، إنه الأديب والمؤرخ ابن قتيبة، الذي هاجم وبضراوة العلوم الجديدة المنافسة، لتشهد الساحة الفكرية الإسلامية منذ هذه الفترة مناقشات اختلفت حدتها، وتباينت مجالات انفتاحاتها من وسط ثقافي الى آخر، فكانت هناك مجالات وأوساط ثقافية تقبل الفكر الجديد والمتجدد، وكان أمرا طبيعيا في مثل هذه المناخات أن يتقبل الأستاذ أوالشيخ من تلميذه أو حتى من مخالفه ومعارضه في التفسير، مثل التجربة العمانية التي جرى الاستدلال في مقالات سابقة على عدد وافر من الشواهد والأمثلة الدالة على هذه النزعة المعرفية المؤسسة على التسامح والقبول. فيما سلكت مدارس فكرية أخرى منهجا مغايرا، قوامه الاستبعاد والانغلاق، ورفض أي تجديد واعلاء شأن التقليد والنقل.
توجت هذه التنافسية على نحو بارز وعلني لحظة تدخل الفيلسوف الإسلامي ابن رشد ، الذي هز بقوة وعلى نحو مؤثر بنيان المدرسة الكلاسيكية، وفند بحجاج منطقي وعقلاني متماسكين أركان هذا البنيان، الا أن تجربته المدرسية انتهت بالفشل، ولم تلق رواجا في العالم الاسلامي بسبب الهجمة القوية التي تعرضت لها هذه التجربة من رموز السيادة الأستاذية، في حين تلقف الغرب المتعطش آنذاك للخروج من أزمته الظلامية عبر رحلة بحث عن المعرفة التنويرية، مقولات ابن رشد وتنظيراته، ليؤسس عليها حضارة ونهضة على نحو حداثي وعصري، وهي مسألة أقر مفكرو الغرب على اختلاف أزمانهم وفتراتهم التاريخية، الدور الذي لعبته فلسفة ابن رشد في نهضة العالم الغربي برمته.
هذه العلاقة الشائكة والمعقدة بين العلوم الدينية والعلوم العقلية بكافة صورها وأشكالها وتفرعاتها، الفكرية والاجتماعية أيضا، لم تدرس على نحو واف الى الآن، وأقصد هنا تحديدا الروابط المشتركة بين مسألة المفكر فيه واللامفكر فيه، والأبعاد المجتمعية لهذه الروابط في العلاقات والنظرة المتبادلة. فهناك مدرسة تاريخية حاضرة لا زالت تصر على التمسك بذات المفردات التعبيرية والأساليب البحثية في عملية تناول النصوص وقراءاتها، أو إعادة هذه القراءة. إن هذا النهج ما هو في الحقيقة سوى تأكيد على نحو عنيد واصرار ملح على قراءة النصوص القديمة من منظور يعكس مساحة وحالة الوعي السائدة فترة تشكل هذه النصوص وفترة القراءة الأستاذية الأولى لهذه النصوص، ولم يستوعب رموز الأستاذية الجديدة حقيقة أن العقل الإنساني هو في حالة تصاعد وتنام مستمرين، وبالتالي فالنظرة الى المسائل الطارئة تختلف من فترة زمنية الى أخرى، وأن المشاكل الجديدة تحتاج الى حلول جديدة، وهذه بديهيات المسار الطبيعي للتاريخ؛ وبالتالي فان الخروج بتفسيرات جديدة وفق المنظور المدرساني العقلاني، والطرح الذي قدمه د. المحرمي يعد نموذجا لطروحات هذه المدرسة، يعد واجبا دينيا على نحو مباشر، من خلاله تؤدى وعلى نحو ناجح هذه التوأمة بين النصوص الدينية بكافة مجالاتها ومستوياتها التبجيلية، وبين النتائج الكبرى والمذهلة التي تزخر بها العلوم الإنسانية بصورة يومية وفي كافة المجالات.
إن الاستدراك على شروحات الأقدمين والتعديل عليها، واعادة قراءتها قراءة متطورة وفقا للمقتضيات المتجدة، هي مسألة في صميم الوعي الإسلامي التاريخي بصيغته التنويرية، والتجربة التاريخية العمانية إحدى هذه التجارب وفي الصدارة بمجالها، وان لم تعط الى الآن حقها في الدراسة والتناول التحليلي، وهي تجربة يؤكد فحواها أن الإسلام ليس حكرا على طبقة عالمة بعينها، وأنه دين ينزع القداسة والتنزيه والقول الفصل عن أي كان، وأن من حق طبقات عالمة أخرى أن تتناول تفسيرا أو مروية ذات صفة دينية وتعيد قراءتها على نحو مغاير لما جرى تداوله وتناقله عبر الأزمان، استنادا الى منهجيات بحث أكثر تطورا، وهي منهجية أثبتت في كثير من مواطنها وتجاربها تفوقها وقوة تأسيها، وسببت أكثر من مرة ما يمكن تسميته بالحرج المعرفي للمدرسة المنافسة.
إن انبعاث العقل التنويري من جديد، وتعميم خطابه والاسهام في انتشاره هو السبيل الوحيد، وهذا مجرد رأي، لمواجهة خطر انبعاث أسوأ التفسيرات والتبريرات التي اختزنها العقل الاسلامي منذ فترة ليست بالقليلة، والتي بدأت تشتغل شغلها بفضل استلهام هذه التفسيرات المشوهة لجوهر الإسلام ومن ثم التلاعب بعقول الناس العاديين الذين يخلو ذهنهم تماما من وجود حتى ولا أطياف فهم حقيقي لغايات هذا الدين ومقاصده العظيمة. وهذا الذي نراه واقعا ملموسا من تحولات خطرة تعايشها عدد من المجتمعات الإسلامية، إنما يعكس ثمرة هذه القراءات الظلامية للنصوص الدينية. إضافة الى أن المنهج التنويري، وهذا رأي أيضا، هو القادر على استرداد التراث الديني لحيويته وسموه، والقادر على إعادة حالة التوازن النفسي للمجتمعات الإسلامية.

0 3174 15 يناير, 2015 السادس والخمسون, ثقافة وفكر يناير 15, 2015

5 comments

  1. Avatar
    أحمد النوفلي

    مقال رائع، يستحق الاهتمام به والوقوف مع طرحه وفق الخطاب القرآني سسن المنطق الاجتماعي والتاريخي.

    Reply
  2. Avatar
    د. هالا مقبل

    مقال رائع يعرض لقضية علاقة
    العقل بالنقل وهي قضية عظيمة الحساسية كان
    لها حضورا بارزا في تاريخ الفكر ، فالعقل الإنساني أسمى
    الملكات وقد أوجب الإسلام ضرورة إعماله ودعا إلى التفكر والاجتهاد ، والإسلام دين
    يواكب الحضارة وهو منهج حياة خالد صالح لكل زمان ومكان ، يساير التطور الحضاري
    والفكري ، وإنه لمن الجهل والقصور الوقوف على ما جاء به المتقدمون والاكتفاء به
    ذلك أنهم اجتهدوا في زمانهم في ضوء ما كان متاح لهم أي هذا هو مبلغهم من العلم ،
    أما الآن وقد تغير الزمان وانفتحت أمام المفكرين آفاق المعرفة المختلفة ما يتيح
    لهم التفكر والموازنة التحليل والمقاربة فإن علماءنا أمام تحدِ كبير في إبراز
    مقدرتهم على مواصلة عملية الاجتهاد وتحليل النصوص الدينية في ضوء المستجدات وهذا
    ما نجحت به التجربة العمانية الرائدة . …. كل الشكر أستاذ نبال على اختيار هذه
    القضية وهذا الطرح الوافي .

    Reply
  3. Avatar
    Saja Khammash

    كل التحية للكاتب نبال خماش على هذا المقال القائم على الطرح الموضوعي المدعم بالأمثلة والشواهد التاريخية التي تفرز لنا نموذجين من التعامل مع التنوير الفكري قديما كابن رشد وحديثا مع التجربة العمانية التي نجحت في إثبات وجودها على الساحة وأنا شخصيا مع هذه التجربة التي تدلل على فكر واعِ ومنهج سليم في التعامل مع النصوص الدينية فإن كل من ينكر التجديد في الفكر الديني إما أن يكون جاهلا أو متجاهلا فالمنطق يستدعي أن تستمر عملية الاجتهاد والتنور في التفسير والاستئناس بمعطيات ما توصلت إليه العلوم والمعارف ورفض ما لا يتناسب معها ، طبعا هذا لا يندرج على نصوص العقيدة بأي حال من الأحوال كالتوحيد والعبادات ، أما غيرها من القضايا التي تتعلق بأسباب الحياة الاجتماعية والعلاقات البشرية فهي بحاجة إلى قراءات جديدة مستمرة لمواكبة العصر تصديقا لقوله تعالى : إن الدين عند الله الإسلام

    Reply
  4. Avatar
    يحيى الرواحي

    مع احترامي الشديد لكاتب المقال وناشريه والمحتفين به؛ فإني أزعم -وزعمي ليس اعتباطا-
    أنّه لم يأتِ بجديد، بل هو مجرّدُ ترديد لنغمةٍ كثرَ التغنّي بها من فئةٍ لم تملك
    من العلم ما يسمحُ لها بالخوض في قضايا كتلك التي يتحدّث عنها المقال، فاتّخذت تلك
    النغمةَ مطيّةً لتبرير ركوبها ما لا تجيد وخوضها فيما لا تفهم، فقضيّة وجوب إعمال
    العقل في فهم النصوص أمرٌ لا جدالَ فيه، بل إنّ الفئةَ التي تُتّهمُ بأنّها
    معاديةً للعقل -وهنا أنا أتحدّثُ عن الحالة العمانيّة- تعدّ رائدةً في إعمال العقل
    والعلوم الحديثة في تقديم تفسيراتٍ جديدة للنصوص ومحاولة فهمها، وذلك واضحٌ لأي
    باحثٍ يملك من الفهم والتجرّد لرؤية ذلك

    ما فشل المقالُ في ذكره -وربّما في إدراكِه بدايةً- أنّ العقلَ القادرَ على النظر
    يحتاجُ إلى أدواتٍ تعينه في نظره، بغيرها لن يتمكّن لا من النظر ولا الفهم فضلاً
    من أن يقدّمَ “قراءاتٍ جديدة”!! وأبسط مثالٍ على تلك الأدوات أداةُ
    “اللغة”، فالنصوصُ كتبت بلغةٍ ما، وفهمُها وسبرُ أغوارها -بلا شكّ-
    يستدعي إحاطةً بلغة النصّ، وهو ما لا يملكُه الكاتبُ كما هو واضحٌ من الأخطاء
    الشنيعة في المقال، ولا يملكها ذلك الطبيب الذي اتّخّذَه الكاتبُ مثالاً في مقاله،
    كما هو واضحٌ من كتابات ذلك الطبيب الذي يعجز عن التفريق بين “لِمَ” و
    “لما”!

    فما أسماه الكاتب “احتكار التفسير الديني”
    إنّما هو بالضبط كاحتكار الأطباء مزاولة مهنة الطب وقصرها عليهم، واحتكار المهندسين
    مزاولة الهندسة وقصرها عليهم، وهلمّ جرا، فإن كان كلّ ذلك احتكاراً، فنعم قصرُ
    الخوض في تفسير النصوص الدينيّة على مالكي أدوات التفسير المتمكّنين منها هو
    احتكار، أمّا إن كان ذلك ليس احتكاراً بل ضوابط لكيلا يقتحمَ الطبّ جاهل، ولا
    يزاولَ الهندسة مقتحم؛ فذاك ذاك!

    ثمّ إنّ الاحتكارَ يكون حين يُمنعُ من يريد
    أن يطلبَ تلك العلوم من ذلك، والواقع يقول ألا أحدَ ممنوعٌ منها، فمن أراد أن
    يخوضَ ويناقشَ ويقرأ ويقدّم “تفسيراتٍ جديدة” فليدرس تلك العلوم ويتمكّن
    منها ثم ليأتِ شاحذاً قرونه، أمّا أن يأتي امرؤٌ درسَ التجارةَ فيفتتحَ عيادةً
    لعلاج الأمراض مدّعياً أنّه يقدّمُ علاجاتٍ جديدة، فذاك هو الغباءُ بعينه!

    ثمّ كلمةٌ للقائمين على هذه المجلّة، أنا
    مستعدٌ لعرض خدماتي مجاناً في التدقيق اللغوي للمقالات قبل نشرها، فمع جهلي باللغة
    إلا أنني أزعمُ أنني قادرٌ على تصحيح الأخطاء الواضحة قبل أن تُنشر!

    Reply
  5. Avatar
    Saeed Almaawali

    سبحان الله ، هل نشهد يوما مقالا بعنوان ( احتكار علم الطب ال زوال ) فيأتي الصحفي والمهنس ورجل الشارع ليفتي في الطب ويقدم الوصفات لمن ارادها
    لماذا في الدين لا نؤمن بالتخصص ( ولو ردوه الى الرسول والى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم )

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.