تغريدة تسريب المعلومات

كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

وصلني استدعاء شخصي لمركز الشرطة ويتم التحقيق معي حول الحادثة فإحالتي لتحقيق آخر بمكتب الادعاء العام بالولاية لأجدني متهماً بتسريب المعلومات ومخالفة مواد من قانون مكافحة جرائم النشر الالكتروني وقانون الأسرار الوظيفية والأماكن المصانة.
هكذا تكتب بكل عفوية تغريدة تراها مناسبة للموقف المحلي، مدفوعاً بحزن الفقد الذي كانت تعيشه البلدة، محاولاً المساهمة في دفع عجلة التثقيف الواعي للحفاظ على أرواح الناس، ومتأكداً بأن اللوحة معروضة فعلاً لاطلاع الناس عليها

أكتب منذ ما يزيد عن العشرين عاماً نشرت خلالها كلماتي وكتاباتي في مختلف وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية الناطقة بالعربية، الحديثة منها والتقليدية، كتبت في مواضيع متفرقة، سياسية واجتماعية وأدبية وفكرية، وفي عموم الشأن العام وما يهم الرأي العام، ولم يحدث لي من قبل أن كانت كلماتي متسببة في أي ضرر من أي نوع أجد نفسي بسببه رهن الاتهام والاستدعاء والتحقيق من قبل.
ذلك ما أذكره من عبارتي الأخيرة التي أضفتها بعد أن سئلت في التحقيق في مكتب الادعاء العام ان كان لدي أقوال أخرى، لكن ما هي القضية وما نوعية الاتهام؟
وقع حادث سير مؤلم يذهب ضحيته اثنان من زهرة بلدتي الصغيرة في ولاية بديه، يتصادف ذلك مع كوني مراجعاً لانهاء اجراءات حادث آخر بسيط في قسم الحوادث بمركز شرطة بديه، صالة المراجعين في القسم بها لوحة إحصائية كبيرة مقارنة عن أعداد الحوادث في ولاية بديه، معروضة بشكل بارز وفريد على جدار صالة المراجعين، شدتني اللوحة منذ رأيتها أول مرة قبل اسبوع في زيارتي الأولى، بكل عفوية قمت بتصويرها أمام رئيس وأفراد القسم الذين لم يثر فعلي ذلك لديهم أي اعتراض، وحين خرجت من مركز الشرطة غردت بها على حسابي في تويتر ملاحظاً قلة الحوادث في العام المنصرم مقارنة بالذي سبقه وارتفاع الوفيات..
لاحقاً أخبرت الكثيرين من عائلتي وأصحابي وأصدقائي بمضمون تلك الإحصائية وناقشته مع جميع من حولي تقريباً، لكن لم يمر أسبوع حتى وقع ما لم يكن في الحسبان!
وصلني استدعاء شخصي لمركز الشرطة ويتم التحقيق معي حول الحادثة فإحالتي لتحقيق آخر بمكتب الادعاء العام بالولاية لأجدني متهماً بتسريب المعلومات ومخالفة مواد من قانون مكافحة جرائم النشر الالكتروني وقانون الأسرار الوظيفية والأماكن المصانة.
هكذا تكتب بكل عفوية تغريدة تراها مناسبة للموقف المحلي، مدفوعاً بحزن الفقد الذي كانت تعيشه البلدة، محاولاً المساهمة في دفع عجلة التثقيف الواعي للحفاظ على أرواح الناس، ومتأكداً بأن اللوحة معروضة فعلاً لاطلاع الناس عليها، مساهماً بالتالي في بلوغها هدفها الواضح، الذي يصرح به تعليقها وموقعها، عبر إيصالها لأكبر شريحة ممكنة، وانطلاقاً من ذلك لم يدر بخلدي ولا للحظة أنني أكسر قانوناً أو أضرّ نظاماً، مطمئناً من أنهُ لا توجد أي لافتة من أي نوع تمنع التصوير كي تحترز بطلب إذن، أو أتعدى على أحد، بقدر ما شعرت بالعكس أنني أساعد اللافتة للوصول إلى أكبر قدر ممكن من الناس، في نفس الوقت شعرت أنني أؤدي واجبي في الهدف الذي ينشده الجميع لإيقاف نزيف الدم في الطرقات بأي شكل، مدفوعاً بتقديري لثمانة الروح الإنسانية وغلاء وجودها.
فإذا كانت هذه التهمة صحيحة وصائبة فنحن في حالة يرثى لها، وإذا كان الأمر يتعلق بالكاتب وبما يكتب فالمسألة أنكى، أما إذا كان هذا هو الإجراء القانوني المتبع مع كل من يقوم بنشر احصائيات محلية موثقة من مراكز الشرطة فلا بد أن هناك خطأً حقيقياً ويجب تلافيه في فهم روح القانون وروح النظام. وإلا كيف يمكن حقاً أن أستوعب أن قيام أي شخص بنشر إحصائية معروضة لكافة الناس من مصدرها يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون ويتعرض بسببها للتحقيق ويجد نفسه في خضم قضية قانونية قد تأخذه للوقوف في قفص الاتهام؟ عرضة للحكم بالحبس والغرامة!! كيف يعمل نظامنا وقانوننا إذن؟َ!
أتساءل إذن بأي طريقة يعمل النظام بهذه الاتجاه المنعكس؟ وكيف في الوقت الذي تنشر فيه احصائيات الحوادث منذ أعوام في كافة وسائل الاعلام ويتخصص المركز الوطني للإحصاء في نشر كافة الأرقام والرسوم البيانية للحوادث والأضرار والوفيات، يجد من يقوم بفعلي، بغض النظر عن شخصي، نفسه في محل اتهام؟!
فإذا كانت تلك الأرقام والمعلومات سرية ومحمية بقانون سرية تداول المعلومات ويعتبر نشرها جريمة يحال مرتكبها للقضاء فكيف إذن يتم عرضها في لوحات كبيرة في صالات المراجعين لكافة الناس، وفي مختلف مراكز الشرطة؟ ويتم إغراء أمثالي من الناس بتصويرها ونشرها، ثم الالتفاف عليهم لاحقاً بقانون الأماكن والمنشآت الحكومية والعسكرية للتحقيق معهم وربما، لا أعلم، مقاضاتهم أيضاً!
لا أمانع أبداً في أن أتحمل مسئوليتي الكاملة عما قمت به، ولا أتملص مما فعلت، ولكني أيضاً لا أقول أني قمت بخطأ يوقعني في دائرة المسئولية، وأن ضرراً وقع بشكل متعمد أو غير متعمد على أحد مما قمت به، وإذا أثبت لي أحد ما أنني أخطأت ونشرت ما يضير أو يسيء، فإني على استعداد لتحمل كافة التبعات، ولم أشعر في أي لحظة حتى كتابتي لهذه المقالة أن ما قمت به، أضرّ بجهة ما أو نشر متعلقاتها أو اعتدى على سريتها أو صور منشئاتها حسب ما يقرره القانون.
إن أي جماعة مدرسية للصحافة بمقدورها القيام بزيارة لمركز الشرطة ولقسم الحوادث بالذات أو أي قسم آخر وتصوير ونشر مادة عن الحوادث في صحيفة أو مجلة المدرسة بما فيها اللوحة المشار إليها هنا، ولن يكون ذلك مستهجناً أو معيباً بل بالعكس مطلوباً ومرغوباً، هذا بالنسبة للسرية، أما بالنسبة للإذن فكيف للمرء أن يطلب إذناً لنشر ما هو منشور على الملأ أصلاً، وما يعني تعليقه وإبرازه الرغبة في مزيد من الانتشار والوصول، فكيف يمكن أن تطلب إذنا لشيء واضح القصد والنية وراءه.
يعج الفضاء الإلكتروني باختراقات غير قانونية ومؤذية وجرائم ابتزاز واختلاس وسرقة بل واختراقات لمواقع الكترونية حكومية، أتساءل كيف وجد النظام وأفراده بالتالي الوقت لإشغال أنفسهم بمثل هذا النوع من المراقبة الحثيثة والقياس الدائم لمدى موافقة ومخالفة تغريدات الأفراد للقانون، وما الذي يجنيه النظام بشكل عام من هذا النوع من الرقابة وإحصاء خطوات الأفراد، ثم ما الذي تجنيه السلطة من مثل هذا النوع من المضايقات.
ما الخوف الكامن وما نوع هذا التعامل الذي يبدو قاصراً عن مستوى آفاق الإنسان وهذا التحجيم والتقزيم الذي لا يفضي إلى مستقبل مشرق، بل بالعكس يفضي إلى شرنقة وانغلاق وهزال، المجتمع ليس مفصولاً عن السلطة، السلطة نفسها جزء من المجتمع، وكل مضايقة لأفراده هي مضايقة للذات نفسها، وبالتالي تقوم السلطة بعرقلة خطواتها الذاتية بحجة حماية أمنها، لكن يجب أن نعي أن الإفراط أيضاً كالتفريط يقتل ويميت.

السادس والخمسون سياسة

عن الكاتب

إبراهيم بن سعيد

1 Comment

  • ههههههه ناس فاضية ماعندهم شغل يحاكموك استنادا على كلامك وتقدر تاخذ رد اعتبار على الشخص اللي رفع عليك القضية. ماقدرو على الكبار راحو على اللي على قد حالهم

اترك تعليقاً