الشجرةُ الطيّبة والشجرةُ الخبيثة

كتب بواسطة يحيى الرواحي

قالَ كليلةُ العصر لدمنةِ عصره: اضربْ لي يا دمنةُ مَثَلَ الذي ينفصلُ عن أصلِه ثمّ يتنكّر له! بل ويبدأُ في الكيد له شعوراً منه بالنقص، ورغبةً في محو تأريخه، فإنّي قد رأيتُ في زماننا من ذلك عجبا!
قال دمنة: تلكَ خُلّةٌ لا تكونُ إلا في كلّ ذي طبعٍ لئيم، وإلا فالكريمُ وإن باينَ موطنَه، أو فارقَ جماعتَه، فإنّه يظلّ للودّ حافظا، وللجميلِ ذاكرا، وللأصلِ راعيا، وما مثلُ مَن ذكرتَ إلا مثَلُ الشجرةِ الخبيثة مع الشجرة الطيّبة.

قالَ كليلةُ العصر لدمنةِ عصره: اضربْ لي يا دمنةُ مَثَلَ الذي ينفصلُ عن أصلِه ثمّ يتنكّر له! بل ويبدأُ في الكيد له شعوراً منه بالنقص، ورغبةً في محو تأريخه، فإنّي قد رأيتُ في زماننا من ذلك عجبا!
قال دمنة: تلكَ خُلّةٌ لا تكونُ إلا في كلّ ذي طبعٍ لئيم، وإلا فالكريمُ وإن باينَ موطنَه، أو فارقَ جماعتَه، فإنّه يظلّ للودّ حافظا، وللجميلِ ذاكرا، وللأصلِ راعيا، وما مثلُ مَن ذكرتَ إلا مثَلُ الشجرةِ الخبيثة مع الشجرة الطيّبة.
قال كليلة: وما كان من خبرِ الشجرةِ الخبيثة والشجرة الطيّبة؟!
قال دمنة: ذكروا أنّ شجرةً عظيمةً كانت في ناحيةٍ من الأرض، وكانت ذاتَ أصلٍ ثابتٍ في الأرض، وفرعٍ يطاولُ عنانَ السماء، وقد امتدّت أغصانُها وفروعُها حتى بلغت مبلغاً عظيما! وكانت لا تُنتجُ من الأزهار إلا أزكاها، ولا من الثّمار إلا أحلاها، ثمّ إنّه عَدَت عليها العوادي من الآفات والأمراض، فالتهمت كثيراً من غصونها الممتدّة، وكادت أن تأتيَ على جذعها!
قالَ كليلةُ: تلكَ سنّةُ الله في خلقه، فإنّه لا صعودَ إلا تبعَه انحدار، ولا انتشارَ إلا جاءَ غِبَّه انحسار! فما كان حالُ الشجرة بعد ذلك؟
قال دمنةُ: حين أصابت الآفات جانباً من جذعِها، صَرَفت همّتها في القضاءِ عليها، ومحاولة شفاء ذلك الجانب من الجذعِ منها، فقد علمت الشجرةُ أنّه إن تمكّنَ المرضُ من الجذع، تسلّل بعده إلى الجذور، ثمّ لم يكن بعدَه إلا هلاك الشجرة وموتُها! وفيما كانت الشجرةُ منهمكةً في ذلك، ومشتغلةً بمعالجته، إذا يدُ الجاني تمتدّ فتقطعُ ركناً من أركانها يحوي غصوناً سبعة!
قال كليلة: كان ذلك متوقعا! فإنّ الجانيَ لا يجرؤ على بدنٍ إلا إن أنهكَه المرض، وأضعفته الآفات، وأمّا البدنُ السليم، والجسمُ الصحيح، فإنّ يدَ الجاني لا تفكّرُ أن تمتدّ إليه، وإن هي فعلت كانَ القطعُ عاقبتَها! فأخبرني يا دمنةُ ماذا حدث للركن الذي فُصل؟
قال دمنة: أُخّذَ ووُضع في إناءٍ مزخرفٍ كبيرٍ بجانب الشجرة الأمّ، وقد ملئَ الإناءُ تراباً صناعيا، مُزجَ به سمادٌ غيرُ طبيعيّ! وزُرعتِ الغصونُ السبعةُ بحيث تلامسُ الترابَ كلاً على حدة! لكنّها لم تُغرس بطريقةٍ متساوية، فكان غصنانِ منها ينالان من الماء والسماد ما لا تنالُه الغصون الخمسةُ الباقية! وتتشاركُ الخمسةُ ما فضُلَ من الماءِ والسماد بأنصبةٍ غير متكافئة، فنمت الغصونُ السبعةُ سريعاً بفعلِ التراب والسماد الصناعيّين، حتّى أصبحت شجرةً تُطاولُ الشجرةَ الأمّ! لكنّها كانت شجرةً ذاتَ منظرٍ عجيب؛ فهي تبدو كأشجارٍ سبعٍ منفصلة أكثرَ منها شجرةً واحدة! وكانَ كلّ غصنٍ يُزهرُ زهراً مختلفا، ويطرحُ ثمراً متباينا، ففي حين يطرحُ غصنان منها ثمراً كبيرَ الحجم، برّاق المنظر، وافرَ العدد، كانت الغصون الأخرى بخلاف ذلك، لكنّ جميعَ ثمار تلك الشجرةِ مع كبرها ووفرتها وألوانها الزاهية لا تملكُ طعماً ولا رائحة!
قال كليلة: فما كان من خبرِ الشجرة الطيبة؛ الشجرةِ الأم؟!
قال دمنة: تمكّنت من القضاءِ على الآفات التي كانت تهدّد جذعَها، لكنّها خرجت بجذعٍ منهك، وأغصانٍ ذابلة، وقد خسرت كثيراً من أغصانها الممتدة، وذاك الركنَ ذا الأغصان السبعة! فأخذت تلملمُ أوراقَها، وتثبّتُ جذورَها في أرضها، ومدّت جذورَها شيئاً فشيئاً لتبحث عن السماد والماء، فوجدت منهما بقدَر؛ فأخذت توزّعُه بين غصونها الكثيرة، وأفرعها الممتدّة، لتضمن أن تحيا جميعُ الغصون، وتخضرّ جميعُ الأفرع، فكانَ نصيبُ كلّ فرعٍ وغصنٍ قليلاً في أحيانٍ كثيرة! وكانت أغصانُها ترى حالَ تلك الشجرة التي زُرعت بجانبها وكانت يوماً جزءً منها، وتلحظُ سرعةَ نموّها واخضرارَ أوراقِها وكِبرَ ثمارَها، فداخلَ بعضَ أغصان الشجرة الطيّبة شئٌ من الغيرة لما آلَ إليه حالُ تلك الشجرة الجديدة! وكان أكثرُ الغصونِ تأثّراً وتشوّفاً تلك التي كانت بجانب الركن الذي قُطع، وصارت مجاورةً للشجرة الجديدة! وأخذ بعضُها يُظهرُ تبرّمَه بشجرته، وضيقَه بعيشته، ويُظهرُ غبطتَه لتلك الشجرة الجديدة، ولسان حاله يقول: “يا ليت لنا مثلَ ما أوتيت أغصانُ تلك الشجرة؛ إنّها لذاتُ حظٍّ عظيم!”، فاضطرّت الشجرةُ الطيبة في أحيانٍ كثيرة إلى زيادة جرعات الغذاء من السماد والماء لتلك الأغصان، جبراً لخاطرها، واستمالةً لها خوفاً من أن تمتدّ يدُ الجاني فتقطعَها كما قطعت إخوتها، وكان ذلك على حساب الأغصان الأخرى!
قال كليلة: أرى الشجرةَ الطيبة وقعت فيما لا تُحسدُ عليه! فهي لا تملكُ من الغذاء ما يسمحُ لها بأن تجاريَ جارتَها، وفي الوقت ذاته هناك من أغصانها من لا يُدركُ ذلك، ولا يُبصرُ ما وراء المظاهر الخدّاعة!
قال دمنة: نعم! وقد كان بعضُ الأغصان في الشجرة الطيّبة يعلمُ أنّ تلك الشجرة الجديدة ما هي إلا شجرةٌ منبتّة لا أصلَ لها، وأنّه سيأتي عليها اليوم الذي تستنفدُ فيه ذلك التراب والسماد الصناعيّين، فتبينَ حقيقةُ هشاشتها! وحين حاولت أن تُبيّنَ الأمرَ للغصون الأخرى رمتها بالحسد لتلك الشجرة الجديدة، وبـ”التطبيل” لشجرتها!
قال دمنة: فما كان من خبر الشجرتين بعد ذلك؟
قال دمنة: أخذت تلك الشجرةُ الجديدة تنمو وتنمو، وتستهلكُ ترابها وسمادَها الصناعيّين بسرعة، وكان بعضُ أغصانها يعاني عقدةَ نقصٍ بسبب حقيقة أصله من تلك الشجرة الطيبة، وأنّه لا يعدو أن يكونَ جزءاً منها انفصلَ عنها! فحملَ حقداً وغيظاً عليها، حتى تطاولَ غصنُها الأكبر فامتدّت أفرعُه محاولةً نشرَ بعض الآفات التي نبتت فيه إلى تلك الشجرة الطيّبة! ولم تسلم الأشجارُ الأخرى حولَها من شروره، بل حاول أن يُفسدَ جميعَ الأشجار التي تحيطُ بشجرته! فأصبحت شجرتُه لا تُعرفُ إلا بالشجرة الخبيثة!
قال كليلة: فكيف كانت نهاية الشجرة الخبيثة؟
قال دمنة: استنفدت ترابها وسمادها الصناعيّين، وملأت جذورُها الإناءَ الذي نبتت فيه، فأصبحت لا تستطيعُ النموّ أكثر إلا أن تكسرَ الإناء! فكانت بين خيارين: إمّا أن تقفَ حيثُ وصلت، أو تكسرَ الإناء، وبسبب غرورِ غصنها الأكبر وجهله؛ قرّرت أن تكسرَ الإناء!
كُسرَ الإناءُ، وأصبحت الجذورُ منكشفةً لا أصلَ لها ولا غذاء، وما هي إلا برهةٌ حتى هوت الشجرة! وما هي إلا أيّامٌ قلائل حتّى صارت أثراً بعد عين، وخبراً بعد أثر! وأصبحت الأغصان التي تمنّت مكانَها بالأمس تقول: “لولا أن رحمنا الله لهلكنا مثلَها”!

أدب السادس والخمسون

عن الكاتب

يحيى الرواحي

كاتب عماني

1 Comment

  • لقد وصلنا الى قصدك يا كاتبنا قد تكون قصتك فيها الكثير من الدقه ؛ ولكن الشجرة الأم لم تتعافى فلقد بلغ السقم حتى جذورها وتشربت اركانها من فساد مركباتها العضويه ، وأخاف من ان تصبح الشجرة ذات الجزع والفرع الواحد كجارتها ذات السبعة أفرع من ناحية الفساد الخلقي والتنكر للذات أما عن الأغصان القريبة من الشجرة الخبيثة فلا خوف عليهم من الفساد لأنهم أصلاً ثابت في الشجرة الأم وفيهم مضادتها الحيوية التي تشربت في عروقهم ، والخوف من عمق ومركز الشجرة الام فقد طاله الفساد والخيانه ﻷمه الشجرة من بعد ما مدته بكل أنواع مكونات الحياه المغذية والطيبة فنقلبوا عليها لانهم يحملون جينات المصلحه والتمصلح حتى لو خان أمه والناظر للماضي القريب وفاتح ملفاته سيعرف من هو الغصن الحميد من الفاسد ؛ ووللعلم جذور الشجرة الخبيثة لم تكسر الاناء بعد وأخاف أن تكسر جذور شجرتنا الأم الأناء قبلها وتذهب كلتا الشجرتين الى الهلاك.

اترك تعليقاً