الفرقة الناجية تغرق

لـ

اشتد عاصف نفخاته المسددة نحو الجمر الخامد المنضود تحت إبريق القهوة إلى أن أنقدحت شراره طائشة أشعلت نارا ذات لهب هائج فقفز جزء منها إلى طرف لحيته ، فبادر بإطفائها بكفيه الغليظتين .
تميز غيظا وهو يتمتم في نفسه ..
ويل لمن أيقظ فتنة نائمة ! .
ظل يسعل وقد أشتطت عروق رقبته ثم رأى من بين حجب الأدخنة ولده وضاح يدنو من الخيمة وهو يسوق الإبل .
تفوه وضاح بكلمة ذات شفرة خاصة فاتجهت في استجابة تلقائية تهرول إلى مورد الماء .
ما إن وقع بصره على أبيه حتى دلف الخيمة مسرعا إليه يلثم كفيه ويقبل رأسه .
– أبي .. عودا حميدا .
– الحمدلله أن طوى لي بعد الطريق ..
أدخل يده في جيبه وأخرج دفترا صغيرا فاقع اللون ثم قال ..
هذا هو جواز سفرك الذي سيفتح لك أسباب الرزق بإذن الله .. خالك التاجر ينتظرك هناك .
استلم الأبن الجواز بلهفة ، راح يتفحص أوراقه ويطالع صورته في سرور .. ، وجه عريض الذقن ، حنطي البشرة ، عيون بارزة قليلا لها بريق مميز ، طوله أكسبه هالة من الجاذبية .
زالت تلك المشاعر المضيئة من وجهه حين طاف بخاطره المجهول الذي ينتظره فاعتراه شيء من القلق الطبيعي .
سأل أباه :
– هل مازلت مصرا … ?
قاطعه في حنو قبل أن يكمل :
– يا ولدي .. بقاؤك في هذه الصحراء الموشكة على الجدب لن تملأ جيبك ، عليك أن تشد عضدك بعمل آخر .
تنهد قليلا ثم أكمل ..
غدا سترحل إلى المدينة ، ستجد فيها من يرافقك إلى مقر عمل خالك ، وبالتالي سيرسلك للوظيفة التي بحثها لك ، فلا تدع هذه السانحة تنسل من يديك .

** ** ** ** **

وضاح فتى البادية الموهوب ، يعشق الفضاءات الرحبة والسماوات المفتوحة .
يتجافى جنبه عن المضاجع .. كل يوم يسير بتؤدة في ظلمة بقايا الليل موليا وجهه شطر مسجد القبيلة التي ينتمي إليها ، يحدق في السماء إلى أن يستشعر دخول أذآن الفجر فيرفعه بصوت ابن رباح !.
ظل يتعهد إمامة المصلين لما عرف بسعة حفظه ونداوة صوته .
عيشه في بطن الصحراء حرمه من إستكمال الدراسة النظامية فقد ضجر من تكرار قطع المسافة الفاصلة من خيمته إلى المدرسة التي تقع على تخوم المدينة فاكتفى بتعلمه للقراءة والكتابة .
ألهمته الصحراء صفاء الفكر ومكارم الأخلاق ، يعرف من الدين ما هو معلوم بالضرورة ويبتعد عن كل علم لا ينفع وجهل لا يضر ، يعتقد أعتقاد جازما بأركان الإيمان فهو موقن بأن الله إله واحد خالق الكون ومستحق العبادة ، يؤمن بالمخلوقات النورانية والنارية من الملائكة والجن ، وبرسل الله من الأنبياء والمرسلين والكتب التي أنزلت إليهم ، يعتقد بوجود الجنة مكافأة لأهل الطاعة من المسلمين والنار عقوبة للعصاة المذنبين ولمن مات وهو ليس على ملة الإسلام والتوحيد ، ويقر بالقضاء والقدر خيره وشره .
يؤمن بنبوة محمد صل الله عليه وسلم وأنه الخاتم وأن القرآن كتاب الله المعجزة الخالدة .
كذلك يؤمن بإركان الإسلام الصلاة في مواقيتها والزكاة عندما يحول الحول ويبلغ النصاب والحج مرة في العمر والصوم شهرا في العام .
حفظ فرجه ولسانه وقلبه من آفاتهن فكان صفحة نقية من الصلاح .
وضاح ولد على الفطرة فأبواه أسلماه ولقناه القيم الحميدة .
ثقافته الإسلامية لا تتعدى حفظ أحاديث صحيحة ومواعظ اكتسبها من الدعاة الذين يجوبون الصحراء لإلقاء الدروس الدينية .
لقد نال تقديرهم وثناءهم فقد كان يحتفي بمقدمهم ويهييء لهم المسجد لمحاضراتهم الدعوية .
يذكر الأب أن أحد الدعاة قال له بدرجة عالية من اليقين :
– ولدك وضاح رجل من أهل الجنة .. لو أقسم على الله لأبره ! .

** ** ** ** **

قطع وضاح الصحراء متجها إلى المدينة حيث التقى هناك بخاله الذي أشرب قلبه بالثقة وأشعله بالحماس لوظيفته الجديدة وهي عامل نظافة في سفينة عملاقة متخصصة في نقل الركاب سواء سياح أو مسافرين لمآرب أخرى ، واعدا أياه بالترقي لعمل إداري يتوافق مع مؤهلاته الدراسية إذا أثبت نشاطه وأخلاصه في العمل .
في السفينة تعرف على المشرف العام حيث شرح له طبيعة عمله وبين له مداخل السفينة ومخارجها واشتراطات السلامة فيها .
كانت السفينة في ذلك اليوم في رحلة تستغرق بضعة أيام تمر بعدة دول وتقف على جزر للتموين وإنزال الركاب .
استطاع وضاح في اليوم الأول تقبل وظيفته نفسيا بالرغم من أنه يراها لا تليق به إلا أنه عزم على أن لا يخذل أباه ولا يحرج خاله ، كذلك بادر في تكوين علاقة ودية مع البحر بدأت بالتخلص من دواره الذي أعتراه في الساعات الأولى .
كانت بدايته رائعة يحمل في يديه فرشاة جافة وكيس مهملات ثم يتنقل في مرافق السفينة ، مجتهدا في تنفيذ واجبه بإتقان .
قلب بصره في ركاب السفينة جميعا فدهش بالتعددية الخلاقة ، فالركاب مختلفو الألوان والأشكال واللغات ، وهذا قطعا يتبعه تمايز في المدارك والتفكير ، وتباين في الرغبات والطباع .
شده مشهد وفد من الباحثين ينضح من وجوههم العلم ويتضوع منهم روائح المعرفة ، كانوا فرقة علمية مختلطة من علماء من جنسيات مختلفة اجتمعوا لإجراء تجارب وإعداد بحوث .
الصيني ينصب تلسكوبا ضخما ويصوبه نحو السماء وزميله الأمريكي يدون بعض الملاحظات ، عالم بريطاني متخصص في علوم البحر .. يسأل ربان السفينة هل يوجد ظهور لأسماك القرش هنا ?
وآخر باحث في المناخ ، وغيره دارس لحياة الأعشاب البحرية .
ما شاهده وضاح من انهماك العلماء وشغفهم بالتجريب وجديتهم في التوصل إلى أفضل النتائج أشعره بعظمتهم فهم يعمرون الأرض ويخدمون البشرية ، يعيشون واقعهم الحالي فيدرسون الحاضر لينيروا المستقبل .. هذه الأفكار وغيرها كانت تهدر في عقله .
كلما مر بقربهم أرسل نظره مستطلعا ما يفعلون والإعجاب بهم يغمر كيانه .

** ** ** ** **

في الجانب الآخر من السفينة تقبع قاعة كبيرة خصصت لتكون استراحة للركاب ومجلسا عاما لهم ، بها أرائك وثيرة وطاولات موزعة بانتظام، وفي إحدى زوايا القاعة ألصقت شاشة تلفاز عريضة .
توجه وضاح إلى القاعة للقيام بعمله المعتاد ، وجد حشدا غفير من الناس ، منهم قعود يستمعون وبعضهم قيام ينظرون ، تفرس في سحنات وجوههم فإذا هم عرب مسلمون من دول شتى .

كانوا في حالة من الصخب والهياج .. اثنان منهما يتصدران المجلس والبقية في انتباه شديد لهما .
أنصت وضاح إلى أحدهم كان يرتدي عمامه سوداء تلف رأسه بإتقان ، متدثر بجلباب غامق اللون ، قال بصوت هادئ مشبع بالثقة ممطا آخر حرف لبعض كلماته :
– أن أبا بكر وعمر اغتصبا الخلافة من سيدنا علي عليه السلام ، فعندنا أدلة صريحة تؤكد أن النبي الكريم بايعه قبل وفاته مثل واقعة غدير لخم ورواية الكساء .
رد الرجل الآخر الذي يجلس بجانبه بثقة ، كان عليه غترة حمراء ولحية كثة :
– تولى أبو بكر الصديق الخلافة على إثر بيعة أقرها المسلمون جميعا في سقيفة بني ساعدة ، والتاريخ يشهد له ومعه عمر بن الخطاب بحكمتهما في نزع فتيل الخلاف بينهم حينئذ …
قاطعه الأول بصوت جاف :
– بل هي مؤامرة نسجت خيوطها بمكر وسيدنا علي عليه السلام مشغول في تجهيز دفن النبي الكريم .
رد الثاني محتدا :
– رواياتكم يشوبها ضعف في السند وتأويل مبالغ فيه .

ذهل وضاح لهذا الكلام الغريب عليه تماما والعصي فهمه ، فهذا حدث تاريخي وقع قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام من الآن .. ويجري رطبا في ألسنتهم كأنه حدث قبل ساعة ! ، فسأل من هو قريب منه عن ماهية هذه التجمع فكان الجواب أنها مناظرة علمية .
صاح أحد الحضور في آخر الصفوف :
– أئمتنا معصومون .. لا يخالط كلامهم الخطأ ولا النسيان .
هذه العبارة استثار أحدهم فعلا صوته :
– العصمة للأنبياء فقط .

شعر وضاح بقليلا من الانزعاج فقد بدا له أن ما يحدث أمامه ليس إلا جدل سببه ترف فكري يشحن القلوب بالضغينة ويفرغ العقل من طاقته المحمودة في تحقيق هدف أستخلاف الله للإنسان في هذه الأرض ، فارتأى أن يباشر عمله في التنظيف .
مد يده يفرغ سلة المهملات في كيسه المعتم ثم انتقل إلى نافذة كبيرة في القاعة ليمسح على زجاجها ، حينها وصل إلى مسامعه :
– تاريخكم ملوث بالأباطيل .. فكيف تترضون على معاوية – نكس الله رأسه في النار – وهو جاء من الشام بجيش يقاتل سيدنا عليا الإمام الشرعي ، ومن ثم يقوم ابنه يزيد بسفك دم الحسين عليه السلام سبط رسول الله ? .
ارتعد وضاح لما سمعه .. فأدرك أن هناك أزمة حقيقية بين الحضور فهم يتكلمون عن دماء زهقت ومعارك قد دارت رحاها ، وهذا أجترار لفتنة قديمة ستصيب شظاياها الجميع .
قال أحد المستمعين باحتقان :
– معاوية صحابي جليل وكاتب للوحي ، وقد أثنى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم .
فجاءه الرد حازما من شخص بجانبه :
– أين تضعون قول نبي الأمة .. عمار تقتله الفئة الباغية ?! .

بينما كان وضاح يصقل النافذة مما علق بها من رطوبة البحر وقع بصره على علماء الطبيعة المجدين في بحوثهم العلمية فأدرك أنهم مشغولين باليوم وبواقعهم الآن وليس بأحداث ميتة دفنت مع أصحابها ليس عليهم من حسابهم من شيء . إنهم يفكرون من أجل الغد وليس في محاكمة الماضي ونبش صراعات الأمس .
تعجل في كنس أرضية القاعة ثم خرج ضائق الصدر موليا وجهه إلى مرافق آخرى في السفينة تحتاج إلى تنظيف .

** ** ** ** **

يوضح جدول خط سير السفينة أنها قريبا سترسو في ميناء جزيرة غير مأهولة بالسكان أعدت خصيصا للدراسات والتجارب لهذا نزل الفريق العلمي بأكمله يحمل أدواته وحقائبه .
وقف وضاح إجلالا لهم ، يودعهم بنظرات مشبعة بالتقدير .
راح يخطو بين ممرات غرف النوم ملتقطا كل ساقطة داعكا كل بقعة .. فجأة دوى في أذنيه صوت انفجار مريع فأنطلق يعدو في نزق إلى غرفة ربان السفينة ، فوجد الطاقم الفني وكبار البحارة في حالة من الاستنفار والذعر .
كان الانفجار في محرك السفينة الذي أدى إلى شل حركتها بالكامل إلا أن المصيبة الكبرى والخطر العظيم هو تكون فتحة أسفل السفينة بفعل قوة الانفجار مما أدى إلى تدفق كبير لمياه البحر داخلها فكانت النتيجة أختلال توازن السفينة ! .
دوت صفارات الإنذار وبدأ الإعلان بوجوب استخدام جميع الركاب سترات النجاة .
تذكر وضاح تجمع العرب المسلمين في القاعة فهب نحوهم لينبههم بالكارثة المحدقة ويحثهم على أخذ أدوات السلامة .
كان الموقف صادما له فمازال التجمع قائما والمناظرة على أحر من الجمر ، والحضور يبدو أنهم لا يعلمون بما وقع فتقديم الحجج وعرض البراهين جعل في آذانهم وقرا وفي عيونهم غشاوة .
التفت وضاح إلى المتناظرين فكانا شخصين مختلفين الأول يتردي عمامة بيضاء وجزء منها يتدلى حول رقبته ، والأخر حاسر الرأس يرتدي بزة ملونة قال أولهم :
– نحن نقول بأن القرآن مخلوق ، وذلك بإن التكلم هو صفة الله والقرآن أثر لهذه الصفة فيكون الأثر مخلوق ، مثل أن الرحمة صفة الله ، ونزول المطر أثر لتلك الصفة فعليه يكون المطر مخلوق ، هكذا نفهم المسألة عندنا .
الثاني :
– أنتم تخالفون قول الأئمة الأربعة .. حتى إن آخر الأئمة – رحمه الله – جلد بالسياط وذاق مرارة السجن لثباته على قول أن القرآن غير مخلوق ، فلو أنه كما تقول لشابه عيوب المخلوقات وكان عرضة للفناء .
رد الأول :
– الإجتهاد لا يقف عند أقوال الأئمة الأربعة ، فلنا أدلتنا وأقوالنا .
صدم وضاح من أستمرار خلافهم المتشعب إلى قضايا أخرى فلم يتمالك أعصابه فصرخ فيهم :
– يا قوم .. انجوا بأنفسكم فالسفينة على وشك الغرق .
المؤسف أنه لم يكترث له أحد ، وتجاهلوا دعوته .
فكرر النداء .. فظلوا على حالهم بأجساد اليوم وعقول الماضي ، صرعى في حمأة الردود ، وغارقين في لجة النفي والإثبات ، مستميتين في الترجيح بين أقوال المتقدمين والمتأخرين المتناثرة في أمهات الكتب القديمة .
مالت السفينة ذات اليمين ثم بدأت في الانغماس في جوف البحر .
قذف وضاح بنفسه في البحر ثم راح يعوم بسترة النجاة التي عليه وهو ينظر إلى السفينة بعيون مرعوبة ودموع حزينة .
لمح القاعة وهي تغوص في الماء ، ومن النافذة شاهد المنتاظرين وهما في قمة التحفز ، والجمهور مشحون بالحماس ، وكلهم في غمرة ساهون عما يحدث .
بدأت الأمواج تهجم على القاعة .. فسمع ضجيج أصواتهم وكلماتهم المبعثرة :
– سيرى المؤمنون الله يوم القيامة ، والموحدون سيعذبون في النار بقدر خطاياهم ثم يدخلون الجنة ، والشفاعة ثابتة عندنا يصيب الله بها من يشاء .
يأتي الرد من خصمه :
– نحن نعتقد بخلود المصرين على الكبيرة في النار مالم يتوبوا قبل الموت ، والشفاعة تنحصر في أمرين فقط تعجيل حساب المؤمنين وانتقالهم إلى منزلة أعلى في الجنة ، والله لا يرى يوم القيامة .
أختفت السفينة بالكامل في عمق البحر لم يظهر منها سوى فقاعات كبيرة ظلت تنفجر ما إن تلامس هواء السطح .. كانت كل فقاعة تحتجز هواء لكلمات هن من بقايا أفواه سكارى القاعة .. ، دفعت وضاح أن يصيخ لها سمعه فالتقط منها ما ضاعف غمه وزاد همه ! .

** ** ** ** **

ها هو وضاح يمتطي ناقة يجتاز بها المفازات ويقطع الفلوات متجها إلى مسكنه في الصحراء ليعود إلى حياته المطمئنة ، حياة الفطرة السليمة والإيمان النقي الذي لم تلوثه شطحات المتعصبين ولا غلاة المتمذهبين ، متأسفا على بني أمته بتعطيل عقولهم في الأخذ بأسباب العلم الحديث وإشغالها بما يؤدي إلى فشلهم وذهاب ريحهم .

0 2499 18 مارس, 2015 أدب, السابع والخمسون مارس 18, 2015

1 comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.