أزمة التطرف الديني لدى الشباب المسلم

لـ

“إن العنف الممارس اليوم ليس وليد لحظة أو نزوة عابرة بل هي مبررة إيديولوجياً وجدت لنفسها غطاءً فقهياً يشرعن سلوكها.”
يرى البعض بأن العنف المتداول اليوم عند الجماعات العربية الإسلامية الراديكالية ما هو إلا نزعة متأصلة عند العرب وهي امتداد لتاريخهم العنفوي وهو ما يراه القسيس الأمريكي جورج بوش “الجد الاكبر” في كتابه المثير للجدل “محمد صلى الله عيه وسلم، مؤسس الدين الإسلامي، ومؤسس إمبراطورية المسلمين”[1]، إِلَّا أن بعض المفكرين المعاصرين كالشيخ أحمد بن سعود السيابي يعارض هذا القول الذي يرى بعنفوية تاريخ العرب وبأنها “كانت وحوشاً يأكل بعضها البعض”؛ فهو يرى بأنها مستنقصات منسوبه للعرب وضعها الشعوبيون من أجل الاستنقاص منهم[2].
إِلَّا أنه رغم عدم قدرتنا على إنكار العنف المستخدم اليوم بشراهة من قبل هذه الجماعات المسلحة، إِلَّا أنه يتوجب علينا إنكار مسألة تأصل العنف عند العرب؛ وذلك أن الفعل حينما يتأصل في الشخص يصبح صفة، وقولنا بتأصل العنف عند العرب يعني بأن صفة العنف هي من صفات العرب، وهي صفة تتنافى مع الميل العام للطبيعة الإنسانية التي تحيلها عن التقدم الحضاري، وهو ما يتعارض مع تاريخ العرب الذين كانوا أهل حضارة.
لا يمكننا أن نقوقع أسباب انجرار هؤلاء الشباب نحو الالتحاق بهذه الجماعات الإسلامية المسلحة هي بسبب بعض الأقوال الفقهية المتطرفة التي تروج لهذا الفكر، بل يجب علينا أن نقرأ فكر هذه الجماعات بعمق إذا أردنا أن نسبر حلولاً عقلانية تساعد على قبر هذه الجماعات وتوقِف الإمدادات البشرية لها، وذلك بعد معرفة الأسباب التي دعت إلى نشوئها.

الأزمة الفكرية:
إن أبرز الأسباب التي أدت بشبابنا إلى الهرولة نحو الانضمام إلى هذه الجماعات الإسلامية الراديكالية؛ هي بسبب الهشاشة الفكرية التي يعانونها وهو ما حذر من المفكر الإيراني علي شريعتي في كتابه ” النباهة والاستحمار” من مغبة الإهمال الفكري لدى شباب العالم الإسلامي، واكتفاء المرء بتقدمه العلمي مقابل جوعه الفكري[3]. فالبنية الفكرية لهذه الجماعات المتطرفة مارست ضغطاً فكرياً على هؤلاء الشباب فانصهروا في بوتقة فكرهم المتطرف بكل سهولة بسبب ما يعانونه من فراغ ثقافي وفكري.
فهؤلاء الشباب الذين رضعوا من لبن هذا الفكر ليسوا إِلَّا ضحية لترويج فكر متطرف، استطاع التحكم فيهم بعدما أصبحوا مغيبين الوعي. فنحن اليوم في حاجة ماسة إلى مشروع إصلاحي فكري يساهم في خلق بنية فكرية متينة لدى شبابنا؛ تساعدهم على مواجهة مختلف المذاهب الفكرية والدينية بدون تصادم معها أو انصهار فيها بل مشاركة وتفاعل، وهو مشروع لا يتأتى إِلّا من خلال تغيير سياسة التعليم لدينا بحيث تحتوي هذه المناهج الدراسية على بعض الدروس الفكرية لكافة المراحل الدراسية، وإقامة بعض الفعاليات الفكرية في المدارس والمؤسسات الجامعية من خلال بعض المحاضرات والأمسيات والأنشطة التي تساهم في تحريك مياه الفكر الراكدة لدى شبابنا.

الأزمة الفقهية:
هذه الأزمة إنما انبثقت من أزمة قراءتهم المنعوجة للأحاديث النبوية الشريفة، فإشكالية قراءتهم للأحاديث النبوية تكمن في سوء فهمهم لكثير من النصوص النبوية الشريفة، وهو ما ترتب عليه من إصدار عدد من الفتاوى المتطرفة التي اتكأت عليها هذه الجماعات منذ نشأتها إلى وقتنا هذا، ونقتصر هنا على حديث نبوي واحد نكشف فيه حقيقة جهلهم الفظيع في التعامل مع هذه الأحاديث النبوية المتعلقة في التعامل مع المشركين، وكيف أنهم يقتطعون فهمهم لهذه الأحاديث بعيداً عن القرآن الكريم، وعدم اسقاطها عليه للوصول إلى المقصد والجوهر الحقيقي منها، وبأخذهم للحديث النبوي دون النظر إلى الأحداث السياسية والوقائع التي رافقت هذا الحديث، ومن هذه الأحاديث:
– حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ “رَوَاهُ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. البخاري(حديث رقم:2727)
فنظروا إلى ظاهر الحديث ورأوا بأن هذا حديث عام، فاعتقدوا بوجوب قتال الكفار من أجل إدخالهم في الدين وأن إكراه الناس بالدين جائز ولو بقتلهم، وهي للأسف الشديد قراءة بعيدة كل البعد عن الخُلُق القرآني الداعي إلى احترام الآخر حتى في المسائل العقائدية، فالناظر للمنهج القرآني في التعامل مع غير المسلم، يرى أن القرآن الكريم ينبذ فكرة الإكراه في الدين (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ). (البقرة:256)
وقد قال بعض العلماء أن تطبيق هذا الحديث إنما هو على عاتق الدولة التي تدافع عن الإسلام فهو ليس فعل أفراد[4].
إن مما أجزم به أننا الآن لفي أَمَسِّ الحاجة إلى القراءة النقدية للأقوال الفقهية التي أَوَّلت هذه الأحاديث تأويلاً معاكسا كلياً عن مسلكها الصحيح والتي غدت معمولة بها عند هذه الجماعات المتطرفة، وأنه يجب أن ننظر إلى مدى قدرة بعض هذه الفتاوى الفقهية نحو الصمود أمام صيرورة التقدم الحضاري الذي يشهده العالم[5].
———-
[1] محمد صلى الله عيه وسلم، مؤسس الدين الإسلامي، ومؤسس إمبراطورية المسلمين، جورج بوش، ص357، دار المريخ.
[2] المولد النبوي، نظرة تصحيحية في الأحداث والوقائع، أحمد بن سعود السيابي، ص20-21، مكتبة الغبيراء، 1425هـ/2005م، ط1.
[3] النباهة والاستحمار، علي شريعتي، ص7-13، الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، 1404هـ/1984م، ط1.
[4] مما قاله سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في شرحه لهذا الحديث:…..فالدعوة لا بد لها من تأمين، فطواغيت الكفر وأطواد الشرك لن يتركوا الدعوة تسير في طريقها حتى تصل للناس إلا باعتراض عليها، فلا بد من تذليل هذه العقبات حتى تصل الدعوة إلى الناس. وأن تطبيق هذا الحديث إنما هو على عاتق الدولة التي تدافع عن الإسلام فهو ليس فعل أفراد. ووما قاله أيضا:…..وإنما طريق الإيمان يُذلل؛ لأن طواغيت الكفر لم يكن يدعوا الناس يدخلون في دين الله من غير أن يفتنوهم عن دينهم، فلا بد من إزاحة هؤلاء الطواغيت من طريق هؤلاء الذين يريدون أن يدخلوا الإسلام، اقتضت الضرورة إزالة هذه الطواغيت، فشُرع القتال من أجل ذلك ووجب هذا القتال على الناس.
فالقتال هنا كما يراه سماحته لا يعني بالضرورة إرغام الناس في الدخول في الإسلام، وإنما من أجل إزاحة الطواغيت. الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، سؤال أهل الذكر، فقه التثبت والتبين /الجزء2 (6 رمضان) 15-7- 2013

[5] مارس الباحث رائد السمهوري نقداً لفتاوى وآراء ابن تيمية في كتابه “نقد الخطاب السلفي، ابن تيمية نموذجاً” دار مدارك للنشر، ولكنه تعرض للإرهاب الفكري والمصادرة المعرفية وذلك بمنعه من البيع في إحدى الدول الإسلامية التي ينشط فيها فكر هذا الإمام.

0 2664 24 مارس, 2015 السابع والخمسون, ثقافة وفكر مارس 24, 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.