اللحية بين الإعفاء والتقصير

لـ

لم أكن أود الحديث عن اللحية وحكم حلقها أو تقصيرها، ولكني رأيت كثيرا من المتدينين يبالغون في شأن اللحية حتى صارت علامة على التدين، وصاروا يرمقون من أخذ منها شيئا بنظرات الاستنكار والاحتقار، بل وصرتَ لا تدخل مسجدا إلا وتجد فتاوى حكم حلق اللحية والإسبال في واجهة كل باب، وصارت الخلافات تنشأ وأحكام البراءة تطلق فيمن أخذ من لحيته،بل قرأت للشيخ سعيد بن حمد الحارثي ما معناه: أن من أخذ شعرة من لحيته فهو في النار!! وهذه المبالغة في هذا الأمر تزعج وتقلق، لأن الموضوع أخذ أكبر من حجمه، وصار البعض يستغل ما وقر في نفوس الناس من توقير اللحية وتعظيمها فيطيل لحيته ليجعلها سبيلا لأكل أموال الناس بالباطل والتغرير بهم وكم في ذلك من حوادث مؤسفة يندى لها الجبين، وقد كان العلماء السابقون يحذرون من تطويل اللحية طولا يدفع للتبجيل والشهرة فعياض في ” شرح مسلم يقول “: (( ويكره الشهرة في تعظيمها وتحليتها كما تُكره في قصها وجزها )، كما أن تطويلها تطويلا يشوه الصورة ويغدو منظر صاحبها كريها مما ورد في الشرع منعه فقد خرّج أبو داود في ” المراسيل ” عن عثمان بن الأسود أنه سمع مجاهداً يقول : (( رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً طويل اللحية ، فقال : لم يُشوه أحدكم نفسه ؟!)) وقد رُوي عن عمر (( أنه رأى رجلاً قد ترك لحيته حتى كبرت ، فأخذ يجذبها ثم قال : ائتوني بجلمتين ، ثم أمر رجلاً فجزّ ما تحت يده . ثم قال : اذهب فأصلح شعرك أو أفسده ؛ يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سبع من السباع )). .
و الرسول عليه السلام نشأ في بيئة كان من عادة أهلها إعفاء اللحى، مما يدل على أنها من سنن العادات حالها كحال الطعام واللباس، فالشيخ محمود شلتوت أورد في كتابه “الفتاوى”: “والحَقُّ أن أمر اللباس والهيئات الشخصية -ومنها حلق اللحية- من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة، فمن درجت بيئته على استحسان شيء منها كان عليه أن يساير بيئته، وكان خروجه عما أَلِف الناس فيها شذوذاً عن البيئة ومثله الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه: “أصول الفقه”، حيث اختار أن إطلاق اللحية من أمور العادات وليس من قبيل الشرعيات.، إلا أن تطاول الزمان، والوقوف عند ظواهر النصوص واعتبار كل أمر صدر من الرسول عليه السلام دالا على الوجوب أدى لهذا الإشكال، هذا مع وجود احتمالية أن يكون الأمر للندب، ولذلك كان أهل الأصول يقولون :” إن الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال”، ونضرب مثالا على ذلك بأشهر حديث يستدل به القائلون بوجوب الإعفاء وهو حديث: خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب” وفي رواية “أعفوا” ومخالفة المشركين هنا إنما هي مقصودة لذاتها حتى تتميز شخصية المسلم، والأمر هنا لا يمكن الجزم بأنه يدل على الوجوب وإنما الأقرب أن يكون للإرشاد كما في حديث الأمر بصباغة الشعر حتى لا نتشبه في اليهود فلا قائل بأن صبغه واجب لأن فيه مخالفة لليهود والحديث المقصود في الصحيحين قوله عليه السلام: “: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم”، على أن مخالفة المشركين لا تعني عدم قص اللحية بقدر ما تعني مخالفتهم في الطريقة التي كانوا يقصون بها لحاهم، كما أن توفير اللحية لا يعني عدم أخذ شيء منها ولذلك اختلفوا في حد الوفرة والإعفاء فالترمذي يروي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده “أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها “. وخرّج ابن أبي شيبة في ” المصنف ” من طريق ابن طاووس عن سماك بن زيد أنه قال : (( كان علي يأخذ من لحيته مما يلي وجهه )) .
وروى البخاري قال : (( كان عبد الله بن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه )) وذكر ابن حجر في “الفتح ” : (( والذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك ، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه )) ، هذا مع اشتهار تتبع ابن عمر لأفعال النبي الكريم وتقليدها وأحيانا بمبالغات لا تكاد تصدق، وفي كتاب فقه الإمام جابر بن زيد ما يبين أن السنة الأخذ من اللحية عند الإحلال من الإحرام، ناهيكم أن بعض العلماء ذكر أن قص اللحية سنة كما هو قول أبي حنيفة قال في “البحر الرائق “: ( قال أصحابنا : الإعفاء تركها حتى تكث وتكثر ، والقص سنة فيها ؛ وهو أن يقبض الرجل لحيته ، فما زاد منها على قبضة قطعها . كذلك ذكر محمد في كتاب ( الآثار ) عن أبي حنيفة قال : وبه نأخذ )، وكل ما تقدم من نصوص يدل أنَّ في الأمر سعة وأن أمر اللحية يدور حيثما دارت البيئة والمصلحة، ولا علاقة له بوجوب وعدمه والله أعلم.

0 3751 25 مارس, 2015 السابع والخمسون, ثقافة وفكر مارس 25, 2015

3 comments

  1. Avatar
    هدى

    أستغفر الله العظيم . طالت الأعناق وصار الصبيان يتلاعبون بشرع الله وأحكامه !
    إنا لله وإنا إليه راجعون

    Reply
    1. Avatar
      هلال

      استعراض عضلات وخسارة وقت وجهد في كتابة موضوع لا يفيد الامه بشي في ظل حاجتها لمواضيع اكثر اهميه لانتشالها مما هي فيه
      هم الكاتب في لحيته والتصيد في الماء العكر وهم العلماء الأمناء في انقاذ الأمه وانتشالها من الوحل
      ففرق بين ابواق الفتنه واصوات الحكمه

      Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.