بين الأصولية والعقلانية

لـ

بعد قرون أربعة أو خمسة هجرية كانت هي لحظات التوهج الحضاري عند العرب، بدأ القوم بالإنزواء والتقهقر والتكلس، وأصبح الجمود على المذاهب والاجتهاد في إطارها والدوران حولها هو الشغل الشاغل للفقهاء، وأصبحت الكتب تكتب وتشرح ثم يشرح الشرح وينظم الكتاب ثم ينثر شرحا ويختصر المطول ويطول المختصر في حركة دائرية لولبية، وعلا شأن التقليد وتحكمت فئة قليلة بالفئة الكثيرة بحجة أن الآخرين عوام طغام لا يفقهون وينبغي لهم تسليم عقولهم لمن يفكر عنهم، وانتشرت الآثار التي تمجد الحاكم وتحرم الخروج عليه حيث حدث ذلكم الزواج بل البغاء بين أهل الدين والسياسة فكان الحمل ظلما فادحا وشائها، وشاعت نصوص الزهد في الدنيا واليأس منها وتغنت الناس في مجالسها بقول القائل:
جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون
جنون منك ان تسعى لرزق ويرزق في غشاوته الجنين
ومورس الإقصاء والتهميش على المرأة، وأثر ذلك على دورها المحوري في الحياة ، فتعليمها يسبب الفتنة، وإذا أتقنت الكتابة تدرجت إلى الخيانة، وأريد لها أن تقبع في بيتها حتى لا تؤثر ولا تطالب بحق، فخروجها يسبب استشراف الشيطان ويزينها في عيون الذكور، وضعفت حركة الترجمة حتى قيل أنه لم يترجم من كتب الطب في عهد الدولة العثمانية التي امتد لخمسة قرون تقريبا إلا كتاب واحد كان لغرض علاج السلطان من بعض الأمراض الجنسية التي أصابته!!.
إنه انعدام التساؤل والشك و الحرية الذي جثم على الأمة الإسلامية، وغابت بسببه قرون طويلة من الإزدهار وولت عقول فذة كانت ستنتج نتاجا حسنا لو ترك لها المجال، إن التساؤل نصف العلم وما لم تترب عليه الأجيال وتتمرس فيه فإن مآلها الضلال والعمى، وسيصبح التلميذ كالميت بين يدي المغسل، إن الروح إن لم تطلق من أصفادها، ولم يكن لصاحبها قوة عزم وشجاعة بحث فإن كل كاسرات القيود وقواطع الحديد لن تفلح في كسر هذه الأصفاد، وإن الظلام إذا خيم على القلب وغطى العقل فإن كل شموس الكون لن تستطيع إنارته ما لم ينبع التغيير عن إرادة، إن الأفكار لا ينبغي لها أن تبقى حبيسة الأدراج محشورة في الفجاج الضيقة وأنى لها ذلك وهي كالسيل الهادر الذي لا يوقفه حد ولا يثنيه صد، بل حتى في حالات هدوئها تكون أشبه بالماء، فمن يأمن الفكر يكن مثل قابض على الماء خانته فروج الأصابع.
وبينما كان الشرق الإسلامي يمر بهذه الانتكاسات في فكره وسلوكه وحالته المعيشية، كانت أوربا كعملاق خرج من سباته وبات ينفض عنه غبار التاريخ وأوضار الماضي ويطبق منهجا تاريخيا يحاكم من خلاله تراثه ويعقلن منه ما شاء الله أن يعقلن، وينطلق نحو آفاق التطور منتزعا حريته بتضحيات جسيمة وعظيمة، لقد كان الإصلاح الديني أولا إصلاحا صعبا حيث كانت الكنيسة في عناق مع الإقطاعيين والنبلاء وكان الكهنة يترزقون من البسطاء بتجييش مشاعرهم، وكان الخروج عن الكنيسة يعد كفرا وهرطقة عقوبة صاحبها الموت حرقا وشنقا، وكان البابا بيوس في القرن التاسع عشر يقول: لا يوجد إلا معتقد صحيح واحد على وجه الأرض هو المعتقد المسيحي الكاثوليكي ، لقد انتشرت الحروب بين البروتستانت والكاثوليك حتى كادوا أن يتفانوا، كما هو حال الشيعة والسنة عندنا، حيث دخلوا في حروب طاحنة ولا زالوا يجيشون المشاعر ضد بعضهم البعض، لقد مل الغرب الأوربي من هذه الحروب ومن انتهاكات الكنيسة لأخص خصوصياته، ومن الهيمنة على الحريات والإبداع ومحاربة التفكير بصوت مسموع، حتى انتزعت الناس حرياتها وأصلحت من شأن كنيستها حتى أعلنت الكنيسة في 1965م ” إن الشخص البشري له الحق في الحرية الدينية ولا يمكن إجبار الناس على الإيمان بديننا غصبا عنهم ولا معنى لإيمان مفروض عن طريق القوة أو الخوف” إن ما قالته الكنيسة أخيرا هو عين ما قرره القرآن قبل خمسة عشر قرنا بقوله تعالى” لإ إكراه في الدين” وذلك قبل أن يتدخل المفسرون ليحرفوا الآية عن مسارها ويقيدوا إطلاقها !!.
إننا نحتاج إلى مصلحين مضحين يعيدون للتفكير مكانته، ويهدموا ما حقه الهدم ويفككوا ما يحتاج للتفكيك ليشيدوا عليها بنيانا متينا ويوفقوا بين الدين والعقل حتى لا يكون هناك فصام بينهما، مبعدين شبح الأصولية الجاثم على النفوس والتعصب المقلق للأمن وننادي بما نادى به هاشم صالح من ضرورة المقارنة بين الأصوليات ونردد معه المثل الصيني(من لا يقارن لا يعرف).

0 1977 29 أبريل, 2015 الثامن والخمسون, ثقافة وفكر أبريل 29, 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.