حياة في الإدارة

لـ

إنما يقوم الوطن على سواعد أبنائه الإداريين المتعلمين المخلصين فإذا اجتمع حسن الإدارة مع عمق المعرفة وأضيف إليهما الإخلاص، فإن الحضارة ستضرب بأطنابها في الأرض، وستينع ثمار التطور، ولغازي القصيبي كتاب جميل في فن الإدارة؛ حكى فيه تجربته الإدارية الثرة؛ حيث تنقل بين صنوف المسؤوليات ووصل لأعلى المراتب في المملكة العربية السعودية، وقد كتب كتابه(حياة في الإدارة) بأسلوبه السهل الممتنع ومما شدني في الكتاب: محاربة غازي للبيروقراطية الفجة التي تؤخر العمل وتصيب البلاد بالشلل، فالقرار الذي يمكن اتخاذه في أيام يتأخر إلى سنوات عديدة(يحضرني مثال كتابة الوصية في العقار، فقد امتنع الكتاب بالعدل بسلطنة عمان من الكتابة فيها بسبب صدور قانون الكتاب بالعدل 2003م، وامتنعت الإسكان من كتابتها بحجة أنها من اختصاص الكاتب بالعدل، ولم تحل المشكلة إلا في 2011م بصدور تعديل في قانون الكتاب بالعدل)، لا أدري كيف يمكن لوزير أن يصلح أوضاع وزارته إذا لم يكن لديه الصلاحيات الكاملة لذلك، ولا أدري كيف بإمكانه التعديل في بعض القرارات السيادية التي تهم وزارته إذا كان محجوبا عن لقاء رئيس الوزراء الذي بيده اتخاذ القرار، لقد كان غازي يتمتع بالميزتين معا فهو يشترط وينتزع تلكم الصلاحيات إبان تقلده الوزارة، وهو على تماس مباشر بولي الأمر،وهو بالتالي تجاوز تلكم البروتوكولات التي تضيع معها الأوقات،وتوقف أو تكاد عجلة التنمية، يعلمنا غازي أن انضباط المسؤول في الدوام يؤدي تلقائيا لانضباط المرؤوس وأن العكس بالعكس، وما التسيب الحاصل في كثير من الإدارات إلا لأن المسؤول يصل متأخرا ويخرج باكرا، وهنالك ثلاث محفزات ينبغي للمسؤول مراعاتها وهي التي تحفز الموظف تدفعه دفعا لجودة الإنجاز وسرعته ولا تنفك عن بعضها البعض وهي: الحب والاحترام و الرغبة والثواب والخوف والعقاب، ولابد للمسؤول أن يتخير المساعدين الأقوياء الذي يقولون له إن أصاب: أصبت وإن أخطأ أخطأت، لا أن يمالئوه على خطئه ويسايرونه عليه كما هو حاصل في كثير من الإدارات التي يكون فيها المساعدون أشبه بجهاز تسجيل أو ببغاء يردد لفظة: نعم نعم، يهزون بها رؤوسهم وأجسادهم، ويشير غازي للإداري الناجح الذي ينبغي اختياره ليكون على رأس المسؤولية والذي ينبغي أن يكون متمتعا بصفات ثلاث: صفة عقلية خالصة: وهي القدرة على معرفة القرار الصحيح و صفة نفسية خالصة:وهي القدرة على اتخاذ القرار الصحيح.ومزيج من الصفة العقلية والنفسية:وهي القدرة على تنفيذ القرار، وبدون هذه الثلاث صفات فإننا نكون أمام مسؤول عاجز، لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا، وما أكثر اجتماعاتنا وما أقل بركتها لأنها ينقصها أمران أساسيان لا غنى عنهما لنجاح أي اجتماع يكون من ورائه قرارات قد تكون في بعض الأحيان مصيرية وهما: التحضير الكامل: وذلك بأن يكون المسؤول مستوعبا لكل مادة على جدول الأعمال, وقادرا على الإجابة على كل تساؤل يمكن أن يثيره الاعضاء وإذا لم يفعل ذلك فقد تسير الأمور في غير الاتجاه الذي يريده, أو تنتهي بغير قرارات حاسمه. أي أن الرئيس عليه أن يبذل قبل كل جلسة أضعاف ما يبذله أي عضو آخر، وثانيهما احترام مشاعر الأعضاء ورغباتهم:فقد يختلف معك أحد الأعضاء , فليس من الحكمة أن يحاول الرئيس الضغط أو يطلب التصويت فهناك عدة بدائل:طلب تقرير مفصل عن نقطة الخلاف,تشكيل لجنة لبحث الموضوع(يفضل أن تكون برئاسة العضو المخالف), او أن يطلب التأجيل في البت إلى جلسة قادمة وهذا أضعف الايمان، وليس الوزير الناجح هو من إذا غاب تعطل العمل، وتوقفت التنمية، وفسدت المؤسسة كما يقول الشاعر(فإذا ولى أبو دلف ## ولت الدنيا على أثره) بل هو الذي يستطيع تنظيم الأمور على نحو لا تعود معه للعمل حاجة إلى وجوده، إن الإدارة الناجحة تحتاج لمسؤول يتمتع بالشباب والصحة والدافعية، وبذلك يغزر إنتاجه وتسعفه صحته وتدفعه حماسته للمضي قدما في التغيير للأحسن.
تلكم ملامح بسيطة أردت أن أوجز بها شيئا من هذا الكتاب الجميل لتكون نبراسا لكل مسؤول حتى يتنبه لها، ويضعها في حسبانه، فالبنيان لا يقوم إلا بالتكاتف والتعاون والخبرة والمراقبة المستمرة، فلا مجال للقابعين وراء الجدران، والمتخفين عن أعين المواطنين، والتاركين الحبل على الغارب لمن لا يفقه للمسؤولية معنى ولا يحسب للرقيب حسابا.

0 1094 03 يونيو, 2015 الستون, ثقافة وفكر يونيو 3, 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.