الطائفية: ارتباط المقدس السياسي والمقدس الديني.

لـ

إلى وقت كتابة المقال لا أعرف إن كنت سأضيف شيئا جديدا على ما قيل عن المشكلة الطائفية، لكنني أجد بي حاجة ملحة إلى الحديث بكل صراحة عن هذه الأزمة التي تعصف بالمنطقة، ومحاولة استجداء حل قد يكون الدواء المر الذي علينا تجرعه للخروج من هذه الأزمة التي نعيشها. يأتي هذا المقال في الوقت الذي تصحو فيه الكويت البوابة الغربية للخليج العربي – أو هكذا يحلو لي تسميتها – على عمل إرهابي استهدف مواطنيها، وتصحو على ذلك تونس الخضراء أيضا بعملية استهدفت مواطنيها في سوسة وأدت إلى قتل 30 منهم. هذه الأعمال الإجرامية جاءت مدفوعة بدوافع طائفية انتقامية مثلما جاء في البيان الذي تبنى فيه تنظيم داعش الإرهابي العمليات. في الوقت ذاته، تقوم الحكومة العراقية الطائفية بما لا يمكن وصفه إلا بالتطهير العرقي عندما تقرر إعدام حوالي سبعة الاف محتجز لديها تحوم الكثير من الشبهات حول ملابسات اعتقالهم واستجوابهم ناهيك عن محاكمتهم. ويصحو أطفال سوريا على براميل متفجرة تمطرها بهم طائرات النظام المجرم الذي يفترض به أن يحميهم. قتل طائفي متبادل بين أكبر كتلتين مسلمتين في العالم، يذهب عشرات الأبرياء فيه يوميا ضحايا لهذا العنف الذي لا ينتهي.

ما حصل بالأمس في الكويت وتونس وقبله في السعودية الشقيقة لا يعني إلا أننا أيضا غير محصنين من هكذا هجمات إرهابية، فلا دولة محصنة اليوم من هذا الخطر، وبقاؤنا مكتوفي الأيدي حياله لن يزيد الأمر إلا سوءا. فالتنظيمات الإرهابية المتطرفة لا تعييها الحجج لقتل من يشاؤون باسم الله، وسيجدون الكثير ممن يمكن التغرير بهم كأدوات للوصول إلى هدفهم الخبيث وهو قتل أكبر عدد من الأبرياء. كل ما تحتاجه هذه التنظيمات المتطرفة هو جاهل واحد، وحزام ناسف واحد، ومسجد واحد تجد الناس فيه ركعا سجدا للوصول إلى مآربهم الخبيثة. لذا، لا تكفينا شعارات “مجابهة الفكر بالفكر” – على الرغم من ضرورتها وأهميتها – لمجابهة هذا الفكر المتطرف، كما لا يكفينا سن قوانين وتشريعات لمواجهة هؤلاء المتطرفين، لا بد علينا من أخذ الموضوع إلى مرحلة مختلفة لحماية مواطنينا في دول الخليج من أن يقتلوا في أكثر الأماكن أمانا وهي بيوت الله.

الطائفية في العالم الإسلامي ليست وليدة الأمس واليوم، وليست أمرا جديدا لم نكن نعرف عنه، والعنف الطائفي المتبادل بين الحركات والتنظيمات الإسلامية السياسية ليس بدعا، بل كان موجودا وحاضرا وكانت بعض دول المنطقة – في أفضل الأحوال – تتجاهله. فالصراع الطائفي في باكستان والذي امتد لعقود من الزمن في قتل متبادل بين أكبر كتلتين إسلاميتين، والصراع الذي حصل في أفغانستان بعد الاحتلال السوفيتي بينهما أيضا، والحرب التبشيرية الباردة بينهما، كلها فعل طائفي يحقق أهدافا سياسية بحتة مهما تلبس بلبوس الإسلام. تحقيق الأهداف السياسية لكل هذا العنف الطائفي يجعلنا أمام تساؤل ملح عن الجذر الحقيقي للأزمة الطائفية، ويجعلنا أمام ضرورة محاولة توسم أنجع الحلول – وأقساها ربما – للوصول إلى وضع مستقر يحقق للإنسان حرية العبادة حسب ما يعتقده دون أن يتحول إلى أداة قتل تفتك بالأبرياء من البشر أو أن يتحول إلى أشلاء وهو راكع أو ساجد لله. لقد بدأت المشكلة الطائفية في العالم الإسلامي منذ اليوم الذي استخدم فيه الدين أداة لتحقيق مآرب سياسية بحتة، ومنذ ذلك اليوم ترتكب الجرائم بسم الله، وتزهق الأرواح بدعوى التقرب إليه والدفاع عنه.

أصل المشكلة اليوم هي أن الانتماءات الإسلامية مقولبة في قوالب مذهبية تجعل تعامل الإنسان مع خالقه تعاملا بالوكالة “Proxy”. فالإنسان المسلم اليوم لا يعبد الله بكونه مسلما فحسب وإنما باعتباره منتميا إلى مذهب معين يحدد له الكيف والنوع فيما يتعلق بتعامله وصلته بالله. مُلّاك هذه “الوكالة” هم ما يطلق عليهم المجتمع اسم “علماء” المذاهب، ولهم حق التعديل والحذف والإضافة إلى هذه الوكالة التي “يحتاجها” الإنسان لتحقيق الاتصال “الصحيح” بخالقه، أو هكذا يراد له. السياسيون وجدوا في العلماء قوة على تحريك جموع بشرية كبيرة بخط قلم عن طريق الفتاوى، فعملوا على إخضاع العلماء لرغباتهم السياسية؛ ترغيبا بإسكانهم القصور تارة، وترهيبا بإسكانهم السجون تارة أخرى. ليتحول دورهم من معبرين للناس عما أشكل عليهم فهمه فيما يتعلق بالعبادات إلى موجهين للناس في القضايا السياسية، وليتحول رأي العالم البشري في قضية سياسية إلى “رأي شرعي” يجب اتباعه و “ما يجب على المسلم فعله” حيال هذه القضايا السياسة. وبذا يتحول هذا الفعل البشري الاعتيادي عند العالم إلى دين عند العامي يعني عدم اتباعه والعمل به وجود خلل في العلاقة بين الإنسان وخالقه. وبذا أيضا يتم توجيه العوام إما نحو العنف أو السلم في التعامل مع الأحداث السياسية، وبذا أيضا تصبح الجموع البشرية أداة في يد االسياسيين يحققون بها أهدافهم السياسية.

إذا فجذر المشكلة الطائفية في العالم الإسلامي اليوم هو ارتباط السياسي بالمقدس الديني، الأمر الذي أكسب السياسي قداسة فأصبح بالتالي “المقدس السياسي”. استفحل هذا الارتباط بينهما إلى الحد الذي تؤثر قوة أو ضعف كل منهما على الاخر، فالمقدس السياسي بحاجة إلى تقوية المقدس الديني لتمكينه من إخضاع أكبر قدر من التابعين له، والمقدس الديني بحاجة إلى تقوية المقدس السياسي لتوفير الغطاء القانوني والمادي والإعلامي لممارساته التبشيرية والتي وصلت إلى الحد الذي أدى إلى العنف الذي نشهده اليوم. فالعنف الطائفي في جوهره هو عنف سياسي لا دخل لله به، فالله لا ينتمي إلى طائفة، ولا نحتاج نحن إلى وكالة سياسية للوصول إليه وإرضائه، تعالى الله عما يصفون علوا كبيرا.

وهنا يجب أن نعي أن ارتباط المقدس السياسي بالمقدس الديني لا يعني بالضرورة هيمنة الأول على الأخير، فقد يقوم المقدس الديني باستجلاب السياسي ومن ثم إضفاء القداسة عليه والهيمنة عليه، بحيث يصبح المقدس الديني مرجعا للمقدس السياسي يستمد منه التوجيه نحو القضايا السياسية، وهذا الأمر أخطر، حيث لا يكتفي المقدس الديني بتوجيه الجموع، بل يقوم أيضا بتوجيه السياسات العامة، وهو ما يقوم به دور “المرشد” في الحركات والتنظيمات السياسية الإسلامية. خطر الولاء السياسي المبني على الدين هو أنه يغيب عقل السياسي عن مصلحة المجتمع أو الحزب الذي يمثله لصالح ما يراه “المرشد” أمرا إلهيا وبالتالي فهو ينفذ رغبة الله. هذا المبدأ هو ذاته المبدأ الذي تعاملت به أوروبا في القرون الوسطى في حروبها الصليبية الدموية، ولم تتخلص منه إلا بفك ارتباط المقدس الديني بالمقدس السياسي وإفساح المجال لحركات التنوير التي لا تنقض الإيمان ولا تتعارض معه.

لن تنتهي الأزمة الطائفية إلا بفك الارتباط بين المقدس السياسي والمقدس الديني بحيث يتحقق التمايز بين القوالب السياسية والقوالب الدينية، الأمر الذي سيجعل من التعامل معها لحل الخلافات الظاهرة أقل تعقيدا. فالدول التي تستخدم الطائفية للترويج لأجندتها السياسية سرا وعلانية يجب أن تفك هذا الارتباط بخطوات عملية حقيقية على أرض الواقع أهمها تعزيز الشعور بالمواطنة بخطوات يشرك فيها المواطن في اتخاذ القرارات التي تتعلق بمصيره ومصير بلاده، بحيث لا يشعر المواطن بالحاجة إلى المقدس الديني ليحدد له نوعية علاقته بالدولة التي ينتمي إليها. والمواطنة الحقيقية لا يمكن أن تكون وفق حسابات طائفية تضطهد فيها الأقليات في تلك الدول، بل يجب أن تحمى حقوقها في ممارسة عبادتها دون تضييق من قبل الدولة أو من بعض أفراد المجتمع. أيضا لا بد من إيقاف خطابات الكراهية والتحريض ضد الاخر المختلف في وكل وسائل التواصل الإعلامي. فلا يعقل أن تدعي دولة أنها تسعى إلى السلام في المنطقة في الوقت الذي يقوم فيه إعلامها الرسمي بوصف جارة لها بأنها دول معتدية وإرهابية، لا يمكن للإعلام – خاصا كان أو رسميا – أن يمارس دور المحرض ومن ثم يتنصل عن مسؤوليته تجاه أي عنف يحصل ضد من حرض ضدهم. أيضا لا بد من إيقاف الحملات المذهبية التبشيرية التي ترعاها بعض دول المنطقة إقليما ودوليا، فهذه الحملات التبشيرية لا تقوم إلا على تكفير الاخر، والحكم بقتله في بعض الأحيان، فعندما ترعى الدول هذه الحملات التبشيرية فإنها بشكل مباشر ترعى المزيد من الاستقطاب الطائفي. والأهم من كل هذا لا بد من وقف دعم التنظيمات والمليشيات التي ترتكب جرائم بحق الأبرياء، وأيضا وقف دعم الحكومات الدموية المجرمة والتي ما فتئت تمطر الموت على شعوبها وتجرهم نحو ويلات الحروب والتشرد واللجوء في أصقاع الأرض. إن مواجهة الإرهاب لا يكون بدعم إرهاب مضاد له، وإن كان لا بد من تدخل عسكري فلا يكون بدعم المليشيات التي ترتكب بدورها جرائم أخرى، وإنما يكون بتدخل جيوش نظامية تسعى إلى انتشال الانسان مما يقع عليه من ظلم.

 

إننا اليوم أمام تحد حقيقي حيال الوضع الأمني ليس في المنطقة فحسب، بل في بيوتنا ومساجدنا ومحلات تبضعنا. ما عادت الجرائم التي تقع على أشقائنا ببعيدة عنا، ويجب على الأجهزة الأمنية والعسكرية في بلداننا أن تركز النظر على من يسعى إلى إذكاء نار الفرقة والخلاف والشحن المذهبي والطائفي، وليس على حساب مجموعة ترغب في قراءة كتاب أو مناقشة قانون. لم أسمع إلى الان أن شخصا تابع برنامجا يوتيوبيا ساخرا، أو قرأ رواية، ذهب لتفجير نفسه في جمع من المصلين، لكنني سمعت عن أشخاص بلا هدف في الحياة، ولا شعور بالانتماء إلى أوطانهم، غسلت أدمغتهم عن طريق “علماء الدم”، التحقوا بحركات تكفيرية فاصبحوا لبلدانهم قنابل موقوتة، تنتظر أن تنفجر في أي وقت. فلتصحوا الدول على جرس الإنذار قبل أن تصحوا على صوت الأحزمة الناسفة.

0 2793 27 يونيو, 2015 الستون, سياسة يونيو 27, 2015
Avatar

عن الكاتب

رئيس تحرير مجلة الفلق الإلكترونية

عرض كل المواضيع التي كتبها المعتصم البهلاني

2 comments

  1. Avatar
    هيثم

    ذكرني هذا المقال بصكوك الغفران التي يبيعها القساوسة للمغرر بهم كي يدخلو الجنة.

    Reply
  2. Avatar
    أبوعبدالملك

    أصبح الوضع الآن أكثر تعقيداً عمّا كان عليه قبل الحربين السورية واليمنية، ربما كان دور الارتباط المصلحي السياسي الديني هي القاعدة التي انطلقت منها هذه المصائب، إلا أن الوضع أصبح مختلفاً، فالتنظيمات الإرهابية – بمختلف تصنيفاتها ومذاهبها – أصبحت تتلقى الدعم من الخصوم السياسين، فلا مسوّغ أن يهدئ أي طرف التأجيج المذهبي الذي أصبح الوقود الذي يغذي التنظيمات الإرهابية للقيام بالوكالة في تحقيق أهداف اللاعبين الكبار.
    والمتابع للأخبار يسمع -صدقاً كان أو كذبا – عن اتفاقات من تحت الطاولة بين النظام السوري وداعش لضرب التنظيمات المتطرفة الأخرى مقابل تمكين داعش في مناطق محددة، وأخبارا عن تسهيلات سعودية لداعش في اليمن لمجابهة الحوثيين، وغيرها من التحالفات الشيطانية التي لا تتفق مع العداء المعلن بين الأطراف.
    كما أن هناك من النفاق السياسي لدول التأثير المالي ما يتكشف بوماً بعد يوم، فكم من دولة خليجية غنية أبدت معارضتها للنظام السوري وهي تدعمه في الخفاء، وأخرى تدعم الإخوان وأخرى تدعم تحزباً آخر ولو كان لعدو لدود.

    صدق الله إذ يقول، والوصف ينطبق على أمة المسلمين اليوم :”لَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ “

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.