دين الإرهاب

لـ

كان يمكن أن يكون الدكتور أيمن على رأس عيادته الطبية في القاهرة، يستقبل مرضاه ويتابع حالتهم الصحية ويأوي في المساء إلى بيته وعائلته، أو لربما في هذا العمر كانت عيادة الدكتور أيمن عيادة مشهورة، بسبب ورع وتقى الدكتور ولأنه رجل يخاف الله، ولربما أيضاً كان للدكتور مسجد يلقي فيه محاضراته بين صلاتي المغرب والعشاء، لكن هذا الخيار لم يعد ممكناً اليوم، لأن الدكتور أيمن أصبح هو أيمن الظواهري الرجل الأول في تنظيم القاعدة اليوم.

لم يولد أيمن الظواهري في أفغانستان، ولم يتخرج من جامعاتها أو سجونها، بل في القاهرة، كان يمكن بكل بساطة أن يجد الظواهري ضالته في التغيير والتعبير عن آراءه وفق حدود القانون داخل مصر، فقط لو كان النظام المصري آنذاك يؤمن بالعدالة والحق في التعبير والمشاركة السياسية والنزاهة، فقط لو كان النظام المصري آنذاك غير مؤمن بأساليب الدولة البوليسية والقمع، وفقط لو كان النظام المصري يدرك آنذاك بأن تطرف المؤسسة يلد بالتأكيد ظواهر التطرف بكافة اشكالها. ولننظر فقط لعدد الذين انضموا لتنظيم داعش من مصر في الفترة الأخيرة يائسين من التغيير السلمي، موافقين على التضحية بأنفسهم من اجل التغيير بالقوة، ولو بعد حين.

كان يمكن أيضاً ان يكون أسامة بن لادن يتنقل اليوم بين مشاريع شركاته وتجارته في العواصم الخليجية والعربية والعالمية، كأي رجل أعمال سعودي صاحب شركات عالمية، لكن ذلك الخيار لم يعد خياراً ممكناً كما نعلم جميعاً.
إن ما ينطبق على قادة تنظيم القاعدة ينطبق على كل أفراد التنظيمات الوليدة منها. والسؤال هو ما الذي حرف مسار النظام الطبيعي للأشياء إلى النظام المتطرف؟

كيف يولد التطرف؟
التطرف وليد التطرف، فالعيش تحت ظل نظام متطرف ضد خصومه يخلق بالتأكيد أرضاً خصبة لكل أنواع التطرف التي ستنمو دون توقف كالحشائش، الأنظمة المغلقة على ذاتها تلد التطرف والإرهاب، والأنظمة التي لا تعترف بالحق في الاختلاف وتخنقه في مهده إنما تربي وحشاً أكبر داخل مواطنيها، وحشاً أكبر من مجرد المعارض السياسي أو الأحزاب السياسية أو المثقف أو الناشط الحقوقي، أو المحقق الصحفي، أو كاتب المقال، بل هي تحول بتطرفها الناس البسطاء الى مشاريع إرهابية ، وكلما اشتد الخناق البوليسي والمخابراتي كلما كان التفريخ أسرع.

التطرف الطبيعي موجود، لكنه حالة مؤقتة غير مؤذية، يمكن أن نأخذ تطرف مشجعي الفرق الرياضية كمثال، لكن ذلك التطرف تحت السيطرة، إنه لا يهدف إلى زعزعزة الأمن، وإذا اختل الأمن فإنه شيء غير مقصود ومتعمد لدى الجمهور، بل هو مجرد تعبير عن حالة من الهيجان الداخلي تجد مسرحاً للتمثيل والتعبير.
التطرف الديني أيضاً موجود، لكنه أيضاً حالة مؤقتة وغير مؤذية، متى ما كان يعترف بالقانون العام وبالأعراف العامة، ولقد تعايش الناس مع بعضهم البعض على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، خاصة في الشرق، ولا أدل اليوم من دول الخليج نفسها التي يرتادها الناس من مختلف الأماكن والثقافات والأديان والمعتقدات ولا تخرج الامور حتى في الحوادث المؤسفة عن حدود النظام العام، وفي حد علمي لم تسجل حوادث كراهية منشورة ومعلنة. في حين تسجل مثل تلك الحوادث بشكل دوري في بلدان تحسب على انها متقدمة.
التطرف السياسي هو المعضلة الحقيقية اليوم، وبسبب الأصولية السياسية، لا الدينية، يقع ما يقع اليوم من تفجيرات وتهديدات ومخاطر محدقة، والأنظمة هي المعنية بهذه المشكلة مباشرة لأنها موجهة ضدها هي، كأنظمة سياسية، وليست الدعاوي المذهبية والدينية إلا وقوداً للتأجيج، وستاراً للحركة الشاملة. التفجيرات التي تستهدف الشيعة من المؤكد أنها لن تزعزع الشيعة عن مذهبهم بل ستزيدهم تمسكاً به، وذلك ينطبق على أي أقلية مذهبية تُستهدف أينما كانت، فكلما ازدادت المخاطر ازداد تماسك الأقليات بل وازداد تمسك الأجيال الجديدة والشابة، المتمردة عادة، بالتقاليد، وازداد تشبثها بالأصول والأعراف، فالخطر يوحد.
خطاب التطرف والإرهاب الأصولي يستخدم اليوم تقنيات الجماعات المسلحة التي تريد أن تسقط الأنظمة وتستولي عليها، وهذا ما حدث في العراق، استطاع تنظيم داعش أن يستغل الحالة السيئة التي عانى منها السنة في العراق، ويحولها بالتالي لخدمة وجوده، تحولت الحالة السياسية العامة للبلد من نظام دولة قائم على المساواة الى شكل مذهبي مكون من شيعة وسنة، والتعامل البوليسي للاحتلال الأمريكي ولحكومة المالكي من بعده مع مطالب السنة الثائرين حوّل جزءاً كبيراً من طاقاتها لتنصب مباشرة في خدمة أجندة التنظيم، وبالتالي سقطت الموصل. لأن هناك في الداخل مظلمة حقيقية لم ترفع عن السنة الذين وجدوا أنفسهم في موضع الأقلية، وتعرضوا للمعاملة التمييزية من قبل النظام والدولة.
نفس المشكلة هي ما يراد تصعيده في سوريه اليوم وهو التحول من صيغة المواطنة الى الصيغة المذهبية، فلا سؤال عن المواطنة وما فائدة الوطن في الاقتتال الأهلي، بل السؤال عن المذهبية، ما هو مذهبك؟ لا من أين أنت؟ ما هي أرضيتك الدينية لا ما هي أرضك الأم، وهكذا يتم الفرز مسبقاً، لأن الحصّادة قادمة في أثر الفرّازة.
تحويل مذاهب الناس وأديانهم بالقوة إنما هو ظاهر الأمر من أجل الوصول إلى الإطاحة بكرسي النظام، فهي حالة ثورية متأججة ضد النظام الإقليمي والعالمي، وأمريكا وبريطانيا بالذات، وإسرائيل، بسبب الكوارث التي تعرضت لها المنطقة، نتيجة حالة عدائية ضد الأنظمة السياسية، ولأن الأنظمة السياسية لا يمكن الوصول إليها مباشرة فيتم الاستعاضة عنها بالأهداف السهلة والافراد الذين ينتمون إليها، لطلب فديات كبيرة أو لخلق حالة من الفوضى وعدم استتباب الأمن.

لن يصد داعش (الا طحين أبو عزرائيل) بل بالعكس يعزز ذلك من نمو داعش وتحولها الى شكل شيعي جديد، لأن تلك المواجهة تخلق بالضرورة تصوراً أن الحشد الشعبي الشيعي هو المنتصر على الحشد الشعبي السني المضاد وبالتالي مليشيات ضد مليشيات، خارج تصور النظام والدولة والجيش، بل بالطريقة المتطرفة نفسها، والتي لن تحصد إلا المذابح المتطرفة كما هو واضح.
لم ولن يجدي استهداف رجال القاعدة ورؤسائها في أفغانستان أو باكستان أو اليمن -تم اغتيال ثلاثة قادة إلى الآن- أو العراق أو أي مكان آخر، ما لم يحدث تغيير حقيقي، جذري، في دين الأنظمة العربية، وستظل المساجد والأسواق مهددة بالتفجيرات ما دام خطاب الأنظمة تكفيرياً يهاجم المعارضين ويطاردهم ويحبسهم في السجون، ذلك أن الخطاب المتطرف خطاب يقتات من تطرف الأنظمة التي يستهدفها، وشبح داعش سيبقى كالظل مخيماً فوق الجميع، ما لم تبدأ الأنظمة في التغلب على (داعش التي داخلها)، لتغيير موقفها المتطرف من التغيير ومن حرية التعبير والمشاركة السياسية.

ليست مشكلة الارهاب مشكلة تخص المنطقة الدينية نفسها، رجال الدين يجدون انفسهم في حيرة اليوم لأن كل خطبهم عن الاعتدال تذهب أدراج الرياح، ببساطة لأن خطاب التطرف لا يستمد وجوده الفعلي من الدين، حتى لو استمد حججه منه، بل وجود التطرف مستمد من السخط على الأنظمة القائمة وانعدام العدالة وتفشي الفساد، وحوادث التفجيرات لم تعد مجرد جرس منذر، بل هي نار مشتعلة تؤكد أن التغيير أصبح ضرورة حتمية ملحة، التغيير الجذري الحقيقي لا السطحي الشكلي، لأن زج المنتقدين والمعترضين في السجون وملاحقتهم بتهم تهديد امن الدولة لم يعد حلاً، بل أصبح من مظاهر الأزمة نفسها.
للإرهاب دين، ودينه هو السياسة، وغرضه المعلن الذي لا يواربه هو السلطة والقوة. وبالنسبة إليه فالغاية تبرر الوسيلة. وهي مناطق عقائدية مشتركة مع كثير من الانظمة، او بالأحرى دين مشترك.

0 2310 06 يوليو, 2015 الحادي والستون, سياسة يوليو 6, 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.