(ما ملكت أيمانكم) بين مآلات القرآن والتاريخ

لـ

(قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) الزمر:28، عربية القرآن هي تعبيره الواضح البين السُنني عن دقائق الإنسان والطبيعة والغيب، وعربية القرآن كالعُرُب الأتراب في الجنة في الوضوح والانسجام، والجذر (عرب) في لسان القرآن يدل على الدقة السُننية، واللسان العربي بسُننيته هو من أعطى شعوب المنطقة وقبائلها هويتها العربية.
الطبيعة السُننية لآيات القرآن تقتضي سريانها في أدق مكوناته وأكبرها، وإلا كان عاجزاً عن التعبير عن الإنسان والطبيعة والغيب، وسُننية لسان القرآن تقتضي أنه كلمة واحدة محكمة، وبالتالي يشكل بذاته نظاماً داخلياً متكاملاً، بيَّن بنفسه مبيِّن لغيره، وقدرته على بيان نفسه وغيره ترجع إلى سُننيته في تعبيره.
وجذر الكلمة القرآنية يربط جميع اشتقاقاته برابط واحد ينظم استعمالاتها المتعددة، لأن الجذر الواحد يرجع إلى أصل سُنني في التكوين الجزئي والكلي لمختلف اشتقاقاته، فالألفاظ القرآنية ليست جزراً متباعدة مبعثرة في المحيط، بل هي أراض تربطها طرق وأنفاق وجسور ووسائل اتصالات.

-2-
(ما مَلكت أَيمانكم) تعبير قرآني عامله الجمع (الروائي/اللغوي) على أنه من أعراف الرق، وصار هذا الفهم التاريخي هو الشائع في الفقه، وهو يتركب من:
1. (ملكت)، ومُلك الشيء يكون:
– بحيازته
– أو السيطرة الفعلية عليه دون حيازة
في القرآن (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ) المائدة:20، والملوك لا يحوزون الناس، بل يسيطرون على الموارد ويديرون شؤون الناس، وآيات الكتاب تخاطب في الإنسان إرادته الحرة المستقلة، وحيازة الإنسان بحيث يصير عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء تفقده إنسانيته وقدرته على الاختيار، وهو ما يتنافى مع طبيعة الإنسان الذي خاطبته آيات الكتاب.
2. (أَيمانكم) جمع يمين؛ واليمين في الاستعمال القرآني تدل على ديمومة القوة والطاقة.
المقطع الأول من (يمين) هو (يم)؛ وعبر به القرآن عن المسطح المائي بما لمياهه من قوة وطاقة (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ) الأعراف:136.
ونسب المفسرون واللغويون هذا المعنى لليمين إلى الجمع اللغوي()، قال الطبري: (اليمين القوة والقدرة في كلام العرب، ومنه قول الشاعر: إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين، يعني بالقوة والقدرة، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل)().
والتعبير باليمين والأَيمان في القرآن ارتبط بديمومة القوة المؤثرة في نسبتها إلى الله والبشر، وهو المعنى الذي يجمع كافة استعمالات (يمين/أَيمان):
أ. نسبة (يمين) إلى الله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الزمر:67
نسبة اليمين إلى الله؛ فيه نسبة معاني القوة والقدرة إليه سبحانه في تصريف الكون، وقد ذهب قطاع فقهي عريض إلى هذا الرأي في تأويل (بِيَمِينِهِ)، فقالوا: أي ذاهبات فانيات بقدرته، فاليمين ملكه أو قدرته().
ب. نسبة (يمين) إلى البشر: (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) الصافات:93
نسبة اليمين إلى البشر؛ دال على بذل قوة وطاقة في الأداء، وذهب إلى هذا المعنى بعض أهل العربية؛ بمعنى فراغ عليهم ضرباً بالقوة والقدرة، فاليمين في هذا الموضع القوة().
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ، قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ، قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ) الصافات:27-30
(تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) اليمين يعبر عن القوة والطاقة، فيمكن القول إن الظالمين كانوا يأتون الذين يضلونهم من قبل اليمين من موارد الحياة كالسلطة والمال والمكاسب الاجتماعية، وبعبارة الزجَّاج: كنتم تخْدعوننا بأقوى الأسباب()، وهذه الموارد أو الأسباب لها تأثيرها القوي في إضلال الناس بوعي منهم أو بدون وعي.
ج. (أَيمان) جمع (يمين)، وتدل في كل استعمالاتها في القرآن على موارد القوة والطاقة في الحياة بمختلف أشكالها، وقد حصرها الجمع الروائي اللغوي في معنى الحَلِف، فـ”ما مَلكت أَيمانكم” لديه تعني ما ينفذ فيه أقسامكم، جعله من يمين الحَلِف لا يمين الجارحة().
وحصر تفسير (أَيمان) بالحَلِف لا يستقيم مع معنى الجذر (يَمَنَ) في الجمع اللغوي المتسع لمختلف أشكال وموارد القوة والطاقة في الحياة، وسبب هذا الحصر الذي تصوره الفقه يرجع إلى تقديس أفهام تاريخية أنشأته، وصار الفقه عاجزاً عن الانفكاك من عهدتها، رغم ما تسببه من انسداد مآلات آيات الكتاب.

-3-
(أَيمان) جمع (يمين)، والمفسرون عندما تعاملوا مع لفظة (يمين) عرضوا معنى القوة والقدرة الشائع في الجمع اللغوي، لكن مع (أَيمان) كانوا يغفلون هذا المعنى، ويصرون على حصر (أَيمان) في الحلف أو القسم، ومن أمثلة ذلك:
أ. جمع القرآن بين القسم بالله والأَيمان في سياق موضوع واحد هو الإشهاد على الوصية عند حضور الموت (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ، فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ، ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) المائدة:106-108.
في الآية؛ الشاهدان على الوصية يقسمان بالله على شهادتهما، ويُستبدلان بآخرين إن عثر على أنهما استحقا إثماً، ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، أو أن يخافوا أن ترد أَيمان بعد أًيمانهم، وقد قالوا بأن الأَيمان هنا بمعنى القسم بالله الوارد في السياق().
والصواب أن المغايرة بين القسم والأَيمان في سياق موضوع واحد يدل على أنهما ليسا بنفس المعنى، فالقسم قوة قادرة على الفصل، وهي تصدر من البشر في إثبات أو نفي وقائع بعينها، وهذه القوة مستمدة من الاستعانة بالله خالق الوجود في الاحتكام إلى الضمير.
وهذا المعنى للقسم نعقل به الآية (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) البلد:1 فالقسم قوة قادرة على الفصل (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الزخرف:32 والله تعالى لا يحتاج إلى أحد حتى يقسم معه في أي شأن، ومنها شأن هذا البلد.
(لَا أُقْسِمُ) ينفي القرآن أن يقسم مع الله أحد للفصل في أمر هذا البلد، فهو سبحانه غير محتاج إلى أحد، وقد احتار فيها الفقه من قديم، حتى وصل الأمر بقطاع منه إلى القول بأن (لا) زائدة!، والمعنى عنده (أُقْسِمُ) لأن (لا) زائدة!.
والأَيمان الواردة في سياق الموضوع (ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) لا تعني القسم، والمعنى أن استبدال الشاهدين على الوصية بآخرين عند استحقاقهما الإثم مدعاة أن يأتي الشهود بشهادتهم على وجهها أو يخافوا أن تُرد أَيمان بعد أَيمانهم، والأَيمان هي موارد القوة والطاقة، ورد الأَيمان هو صيرورتها في اتجاه معين.
– (أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ) أي أن ترد موارد القوة والطاقة (=مصالحهم) لدى الشاهدين، أي ستصير باتجاه معين بسبب استحقاقهما الإثم، لأن استبعادهم من الشهادة لاستحقاقهما الإثم مؤثر على سمعتهم واعتبارهم الأدبي في المجتمع، مما ينعكس على مصالحهم في الحياة.
– (بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) أي بعد اختيارهم للإتيان بالشهادة وإثبات بنود الوصية بالقسم، وهذه الواجبات من الأَيمان، أي من موارد القوة والطاقة في النظام التشريعي والقضائي.

ب. (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة:89.
آية أخرى حصر فيها الفقه (الأَيمان) في الحلف، وهي تنفي المؤاخذة على اللغو في الأَيمان، والأَيمان هي موارد القوة والطاقة في الحياة فيعتريها اللغو، واللغو لا يقتصر على القول باللسان؛ بل يمتد ليشمل المكتوب والأفعال وغيرها من الأشكال التي تتمظهر في الوجود، لذا أُمِر المؤمنون بالإعراض عن كافة أشكال اللغو (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) المؤمنون:3.
من الأَيمان النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهذا النفوذ يعتريه بحكم حركة الحياة لغو لا طائل من ورائه، وهذا لا يؤاخذ عليه الإنسان، المؤاخذ عليه ما عقَّدتم الأَيمان، أي ما عقد عليه بأية طريقة جادة ملزمة كعُقدة النكاح (وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) البقرة:235.
السؤال: ما علاقة الأَيمان بالكفارة؟
في نفس الآية (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ) تفريق واضح بين الأَيمان والحلف، وكفارة الأَيمان تلزم بأحد طريقين:
– (بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ) بأي وسيلة يتم بها التعقيد
– (كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) إذا كان الحلف هو وسيلة تعقيد الأَيمان
أي أن الكفارة تلزم بتعقيد موارد القوة والطاقة في الحياة بالحلف أو بغيره من الوسائل، كأن يعد المترشح للبرلمان ناخبيه بأمر، ثم يتبين له بعد الفوز بالعضوية أن الموعود به ليس في استطاعته، ولذلك كان الأمر بحفظ الأَيمان، أي بحفظ موارد القوة والطاقة في الحياة بعدم عقدها بوعد أو حلف لا يقدر الإنسان على الوفاء بتبعاته.

ج. (وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النحل:94
(وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ) أَيمانكم هي موارد القوة والطاقة في الحياة، ونهى القرآن عن اتخاذها دخلاً بينكم، واختلف المفسرون في معنى الدخل على أقوال منها: الغرور، والغل، والغش، والحنث في الحلف، والغدر، والخيانة، والخديعة()، والصواب أنه لا يمكن حصر أشكال الدخل بين الناس، فالدَخل هو اندفاع مقصود في الحياة يأخذ أشكالاً لا حصر لها، وهذا ما تفرضه أحوال التداخل بين الناس بما يؤدي إلى أن تزل قدم بعد ثبوتها.
السياسي ورجل الاقتصاد والعالِم وكل من يملك قدراً ولو ضئيلاً من موارد القوة والطاقة في الحياة معرضون لاتخاذ مواردهم في حراك الحياة بما يؤدي أن تزل قدم بعد ثبوتها.

-4-
الملك تعبير عن السيطرة الفعلية، والجذر (يَمَنَ) دال في كل اشتقاقاته على ديمومة القوة والطاقة، فمصطلح (ما مَلكت أَيمانكم) يدل على ما سيطرتم عليه بفعل موارد قواكم وطاقتكم، ومحل هذه السيطرة هي الفئة المهمشة والمسحوقة اقتصادياً واجتماعياً بفعل التدافع البشري الذي غلب مصالح فئات على أخرى.
أ. (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) النحل:92.
اتخاذ الناس الأَيمان دخلاً بينهم يعني أنهم يتخذون من موارد القوة والطاقة في الحياة كالنفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي دخلاً يتشكل بأشكال متعددة في الحياة كاستغلال السلطة أو الفساد المالي والإداري أو الاحتكار أو الربا أو التعيين في الوظائف العامة على أسس غير عادلة، وهو ما يؤدي إلى أن تكون أُمة أربى من أُمة، وهو ما نطلق عليه اليوم بالتفاوت الطبقي بين أفراد المجتمع الواحد، وصور القرآن ذلك بالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، وهو تصوير لحالة تفكك أوصال المجتمع بنشأة الطبقية فيه.

ب. (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) النحل: 71.
اﻵية تتحدث عن فئتين في المجتمع:
– ما مَلكت أَيمانكم
– وتقابلها بمن فضلوا في الرزق
فئتان في المجتمع؛ واحدة فضلت بحكم حركة الحياة في الرزق وأخرى دونها، والمفَضَلة لا تريد أن ترد فضل الرزق على ما ملكت أيمانها حتى يكونوا سواء، وذيلت اﻵية بـ(أفبنعمة الله يجحدون) الذامة لسلوك الفئة المستأثرة بالرزق، وما يمكن أن نعقله من الآية أن ما مَلكت أَيمانكم فئة مهمشة مسحوقة اجتماعياً واقتصادياً في مواجهة من فضلوا في الرزق، ولا يوجد في اﻵية ما يربط ما مَلكت أَيمانكم بأعراف الرق.
ج. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) النور: 58
فئة ما مَلكت أَيمانكم تعاني أوضاعاً اجتماعية صعبة؛ تجعلها تعيش في بيوت اﻷسر التي تعمل لديها، فنبه القرآن على بعض اﻵداب التي تراعى في التعامل مع هذه اﻷسر، ولا يوجد في اﻵية ما يدل على ارتباط ما مَلكت أَيمانكم بأعراف الرق.
وهذه الفئة موجودة في كل زمان ومكان، القرآن في حديثه عن هذه الفئة لا يتحدث عن (عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) النحل:75، بل يتحدث عن موضوع اجتماعي يختص بفئة مهمشة ومسحوقة اجتماعياً.
د. (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) النساء: 25
في اﻵية السابقة فئتان:
– المحصنات المؤمنات
– الفتيات المؤمنات مما مَلكت أَيمانكم
(فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) النساء:25 وفيها كذلك تخفيف العقوبة إلى النصف إذا أتت الفاحشةَ الفتاةُ من فئة ما مَلكت أَيمانكم.
اﻵية تشير إلى خاصية جديدة لفئة ما مَلكت أَيمانكم فمع الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدهور؛ يصاحب ذلك تدهور أخلاقي ملحوظ أثراً ونتيجة له.
وهذه المغايرة في الآية بين وضعين:
-الوضع الطبيعي
-والوضع الطارئ المتدهور بحكم الاختلال الاجتماعي الاقتصادي الذي يؤثر بقوة على الجانب اﻷخلاقي.
وقد بين القرآن أن الفتيات المؤمنات مما مَلكت أَيمانكم يُنكَحن بإذن أهلهن ويؤتين أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان، وهذا يلغي ما قرره الفقه من جواز المعاشرة الجنسية للفتيات المؤمنات مما مَلكت أَيمانكم دون نكاح شرعي، استنادً إلى أعراف الرق (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) النساء:25.
وأهل الإنسان في القرآن هم أخص الناس به من زوج وأبناء وأرحام:
الزوج: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) القصص:29.
الأبناء: (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) العنكبوت:32.
الأخ: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي) طه:29-30.
الأقارب: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) النساء:35.
قال أحمد بن فارس: (وأهْل الرّجُل أخصُّ النّاسِ به، وَأهل البيت سُكَّانه، وَأهل الإسلام مَن يَدِينُ به)()، والأهل كلمة تدل على الأنس بالشيء والارتباط المعنوي به؛ سواء كان عائلة أو مكاناً أو غيرها، فأهل القرية يأنسون بها، وأهل البيت يأنسون ويرتحون بسكناه، ولعل هذا ما يفسر الآية: (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) هود:45-46 فرابطة الأهلية القائمة على الأنس والارتباط المعنوي بين نوح وابنه قد قطعها عمل الابن، وبذلك لم يعد ابنه من أهله.
والسؤال: لماذا اشترط القرآن إذنَ أهل الفتاة مما مَلكت أَيمانكم في النكاح (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ)، ولم يصرح بهذا الشرط في غيرهم من الفئات؟
لم يشترط القرآن صراحة إذن أهل النساء من غير ما مَلكت أَيمانكم، لكن توجد إشارات إلى ضرورة التوافق بين النساء وأهلهن، فقد نهى القرآن عن عضل النساء المطلقات عن نكاح أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعُروفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) البقرة: 232.
والنهي عن العضل فيه إشارة إلى دور الأهل في التشاور في مسألة نكاح النساء، والمسألة برمتها محالة إلى الاجتماع البشري، والنساء من هذه الفئة لها من القوة والظهير الاجتماعي ما يجعلها في الظروف الطبيعية منيعة عن الوقوع تحت طائلة الإكراه المادي أو المعنوي أو التغرير بها.
أما الفتاة من فئة ما مَلكت أَيمانكم فهي أكثر عرضة للإكراه أو التغرير أو الاستغلال بسبب الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردي، لذا اشترط القرآن إذن أهلهن للنكاح، لتقوية مركزهن الاجتماعي الضعيف، حتى لا يَكنَّ عرضة لإكراه أو تغرير أو استغلال من أي أحد بسبب الظرف الاجتماعي الصعب الذي يعشنه.

0 3214 13 أغسطس, 2015 الحادي والستون, ثقافة وفكر أغسطس 13, 2015

1 comment

  1. Avatar
    البوسعيدي

    الأحاديث لعبت لعبة التحريف في إسلامنا والغريب أن تصدق ويكذب كتاب الله بسببها والتاريخ المكذوب لغرض على رسول الله وصحابته

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.