بين مآلات القرآن والتاريخ،(تحرير/فك) رقبة

لـ

(رقبة/الرقاب) من الكلمات القرآنية التي قرأها الفقه بأعراف الرق السائدة قبل القرآن، وهذه الأعراف زمنية إقليمية، ومن الطبيعي أن ربط كلمات القرآن بها سيؤدي إلى الوصول إلى حالة انسداد بزوال هذه الأعراف من الاجتماع البشري، وهذا ما حصل فعلاً، فالرق بدأ ينحسر من العالم منذ أواخر القرن الثامن عشر إلى أن اختفى نهائياً بأعرافه القديمة، وصار الناس في العالم أجمع يعدونه أمراً قبيحاً مستهجناً يحط من منزلة الإنسان الذي كرمه الخالق عز وجل، وقوانين العالم اليوم تجرمه وتوقع عقوبات رادعة على المتاجرين بالبشر.
تُجرِّم المجتمعات المسلمة اليوم الرق في قوانينها، واجتماعها البشري يرفضه ولا يستسيغه، لكنها لا تزال تعده شرعياً في الفقه الذي يدرس في المدارس والكليات والجامعات، وهذا أوجد حالة من التناقض في نفوس الأجيال الناشئة، وكان من نتائج هذا التناقض ظهور حركة داعش التي هزت ضمير ووجدان العالم بإعلانها عن عودة أعراف السبي والرق إلى الحياة المعاصرة، وهذا الموقف ليس محصوراً في داعش، فهناك غيرها من يرون شرعية السبي والرق ولا مشكلة لديهم على أقل تقدير في عودتها في صلب الاجتماع البشري.

-2-
نزلت آيات الكتاب بخطاب (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) المجادلة:3، وهو خطاب ينصب على الحرية والإرادة، ومن أمثلته الأسر والمتاجرة بالبشر والرق وتسخير القُصر والبالغين في شبكات الدعارة وما شابهها من الرقاب التي غُلت حريتها بمختلف الوسائل.
و(تحرير) من الجذر (حر)، واستعمله القرآن في التعبير عن ظاهرة (الحَر) بمفهومها الفيزيائي (وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) التوبة:81، والحَر يتميز بأنه:
– لا يحدث فجأة، وإنما يتنامى ويتكرر مع استمرار ارتفاع زاوية ميلان الشمس صيفاً
– يؤدي إلى تمدد الأشياء
فالجذر (حر) مرتبط بالتعاظم والاتساع المتكرر، وهو يأخذ نفس المنحى مع (الحُر)، والحُر هو صاحب الإرادة المستقلة، فاستقلال الإرادة تعطي الإنسان تضخماً وتعاظماً في قراراته واختياراته، وهذا ما يمارسه طوال حياته، ورد في (المصنف) للكندي: (معنى “الحُر” الخالص لنفسه، ليس لأحد عليه متعلق)( )، وورد في القرآن على لسان امرأة عمران: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) آل عمران:35 فالتحرير هنا أفاد استقلال وخلوص ما في بطنها لله.
بينما (فَكُّ رَقَبَةٍ) البلد:13 ينصب على فك ارتباطها بشأن آخر، فالفك في الآية (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) البينة:1 مرتبط بشأن معين، أي لم يكونوا منفكين عن بعضهم حتى تأتيهم البينة، وهي الحجة عليهم، وبعد أن أتتهم البينة حصل الانفكاك فيما بينهم ثم تلتها الفرقة (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) البينة:4.
وقد رادف الجمع اللغوي بين تحرير رقبة وفكها ورَبَطَهُما بأعراف الرق، فـ(فَكُّ الرقبة: تـخـلـيصُها من إِسار الرِّق، وانْفَكَّت رقبته من الرق، وفَكَّ الرقبةَ يَفُكُّها فَكَّاً: أَعتقها، وهو من ذلك لأَنها فصلت من الرق)( )، و(تَحْرِيرُ الرقبة: عتقها)( )، وهذه المرادفة خلطت الأوراق وغيبت مآلات الألفاظ.
والصحيح أن الفك موضوع لا متعلق له بحرية الإنسان، بل هو متعلق بشأن آخر يفك تعلق واشتباك الرقبة بها، ومن أمثلة فك الرقبة: فك اشتباكها بالجهل والخرافة وتقديس البشر والسلوك الاجتماعي الشائن والسلوك الذي يعرقل تطور المجتمعات الإنسانية.
ومن الملاحظ أن الآيات التي تحدثت عن فك الرقبة (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) البلد:11-16 ذكرت صنفين من أصناف العقبة وهما:
أ. فك رقبة
ب. أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة.
والصورة متقابلة بين الصنفين:
أ. فك رقبة الذي يمثل الصورة المعنوية للعقبة
ب. وإطعام اليتيم والمسكين الذي يمثل الصورة المادية للعقبة.

-3-
(رقبة):
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) النساء:92
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) البلد:12-14
(رقبة) في القرآن إما أن تحرر أو تفك، و(رقبة) من الجذر (رقب)، ويمكن تقسيمه إلى مقطعين:
1. المقطع الأول: (رق)
المقطع (رق) ورد في القرآن (وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ) الطور:2-3، والرَق المنشور سُطر فيه الكتاب، وفسر الرق بالخامات التي يدون فيها الكتاب كالأديم الذي يكتب فيه الشيء أو الجلد أو الورق( )، وهذه الوسائل تتطور زمنياً، فالكتاب يسطر اليوم على الحاسب الآلي وأجهزة الهاتف وشرائح الذاكرة المحمولة، فهناك معنى أعمق للرق يتجاوز مجرد الخامات.
(رق) تعبير عن خاصية الضغط على الشيء بقوة ما، لذا يمكن تسطير الكتاب على الرق، وسمى الناس حيازة البشر رِقاً؛ لأن هؤلاء واقعون تحت ضغط اجتماعي/مادي احتواهم وسلبهم حريتهم وإرادتهم.
2. المقطع الثاني: (ب)
هو الحرف الثاني في الهجاء العربي وينطق هكذا (باء)، واستعمل القرآن هذا الحرف/الصوت في صورة فعل:
(أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) آل عمران:162
(وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الأنفال:16
مآلات الفعل/الصوت (باء) مأخوذة من حركته في الطبيعة، فالباء تنبثق انفجارياً عند النطق بها، (بَاء بِسَخْطٍ) (بَاء بِغَضَبٍ) باء أي انبثق بطبيعة انفجارية، ومعنى ذلك أنه تمظهر بشكل سيء وشنيع لتعرضه لسخط الله أو غضبه، بسبب عظم ما اقتُرِف.
وفي الجمع اللغوي (الباء والباءة) تعني الفعل الجنسي( )، وهو معنى صحيح، فطبيعة الفعل الجنسي انبثاق حيوي قوي يعبر عن الرغبة في الجنس الآخر.
وبجمع المقطعين (رق/ب) نحصل على:
المقطع الأول يدل على الضغط المؤدي إلى التقييد (رق)، ودخول الباء بطبيعتها الانفجارية يؤدي إلى انبثاق يحرر من هيمنة التقييد (رق)، فحركة الجذر (رقب) تفيد حركة انبثاق من التقييد.
ومن اشتقاقات الجذر (رقب) في القرآن:
1. (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ) القصص:18
(يَتَرَقَّبُ):
رق: قوة تضغط بشدة، وهي ما يمر به من ظروف عصيبة
ب: ثم ينبثق بموقف معين ملائم.
2. (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) هود:93
(ارتقبوا) (رَقِيبٌ) في نسبتها البشرية:
رق: عبارة عن قوة ضاغطة؛ تتمثل في ملاحظة زمنية لأعمال أولئك القوم
ب: ثم انبثاق بموقف معين ملائم.
3. (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا) الأحزاب:52
(رَّقِيبًا) في النسبة إلى الله:
رق: ملاحظة شاملة دقيقة للأشياء.
ب: انبثاق بموقف معين، يتمثل في تمظهر الإرادة الإلهية في عالم الشهادة.
في الجمع اللغوي:
(رقب: الراء والقاف والباء أصلٌ واحدٌ مطّرد، يدلُّ على انتصابٍ لمراعاةِ شيء.
من ذلك الرَّقِيب، وهو الحافِظ، يقال منه رَقَبْتُ أرْقُب رِقْبة وَرِقْباناً، وَالمَرْقَب: المكان العالي يقِفُ عليه النَّاظِر، وَالرَّقِيب: الموكَّل في الميسِر بالضَّريب. ومن ذلك اشتقاق الرَّقَبَةِ، لأنَّها منتَصِبَة، ولأنّ النّاظرَ لا بد ينتصب عند نظره، ويقال للمرأة التي ترقُب موتَ زوجها لِتَرِثَه: الرَّقوب).
ومثال المرأة الرقوب متوافق مع الحركة العامة للجذر (رقب)، فهي في حالة تقييد وانضغاط حتى لحظة وفاة الزوج التي تمثل لحظة الانبثاق.
ما يعقل من مآلات (رقبة) في القرآن؛ أنها ليست عضواً في الجسد، بل تعبير عن التطلع الإنساني للانفكاك من سيطرة (أشخاص/أفكار)، فهو يُوصِّف الحالة الإنسانية عند وقوعها تحت الهيمنة والسيطرة، مع وجود توجة للانفكاك من أسرها، فالقرآن باستعماله هذا التعبير الدقيق يعطي اللفظ مآلات لإلغاء هذه الأوضاع المهينة لكرامة الإنسان.
ومن أشكال الرقبة التي عرفت قديماً: الأسر والإقطاع والسُخرة والرق، والناس تستحدث باستمرار أشكالاً من الرقاب، ومن أشكالها في حياتنا المعاصرة:
– المتاجرة بالبشر، وقد عرف القانون العماني لمكافحة الاتجار بالبشر (126/2008) الاستغلال بأنه الاستخدام غير المشروع للشخص، ويشمل الدعارة وأي شكل من أشكال الاستغلال الجنسي أو السُخرة أو العمل قسراً أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو النزع غير المشروع للأعضاء.
– ومن أشكالها كذلك: استعمار الشعوب وسلب حريتها كاحتلال الصهاينة القادمين من أوروبا لفلسطين العربية، وتجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة، وتزويج القاصرات.

-4-
حصر الفقه كلمات (رقبة/الرقاب) في القرآن على العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، بناء على أحاديث نسبت إلى الرسول والصحابة ومن بعدهم، روى الربيع (672): أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن جارية لي ترعى غنماً، فجئتها، ففقدت شاة من الغنم، فسألتها، فقالت: أكلها الذئب. فأسفت عليها، وضجرت حتى لطمت وجهها، وعليَّ رقبة، أفاعتقها؟ فقال: إن هي جاءت فائت بها. فأتى بها الرجل، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ربك؟ فقالت: الله ربي. فقال: ومن نبيك؟ فقالت: أنت محمد رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل: أعتقها فإنها مؤمنة).
وروى الطبري في تفسيره: (عن عقبة بن عامر الجُهَنيّ، أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلّم قال: مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، فَهِيَ فِدَاؤُهُ مِنَ النَّارِ)( ).
وعند البخاري (6337) عن أبي هُريْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أعْتَقَ رقَبَةً مُسْلِمةً أعْتَقَ الله بِكلِّ عضْوٍ منه عضْوًا من النّار).
ولا يستبعد أن لبعض هذه الروايات أصل تاريخي صحيح، لكن حورت فقهياً لتتفق مع مفاهيم اجتماعية سائدة، فمآلات الرقبة أو الرقاب تتسع للرقيق وغيرهم ممن صاروا تحت الهيمنة والسيطرة.
يلاحظ في عموم الجمع (الروائي/اللغوي) حضور مصطلح (العتق) القادم من أعراف الرق، وغياب مصطلحات القرآن (تحرير/فك) بمآلاتها السُننية المتجددة، ومن أمثلة ذلك:
روى الربيع (308) عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام يوم عاشوراء كان كفارة لستين شهراً، وعتق عشر رقبات مؤمنات من ولد إسماعيل عليه السلام)
والبخاري (2448) عن ابن عمر قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلّم: (مَن أعتَقَ شِقْصاً لهُ مِن عبدٍ أو شِرْكاً، أو قال نَصيباً، وكان له ما يبلُغُ ثَمنَهُ بقيمةِ العَدلِ فهوَ عَتيقٌ، وإلاّ فقد عَتقَ منه ما عَتقَ).
وهذا المصطلح ساد الفقه من فترة مبكرة، قال أبو غانم الخراساني (ق:2-3 هـ): (قلت إنهم يجعلونهن حرائر إذا ولدن بعد موت ساداتهن، وإن لم يكن لهن من ساداتهن ولد حي. قال: فما وجه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “أعتقها ولدها” إلا أن يجعلوهن حرائر حين ولدن أولادهن في حياة ساداتهن، لأن ولدها هو الذي أعتقها، وإلا فما وجه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “أعتقها ولدها” حين ولدته؟)( ).

-5-
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا بادر الأوروبيون وهم في أوج نزعتهم الاستعمارية بإلغاء الرق من العالم ومحاربته؟ ولماذا لم تصدر المبادرة من المسلمين بإلغائه؟.
بدأ الأوروبيون بإلغاء الرق منذ أواخر القرن الثامن عشر عندما كانوا يستعمرون أجزاء واسعة من العالم، لكن كانت بلدانهم منتعشة بفلسفات تنويرية تصب لصالح الحرية الإنسانية، ولقيت هذه الفلسفات قبولاً اجتماعياً واسعاً، مما ضغط على صناع القرار وأقنعهم باتخاذ قرار تصفية جيوب الرق في بلدانهم وغيرها؛ لتسجيل منجز حضاري أخلاقي باسم هذه البلدان، فكل حضارة تحتاج إلى دعامات أخلاقية تقوم عليها وتطيل أمد تفوقها.
أما إلغاء الرق في البلدان الإسلامية ففرضته سياسات الأمر الواقع التي اقتضتها ضرورات تحديث المجتمعات بالقوانين المعاصرة، فقرارات الساسة بإلغاء الرق في هذه البلدان جاء نتيجة ضغوط سياسية من القوى العالمية المهيمنة، ولم يكن نتاج فلسفات لديها تدفع باتجاه بناء اجتماع بشري قائم على المساواة بين الناس وإلغاء الفوارق بينهم على أساس العرق واللون.
وقد لاقى إلغاء الرق في بداياته معارضة قوية من الفقهاء والقوى الاجتماعية النافذة، ورغم انحسار الرق اجتماعياً ووجود قوانين تجرمه لا تزال الجامعات والكليات والمعاهد والمدارس تدرس أن السبي والرق من أحكام الشريعة!!.
الاجتماع البشري قبل القرآن أقر الرق وعده من أعراف المجتمع، نزل القرآن بخطاب تحرير رقبة، والرق صورة من صور الرقاب في أشكالها المتجددة، وتحرير رقبة تتسع في مآلاتها لإلغاء الرق نهائياً والانتقال بالمجتمع إلى المساواة على أساس الإنسانية، بعد نزول القرآن لم يستطع الفقه الخروج من ضغط الواقع الاجتماعي؛ وبدلاً من التدرج في معالجة أعراف الرق وصولاً إلى تصفيتها نهائياً قرئت آيات الكتاب بتصديق وهيمنة أعراف الرق، فحَصَرَ الفقهُ تحرير رقبة بالمساحة التي أتاحتها أعراف الرق وهي العتق والمكاتبة.
ولا يزال قطاع عريض من الفقه اليوم يعد إلغاء الرق عملاً مخالفاً للشريعة، لأن الفقه لم يعرف سوى العتق والمكاتبة طريقين حصريين في تحرير الرقيق؛ أما إلغاء الرق فشيء جديد تماماً لم يعرفه الفقه في مدوناته التاريخية، لكن الحق أحق أن يتبع؛ فإلغاء الرق هو أحسن تأويل بمعارفنا وخبراتنا الزمنية لـ”تحرير رقبة”.

0 2920 06 سبتمبر, 2015 الثالث والستون, ثقافة وفكر سبتمبر 6, 2015

1 comment

  1. Avatar
    العقل المدبر

    ما الداعي لهذا التأويل المتكلف بشدة كبيرة للتفسير. تفصل حروف الكلمة ثم يضاف إليها معنى آخر (رق باء ). القرآن بيين وصريح ولا ينبغي التكلف في تفسيره على ما نريد. أما عن الموضوع بالفعل القرآن حارب الرق ولكن لا يمكن أن يلغيه دفعة واحدة في ذلك الزمن لأنه متفحل في المجتمع ولو ألغاه بقانون جملة كواحدة لما تبع الناس الدين في زمانهم. وكذلك لكثرة الحروب. ولا يمكن لجملة أسرى كثر من أصول الأعداء وهم الذين حاربوك أن تعطيهم الحرية وإلا لوهنت الدولة وضعفت.. وشتتوها من الداخل ولكن فترة تأخذ حريتهم ثم تحرر رقابهم معاملة بالمثل لما يفعل بالمسلمين الأسرى عند الأعداء. أما في زمننا هذا فالأولى بالمسلمين أن يقروا ويلتزموا ويلزموا بعدم الرق لأنه كما ذكر القرآن فك رقبة من الفضائل التي ينبغي الحرص عليها..

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.