عندما حضر النور ورحل أنور

لـ

تفاصيل الصباح في الشتاء قصيرة ، والنهار أيضا قصير ، كحياتك التي كانت قصيرة ، كعمر الشمعة التي تحترق لتضيء الأمل.
نعم يحل الظلام سريعا ، يأتي الليل ، الليل طويل، وما أصعب الانتظار في الظلمة ! . انتظار صباح آخر . صباحٌ قصير، ونهار آخر أقصر . وبعد طول انتظار حضر النور ولكن لم يحضر أنور .
رحل أنور بعد أن زرع الزهور، وترك حلقات من نور . زرع الزهور في البلدة ، زرع الزهور في المدينة ، زرع الزهور في نفوس من حوله ، زرعها في المساحات البيضاء من الأرض وفي الجبل . فاح عبيرها في التراب وبين البيوت وفي السماء .
رحل أنور عن حلقات النور التي تضيء بلدته القابعة في سهول الشرق . حلقات النور التي تضيء الطريق لهم ولنا ولعالمه الافتراضي المدهش . كان يعانق الحرف بقوة، ليحرث الأرض ويزرع الزهور ويسقها بماء المطر ويغذيها بالنور لتثمر وتؤتي أوكلها حتى لو بعد حين .
هكذا كان أنور عندما رحل في صباح قصير . رحل عن الزهور اليانعة وعن حلقات النور المضيئة . رحل عن فراغ الوجود القابع بين السماء والأرض.
رحل أنور لتنام الروح بسلام ، رحل بشكل مختلف تاركا النجوم وحيدة . لم تكن النجوم حزينة، بل كانت ترسل النور هنا وهناك لتبحث عنه روحه .
حضر النور الذي أرسلته النجوم ولكن لم يحضر أنور .
غاب هناك . قيل انه رحل مع أسراب الطيور البيضاء ، وقيل أنه نام هناك دون ضجيج . غادرت الروح مع الضياء في الصباح، ليبقى الجسد حيث الماء المقدس والتبر المقدس والرجاء.
رحل بعد أن أهدى إليَّ وإليهم التحية والسلام . رحل في حب وسلام . رحل بعد أن أهداني الدعاء. رحل وهو يسأل المغفرة من الخالق، ويسأل المعذرة من الخلق. رحل بعد أن بعثر صلوات العيد قبل العيد، وكأنه كان يعلم بأن روحه لن تدرك جل تفاصيل العيد .
رحل مع العيد الذي سيعود ولكن حتما دون أنور.
لا تحزن أنور
فقد رحلت في الصباح ، وأي صباح !؟ أنه صباح الأضحية . صباح ملائكي متماهي مع صوت العصافير ، وحشرجة صوت العجوز التي ترفعه بالتلبية. رحلت وقد لبّيت النداء . رحلت وأنت تقول “أن الحمد .. والنعمة ، لك والملك ، لا شريك لك”. رحلت وكان لك ما أردت . رحلت وأن تشكر النعم لصاحب النعم، رحلت وأنت تلبي النداء للخالق وصاحب الملك.
لا تحزن أنور
فهم يرحلون دون وداع ، وأنت ودعت كل الأشياء قبل الرحيل . ودعت الأرض والبلدة ، ودعت الزهور وحلقات النور ، ودعت الأرواح التي كانت تحوم حولك وتسألك الدعاء . ودعت التفاصيل والأمل . ودعت عالمك الافتراضي الملون. ودعت الحرف والحياة . ودعت الرموز والنسمات والجماد.
رغم أن حضورك كان سريعا، لكنك ودعت كل شيء وصليت لكل شيء.
يقولون ستعود من هناك كيوم ولدتك أمك ، وأنت ولدتُ هناك ورحلت أيضا هناك . ولادة دون مخاض ورحيل صامت وسط الضجيج .. وتدافع الأنفس.
لا تحزن أنور
فهم يرحلون دون استعداد ، أما انت فقد رحلت وأنت تحمل معك ما يُحمل إلى الرحيل الأخير . رحلت وأن ترافق الثوب الابيض ، رحلت وأنت متجرد من المخيط ومن الخطايا . رحلت دون متاع الدنيا. رحلت وأنت تحلم بالعالم الأبدي الآخر . رحلت وأنت بارا بصاحبة الفضل . فقد حملتها إلى هناك برا بها بعد أن حملتك إلى الوجود .
رحلت وأن تنشد الجنة من تحت أقدامها .
رحلت يا انور وياله من رحيل !!؟
ألم أقل لك أن رحيلك مختلف !!

لن انساك يا أنور ،
سأقرأ حرفك هناك …
سوف أنظر إلى الزهور التي زرعتها ، سوف أرشدهم إلى حلقات النور ، سوف أخبرهم عنك وعن رحيلك . سأقول لهم أنك كنت هنا ، وكنت هناك . سوف أسرد قصة الليل الطويل، والصباح القصير، والنهار المكتنز بالبرودة والدفء في آن واحد. سوف أخبرهم عن التدافع ، وأخبرهم عن شهيق الأرواح التي تلبي . سوف أخبرهم أيضا عن امتزاج الأمل بالرحيل. سوف أخبرهم عن الحب الذي تركته في القلوب ، وأخبرهم عن الحزن وعن انتظار النور …
فقد حضر النور … ولكن رحل انور.

0 2143 11 أكتوبر, 2015 أدب, الرابع والستون أكتوبر 11, 2015
Avatar

عن الكاتب

كاتب وأديب عماني

عرض كل المواضيع التي كتبها خليفة سليمان

1 comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.