برج الريح

لـ

انتصب أمام قلعة بهلا يتأمل سموقها الذاهب في السماء ويستلهم من بقائها أمام عوادي الدهر معاني الصمود ، ومن نضالها ضد المعتدين كرامة الموت عزيزا .
دفع بابها العتيق فانطبعت بصمات بنانه مع من حكمها من ملوك وأئمة وسلاطين وقادة على مر الزمان ، راح يمشي بين الجدران الساقطة والمنازل المهدمة ، كانت القلعة أشبه بمقاتل ألقى سلاحه بعد أن أثخنته الجراح .
دنا من عمال الترميم فوجدهم قد وضعوا معاولهم جانبا يجمعون بين أمرين استراحة لأجسادهم المنهكة وانتظارا للقادم الآن وهو مسؤول دائرة البلدية فقد طلبوا حضوره لأمر حاروا فيه .
قال رئيس العمال بعد الترحيب به :
– اعترض عمليات الحفر قبر مازالت عظام صاحبه باقية ، فالترميم لن يتم بأكمل وجه والرفات موجودة في مكانها .. ماذا سنفعل الآن .
بعد معاينة متأنية ونظرة فاحصة للموقع صرح المسؤول أن الرفات لطفل في العاشرة من العمر تقديرا ، مرجحا أن موضع الدفن ليس قبر رسمي بل هو دفن لأمر عارض حدث للطفل وهو في وضعية جلوس ! .
طلب مسؤول البلدية من العمال أن يرجئوا العمل حالما يتصل بمكتب الإفتاء ليستفتيهم في جواز نقل الرفات إلى مكان آخر .
كان هذا الحدث في تسعينيات القرن الماضي ، بالتحديد في بداية مشروع ترميم قلعة بهلا تحت رعاية وزارة التراث والثقافة في عهد جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم .

* * * * * * * *

كان صوتها عذبا رقيقا لهذا كان جدها الأعمى يستطيب تعليمها قراءة القرآن الكريم ومدارستها علوم التجويد .
إنها الطفلة جوخة انسلخت من العاشرة ، ذات وجه منبسط وعينين واسعتين ، دقيقة الجسم ، تمتاز بالفطنة والحركة الدؤوبة .
بعد أن أنهت قراءتها طبعت قبلة هادئة على رأس جدها ثم قالت :
– سأذهب لجمع البيض ثم التوجه حالا إلى القلعة ، وسأقابل أبي هناك .
اضطرب الجد وامتقع وجهه :
– بنيتي .. أخشى عليك تجدد قصف الطائرات للقلعة .
ردت جوخة بثقة :
– اطمئن يا جدي .. سأكون حذرة .
قال محاولا تبديد هالة القلق التي رانت عليه :
– توكلي على الله فهو خير الحافظين .

* * * * * * * *

في منتصف الخمسينيات أعدت حكومة السلطان سعيد بن تيمور حملة عسكرية بدعم من القوات البريطانية للإطاحة بنظام الإمامة الذي ظل يقتسم الدولة العمانية في حكم ذاتي حسب اتفاقية السيب عام 1920م .
كانت بهلا من المواقع المستهدفة من قبل الطيران الملكي البريطاني بقصد إخلاءها من الموالين للإمام غالب بعد سقوط عاصمتهم نزوى ثم ملاحقتهم بعد ذلك في الجبل الأخضر معقلهم الأخير .

* * * * * * * *

اتجهت الطفلة جوخة إلى مقن الدجاج ، جالت بنظرها داخله ، تراقص السرور على أهداب عينيها حين رأت وفرة البيض ، أخذت تجمعه وتنضده في المُخرافة* .
تسكن جوخة في حارة ” بستان خوخ ” التي تبعد عن قلعة بهلا ما لا يقل عن نصف ساعة سيرا على الأقدام .
بيدها الصغيرة أحكمت القبضة على سلة البيض ، أخذت تخطو خطوات متزنة ورشيقة ، سالكة طرقا مختصرة بين بيوت الطين وأشجار النخيل .
كانت الطرقات تخلو من المارة .. فالناس في وجل وأخبار الحرب شحيحة وما ينتظرهم يكتنفه الغموض ، وهدير الطائرات الحربية يرجفهم نهارا ويؤرقهم ليلا ، كل هذا جعلهم يعزفون عن الخروج من منازلهم إلا لحاجة ملحة .
اجتازت جوخة صباح الجصة ثم اخترقت حارة العقر إلى حارة الحوية ، حين وطئت أقدامها حارة الغزيلي القريبة من القلعة رأت الأهالي في حالة هلع ، ورجل يصرخ من بعيد يدعو إلى التربص في البيوت فأوجفت في نفسها خيفة فراحت تتعجل في خطواتها وهي لا تفقه سبب ما يحدث ، فجأة توقفت على صوت يصدر من نافذة بيت في الطابق الثاني ، كان المتحدث امرأة :
– هيه أنت .. ارجعي إلى بيتك أو أدخلي معنا فمهلة القصف قاربت على الانتهاء .. ألم تصلك المنشورات التحذيرية!? .
انتفضت جوخة ذعرا فاعتصمت بالصمت إلى أن ردت وهي تهز رأسها :
– لا أدري عنها شيئا .. سأعود إلى منزلي حالا .
أخذت تهرول بدون تحديد وجهة ، كانت الهواجس المرعبة للقصف تعصف برأسها ، حينها طاف في ذهنها تفاصيل الحادثة المفجعة التي وقعت حديثا ، فقد وجد صبي قذيفة حية ساقطة من إحدى الطائرات فحملها معه إلى أن وصل عند تجمع نسائي أشعلن نار الطبخ ، لسوء جهله رمى القذيفة في النار فانفجرت وتطايرت شظاياها فقتلت عددا منهن ! .
كانت حادثة مأساوية بحق ، جعلتها توقن أن الموت تارة نأتي به طوعا وتارة أخرى هو يأتي إلينا قهرا .
استفاقت من شرودها حين وجدت نفسها أمام باب القلعة ، وقفت مذهولة لا تدري كيف وصلت هنا بلا تدبير منها .
جوخة فتاة معروفة لدى كبار القادة وجميع حراس القلعة ، فأبوها حارس في برج الريح أحد أشهر الأبراج العملاقة ، وأيضا تموين البيض الذي ترسله بصفه متكررة إلى المقيمين فيها جعلا لها حظوة دخول القلعة بكل يسر .
شاهدها أحد الحراس ففتح الباب وقال لها بتوتر ظاهر :
– ابنتي .. القلعة ليست آمنة الآن ، عليك أن تذهبي بعيدا من هنا .
ردت جوخة باستعطاف وترج .. فقد اتخذت من رؤية أبيها حجة للولوج إلا أن رفض الحارس كان قاطعا حرصا على سلامتها فالقلعة تنتظر شرا وبيلا سيصيب كل من يتدرع بها .
خلال حديث الأثنين المشوب بالإصرار ، سمع الحارس أحد يناديه فالتفت بكامل جسده نحو المتكلم ، بعد أن رد على المنادي عاد مجددا للحديث إلى جوخة ، نظر أمامه فوجد مكانها فارغا وسلة البيض على الأرض ، عندها أيقن أنها عادت إلى بيتها .

* * * * * * * *

مر وقت قصير ثم أنشق السكون بصوت حاد لطائرة أعلنت بدء الحرب الجوية ، هاج من في القلعة وهرعوا إلى المخابئ الحصينة .
المدهش أن جوخة كانت تعدو في القلعة ! ، لقد استغلت انشغال الحارس في تلك اللحظة فانسلت إلى الداخل بدون أن يلحظها أحد وقد ساندها في ذلك صغر حجمها وانصراف حواس الجميع إلى أمر القصف المرتقب .
كانت تركض مرتجفة الأوصال خافقة القلب معروقة الجبين ، ظلت تبحث عن مكان يقيها القذائف إلى أن دخلت غرفة في مبنى كبير ، مسحت المكان بنظرة سريعة فاستشعرت الأمان في الروزنة* فصعدت عليها ، ضمت ساقيها وثنت فخذيها ثم حنت جذعها وأسندت رأسها على ركبتيها ، وأصابعها لا تفارق أذنيها .
ظلت مغمضة العينين إلا بين الفينة والأخرى كانت ترفع رأسها قليلا باتجاه الفَرخة* فتشاهد السماء محتـقنة غضبا مما يجري ثم ترسل بصرها نحو المُرق* فيظهر لها الفضاء مكفهرا من فوضى البشر .
كانت الهجمة الأولى صاعقة فالقذائف انهمرت على القلعة بعشوائية ثم لحقتها طائرة أخرى ونثرت سحائب الموت على الأبراج خاصة .
ظلت جوخة في مكانها ولسانها لا يفتر عن ذكر الله والدعاء أن يكلأها برعايته .
توقف القصف قليلا ثم أعقبه هجمة ثالثة عنيفة تركزت على جدار شاهق في القلعة حيث تقع أسفله الغرفة التي تقبع فيها جوخة .
لم يحتمل الجدار دك مدفع الطائرة فتهاوت قواعده وانهدت أركانه فهوى ساقطا من عليِائه ، فخر على الغرفة بكامل ثقله ! .
دوى صوت هائل مصحوب بسحابة كثيفة من الغبار حجبت معالم القلعة .
في ذات الوقت ثمة روح طاهرة بريئة تعرج إلى الملكوت الأعلى ، وفي الجانب الآخر أب مازال يرابط في برج الريح مصرا أن لا ينكث بيعته ، وفي الحارة البعيدة مسن يمسح دمعة تزحف على خده بعدما حدثه قلبه العامر بالإيمان أن حفيدته جوخة لن تعود إلى البيت مطلقا ولن يسمع تلاوتها الندية مرة أخرى ! .

* * * * * * * *

*المُخرافة : سلة مصنوعة من سعف النخيل لحمل الرطب وغيره .
* الروزنة : تجويف في الجدار يستخدم رفا أو منظرا جماليا .
* الفَرخة : فتحة في سقف الغرفة لدخول الضوء لطلب الإنارة والدفء .
* المُرق : فتحة أعلى جدار الغرفة للتهوية والتبريد .

0 2160 12 أكتوبر, 2015 أدب, الرابع والستون أكتوبر 12, 2015

1 comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.