السوق العُماني باعتباره إرث حضاري

لـ

تمثل بارزة أمام كل باحث معنيّ بواقع الحياة الاقتصادية والاجتماعية في التاريخ الاسلامي، وعلى وجه الخصوص الفترة الممتدة من القرن الأول إلى القرن الرابع الهجري، مشكلة معرفية حقيقية، ومنبع هذه المشكلة مرتبط بضآلة المعلومات ذات الصلة بحياة الناس العاديين وأنماط سلوكهم اليومية، لتغدو بذلك مهمة الباحث التدقيق في النصوص، على اختلاف مصادرها ومضانها، وإعادة قراءتها مرات متتالية، حتى تتكشف أمامه بعض ملامح هذا الفترة بالغة الأهمية، وتبيان الظروف الحياتية للإنسان المسلم وكذلك أتباع الديانات والملل والأعراق الأخرى المنتشرة في أي من أصقاع بلاد الإسلام.
السوق، باعتباره معلما اقتصاديا واجتماعيا مكوّن هام وضروري لأي من التجمعات المدنية المتطورة، وما من شك أن العرب قد عرفوا هذا المظهر بهذه الدلالة والوظيفة منذ القدم، حتى من قبل مجيء الاسلام، ولكن على نحو بسيط وغير مستقر في الأغلب، كما عرفت أيام الجاهلية ظاهرة السوق بدلالتها الثقافية، حيث تتبارى المواهب الشعرية والخطابية ضمن هذا الفضاء بفترات وأيام معلومة بالسنة. وكذا الحال بالنسبة للأسواق التجارية، حيث يتوافد التجار من مختلف القبائل على أماكن بعينها وفي أيام محددة بالسنة، يبيعون ويشترون من بعضهم، وهذا النمط من الأسواق عرفته العرب منذ القدم، حيث يتنقل أصحاب البضائع والسلع بها من مكان لآخر، وأنّى ينزلوا بأي من هذه الأمكنة فانهم يعقدوا بها سوقا لهم، أما الاماكن التي كانوا يتبادلون فيمت بينهم السلع والبضائع في تلك الحقبة الزمنية، فهي معروفة ومحددة، ذكرها الأديب والمؤرخ الاجتماعي ، أبو حيان التوحيدي في كتابه “الإمتاع والمؤانسة” بقوله:” ومما يدل على تحضّرهم(العرب) في باديتهم، وتبديهم في ترحالهم، وتحليهم بأشرف أحوال الأمرين، أسواقهم التي لهم في الجاهلية، مثل سوق دُومة الجندل “بين الشام والمدينة”، وسوق نجران والبحرين، ثم يرتحلون نحو عُمان فتقام أسواقهم بدبا ثم بصحار”.
ومع انتشار الإسلام في العديد من الأقاليم، شيدت العديد من المدن الجديدة، ورافق هذا الإنشاء تشكل مجتمعات جديدة، التي هي بالأساس امتداد طبيعي للمجتمع القبلي، وأخذت أنماط ثقافية جديدة بالانتشار، غير تلك التي كانت سائدة قبل انتشار الدين الجديد، وبدأت معالم حياة مدنية تتشكل على نحو جديد، بأبعادها الإقتصادية والإجتماعية على حد سواء.
كانت السمة العامة للأسواق في الأقاليم والأمصار الإسلامية بسيطة ومتواضعة بالمجمل، حيث يجتمع الناس وسط المدينة على نحو غير منتظم، وفي مكان مفتوح غير محدد ببناء يعرض كل بائع بضاعته لوقت محدد من النهار، أو حتى نفاذ البضاعة المعروضة، ثم ينتهي انعقاد السوق قبيل مغيب الشمس. ويبدو أن اختلافات كانت تنشأ حول أماكن الوقوف للباعة، أو أماكن عرض البضائع، حيث أخذ التنافس بالظهور على نحو تدريجي في سبيل حيازة المواقع الظاهرة أمام الناس والأماكن البارزة في السوق، وحسما للنزاع أو الخلاف فقد غدا هناك توافق على مبدأ غدا بمنزلة العرف الاقتصادي والاجتماعي، وهي القاعدة التي أرساها الخليفة عمر بن الخطاب في هذا الشأن، الذي قرر من أجل حسم هذا الخلاف مبدأ أولوية الحضور ورفض مبدأ أن يخصص أي من الباعة مكانا بعينه باعتباره ملكا له، أسوة بحضور المصلين الى المسجد، حيث قال:” الأسواق على سنة المساجد، من سبق إلى مقعد فهو له”.
ومع حالة التطور الصاعدة التي واكبت المدينة الإسلامية بكافة أرجائها، فان هذا التطور شمل كافة مناحي الحياة العامة وكافة الأنشطة الإنسانية، ومن جملة المرافق الخدمية التي واكبها التطور كانت الأسواق، التي بدأت تأخذ طابعها المستقل وطرازها المعماري الخاص بها، كما جرى التوافق على تشييدها بالقرب من دار الإمارة أو الإمامة، وأن تكون بالقرب من المسجد الكبير أو المسجد الجامع، ثم أخذت ظاهرة السوق المتخصص بالظهور على نحو تدريجي، فهذا سوق مخصص ببيع التوابل والبهارات، وآخر مخصص لبيع الخضار والفواكه، وثالث للحوم ورابع للأسماك، اضافة لأسواق المعادن والصياغة والصيرفة، الى غير ذلك من الأسواق المتخصصة.
ومن خلال قراءة متأنية لكتب الفقه العماني، التي دونت في القرنين الثالث والرابع الهجريين، مثل كتاب “التعارف” و”بيان الشرع” و”المصنف”، يمكن رسم صورة هي الأقرب للواقع التاريخي للحال التي كانت عليها الأسواق العمانية في الحقب التاريخية القديمة. ومن أهم المعالم التي يمكن استخلاصها من هذه النصوص:
يستخلص من كتب الفقه أن أكبر سوق بأرض عمان في هذه الحقبة تحديدا كانت سوق صحار، والتي كانت سواحلها مفتوحة أمام السفن التجارية المحملة بالبضائع من الهند أو بلاد فارس أو العراق. ولضيط عملية التبادل والبيع والشراء، ومعرفة الكميات التي يتم تزويد الأسواق بها، والكميات المرتجعة، فإن صاحب الساحل بصحار، وكذلك سائر المدن الساحلية، كان يتولى مهمة تحصيل الزكاة على ما يقدم من البحر إن كانت البضاعة لتاجر مسلم، أو تحصيل العشر إن كان التاجر ذميّا أو مجوسيا. ومنذ اللحظة التي ترسو فيها السفينة قبالة شواطىء صحار، يرسل صاحب الساحل أمينا من عنده تكون مهمته حفظ وتدوين البضائع والأمتعة الواردة، حتى إذا فرغ من عملية الجرد والحساب رفع قوائما بالبضائع الواردة للسوق الى صاحب الساحل، الذي يقدّر بدوره القيمة التي يتوجب تحصيلها على أي من البضائع الواردة، سواء بحسبة الزكاة، أو بحسبة العشور، وبعد تحصيل المبالغ يسمح بدخول البضائع إلى السوق العمانية وعرضها للبيع، سواء للناس على نحو مباشر، أو بيعها لكبار التجار بالجملة، وهم بدورهم يتولوا بيعها للتجار الذين يتعاملوا مع الناس على نحو مباشر.
وفي بعض الأحيان كان التاجر صاحب البضاعة يطلب من صاحب الساحل أن يفرض الزكاة أو العشر على السلع التي ستباع لاحقا بالأسواق العمانية، وأن يسقط من الحساب البضائع التي لم يتمكن من بيعها، وفي هذه الحالة كان يشترط صاحب الساحل على التاجر أن يتقدم بكفيل يتعهد بالسداد إن جرى تسريب البضاعة التي لم يتمكن التاجر من بيعها، حتى إذا فرغ التاجر من تجارته وبيعه يتولى صاحب الساحل تقدير المبالغ المستحقة على البضائع المباعة بالفعل، أما التي لم يتمكن التاجر من بيعها، فيتم حصرها وضمان عودتها ثانية الى المركب الذي أتت عليه.
بالطبع لم يكن هؤلاء التجار الوافدين يمتلكون محلات خاصة بهم، إنما يقوموا بعرض بضائعهم في السوق أو يسلموها لتجار من أصحاب المحلات الذين يتولون بدورهم عملية البيع.
وكانت المرأة العمانية تشهد السوق وترتاده، ليس للشراء فحسب وإنما للتجارة وبيع البضائع وفقا لما تخبرنا به كتب الفقه في تلك الفترة القديمة، والتي تحدثنا نصوصها عن وقائع وقصص عديدة لنساء كن يشتغلن بالتجارة ويحترفن البيع والشراء في السوق، وعلى نحو مخصوص التجارة بالتمور أو المحاصيل الزراعية، أو بعض المنتجات المنزلية التي كانت المرأة تصنّعها في بيتها.
وكانت أسواق عمان تشهد نشاطا ملموسا من أهل الصنائع على اختلاف حرفهم ومجالاتهم المتخصصة، وهي تمثل بحق حالة مجتمعية متقدمة، ذلك أن المهن والحرف لم تكن حكرا على فئة دون أخرى، بل كان المجال مفتوحا لكل من رغب في مزاولة صناعة ان كان محترفا بها، أو التعاطي بالتجارة، كل ذلك كان يجري في أجواء بعيدة عن أي تصنيفات أو فرز من أي نوع، عرقي كان أو طائفي أو مذهبي، وكان كل ما هو مطلوب من التاجر أو الصانع الممارس نشاطه في السوق الالتزام بالقواعد المجتمعية والأخلاق العامة، وتأدية ما عليه من حقوق، ليحوز بالمقابل اعترافا وحماية في مزاولة نشاطه براحة واطمئنان.
وكثيرا ما تحدثنا كتب الفقه العماني عن تجار من أهل الذمة أو تجار هنود أو من بلاد فارس ممن لا يدينوا بالإسلام، عاشوا أو كانت لهم تعاملات تجارية على مدى قرون متتالية مع الانسان العماني، وأن هذه التعاملات كانت تتسم بالحيوية والوضوح، وتحقيق العدالة في حال وقوع اشكال أو التباس في أمر من الأمور التجارية. وزيادة على ما سبق يمكن القول إن رابطة المهنة والتعامل اليومي في المجال الواحد، ولّدت نوعا من التسامح في التعامل ورغبة في التعاون بين أفراد المهنة الواحدة، رغم الاختلافات الثقافية أو الفوارق الدينية أو العرقية فيما بينهم.
وباعتبار أن السوق مركز خدمي، يرتاده العديد من الناس على نحو يومي، فإن هذا الموقع كان بحاجة ماسة الى سلسلة من المراكز والأماكن التي تلبي حاجات المرتادين ومتطلباتهم، وفي مقدمة هذه المراكز كانت المساجد، فمنذ القدم وحيثما جرى تأسيس سوق تجاري، كان يشاد وعلى نحو لصيق به مسجد، يؤدي به التجار والباعة وكذلك المرتادون للسوق صلواتهم به. هذا بالاضافة الى المرافق الخدمية الأخرى مثل المطاعم أو غرف الاستراحة التي كانت منتشرة في الأسواق العُمانية، وكانت هذه الغرف على النحو الذي كانت به والوظائف الخدمية التي تؤديها ميزة تنفرد بها الأسواق العمانية، وفلسفتها قائمة على فكرة أن من حق مرتاد السوق، القادم من مكان بعيد ولا يملك وفرة من المال أن يلجأ الى هذه الغرف الملحقة بإحدى المطاعم، يتناول فيها طعامه الذي جلبه معه، وقد يستخدم الأواني الموجودة في هذه الغرف دون أي مقابل، كذلك يغسل يده ووجهه كي يستعيد نشاطه، وربما يستلقي ويأخذ اغفاءة لساعات يعود بعدها لمزاولة نشاطه التجاري. وتقدم ذات الغرف كذلك الخدمة التقليدية التي تقوم بها المطاعم من خدمة للزبائن وتقديم الأطعمة لهم والقيام على خدمتهم.
إن المتتبع للنصوص التراثية في المراجع الفقهية العمانية، على اختلاف مسائلها وأغراضها، يمكنه أن يخرج بتصور كبير ودقيق للواقع الذي كانت عليه الأسواق العمانية في الفترات التاريخية السحيقة، غير أن المطلوب يتعدى تتبعا سريعا أو قراءة على عجل، إن ضرورات البحث العلمي والرغبات المعرفية المحفّزة، تستدعي بالضرورة قراءة متأنية ومراجعة دقيقة لكافة النصوص التراثية من مضانّها ومنابعها الأصلية، إن جهدا كهذا سيكشف لنا عن كنوز دفينة، وإن عملا بحثيا على هذا المستوى إن أُنجز، فانه سيكون أشبه بما يستخرجه الانسان من بئر عميقة، حيث يرافق كل طلوع له استخراج ذهب وخير عظيمين، وارتواء يسري في الأذهان والعقول، وشعورا بالرضى والفخر لعظم هذه التجربة وفرادتها.

0 2204 22 أكتوبر, 2015 الرابع والستون, ثقافة وفكر أكتوبر 22, 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.