فواز طرابلسي لمجلة الفلق : أن ما فوتته الثورة في ظفار هو سرعة التكيف مع الأوضاع الجديدة في عمان.

لـ

DSC_1703

انطلقت الثورة في الجزء الجنوبي من سلطنة عمان أو ما يعرف بـ “ثورة ظفار” في عام 1965م . ويصف بعض المؤرخون هذه الثورة بأنها واحدة من أطول الثورات العربية، حيث امتدت من عام 1965م إلى عام 1975م. وكان من أهم أسبابها هو حالة التخلف التي سادت ما كان يعرف بسلطنة مسقط وعمان في تلك الفترة بشكل عام وإقليم ظفار بشكل خاص تحت سلطة وحكم السلطان سعيد بن تيمور ، فكثرت الممنوعات وازدادت المعاناة من الضرائب التي فرضها السلطان، وكانت عمان معزولة عن العالم الخارجي، بالإضافة إلى العزلة الداخلية بين مناطق السلطنة ذاتها ، كما أن تأثير المد القومي العربي بزعامة جمال عبدالناصر ولد النزعة نحو الثورة ورفض الظلم ومقاومة الاستعمار بشتى وسائله.
ومن أهم الذين كتبوا عن ثورة ظفار هو الكاتب والسياسي والمؤرخ اللبناني الدكتور فواز طرابلسي وذلك في كتاب أصدره في عام 2003م تحت عنوان ” ظفار شهادة من زمن الثورة” والذي دون فيه تفصيلات مهمة حول ثورة ظفار كشاهد عيان عايش أحداثها.
فواز طرابلسي هو أستاذ جامعي وناشط وباحث ومؤرخ لبناني، يُدرِّس في الجامعة الأميركية في بيروت. يحمل دكتوراه في التاريخ من جامعة باريس. شغل منصب رئيس تحرير جريدة الحرية ومجلة بيروت المساء. لديه الكثير من المؤلفات والأبحاث التي تتعلق بالشأن اللبناني والمحيط العربي، من أهمها “تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلى اتفاق الطائف” والذي صدر في عام 2008م ، وكتاب “ثـورات بـلا ثُـوّار” وقد صدر في عام 2013م ، هذا بالإضافة إلى كتاب “ظفار شهادة من زمن الثورة” والذي دفعنا إلى إجراء حوار معه حول ماهيات وأسرار الثورة في ظفار كشاهد عيان على تلك الحقبة من التاريخ العماني وتاريخ المنطقة.
مجلة الفلق الالكترونية ألتقت فواز طرابلسي في بيروت ، وإذا تأخر طرح الحوار في المجلة قليلا فأنه أصبح من الموضوعية بمكان طرح الموضوع للقراء والتطرق لقضية الثورات العربية وخصوصا بعد ما شهده الوطن العربي من ثورات في السنوات الأخيرة ، فثورة ظفار تعتبر من الأحداث المهمة في تاريخ منطقة الخليج بشكل عام، وتاريخ عمان الحديث بشكل خاص.

بدايةً دكتور فواز، كيف بدأت الفكرة للكتابة عن الثورة في ظفار؟
في تلك الفترة ، كنت أدرس في انجلترا، وتعرفت على عبدالفتاح اسماعيل (قائد الجناح العسكري لجبهة التحرير القومية في اليمن) في بيروت عام 1968م وبعدها دخلت في علاقة طويلة مع الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني، وعند استلام اليسار اليمني للسلطة قررت أن أكتب كتاب عن هذه التجربة، وعن الوضع في الخليج، وجندت لذلك صديق وزميل دراسة بريطاني وأخذنا منحة من دار (بنغوين) البريطانية وقد غطت مصاريفنا لزيارة اليمن وظفار.
وفي تلك الفترة كانت جبهة تحرير ظفار قد تحولت إلى الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل. والحقيقة أن الكتاب عن ظفار صدر متأخرا بعض الشيء وكان عبارة عن مقالات صحفية كتبتها عن ظفار في تلك الفترة، وبالتالي لم أكتب عن ثورة ظفار إلا بين عامي 1970و1971م وقد نشرت بعض المقالات باسم مستعار (خليل)، وبعض تلك المقالات قد نشرت في مجلة الحرية التي كنت من ضمن أسرة تحريرها في البداية ثم رئيسا للتحرير بعد ذلك ولفترة طويلة.

لماذا نشرت باسم مستعار؟ هل كان هناك منع من نشر مثل هذه المقالات في تلك الفترة؟
نعم مُنعت بعض المقالات من قبل الرفاق بالجبهة الشعبية لتحرير لخليج العربي المحتل. منعت بحجة إنني قد تحدثت وكتبت عن القبائل، في حين أن الرفاق كان رأيهم هو أنه لا يجب الحديث عن القبائل أو الطبقية في المنطقة . الحديث عن القبائل ذو حساسية وقد يسبب انقسام الشعب، وقد أرسل وفد لمفاوضتي حول الموضوع بسبب العلاقة الوثيقة بيني وبينهم.

الانطباعات لا تُمحى من الذاكرة. ما هي انطباعاتك تحديداً عن ظفار والإنسان العماني بشكل عام؟
أولاً المنطقة الي رأيتها منطقة جميلة جداً ، تجمع بين البحر والجبل، وكانت تذكرني في تلك الحقبة بطبيعة لبنان بعض الشيء، فأنا ابن الريف. ولكن يضاف لها حالة جميلة من البدائية والحميمية بين الناس والزوار .
ومن أهم الانطباعات التي أخذتها عن المنطقة آنذاك هو الفقر الشديد بين الناس وأيضا – وربما تستغربون من هذا- ضعف التدين ، فقد زرنا شيخ المنطقة الذي كان يمارس طقوس بدائية جداً، أما التركيب القبلي للسكان فلم يكن بحاجة لكثير من الوقت لاكتشافه.

كيف يرى فواز الطرابلسي عمان في تلك الأيام عندما يستذكرها بعد مرور أكثر من 40 عاماً؟
أولا لا يوجد فارق بين رؤيتي لتلك الأيام وكيف أراها الآن؛ رؤيتي للماضي كما هي ولن تتغير، لأنني لا أرغب في أن ألون ما حدث في 1970م بألوان الحاضر.
الزيارة لظفار استغرقت حوالي شهر. ومن خلال تلك الزيارة استطعت الاطلاع على أشياء كثيرة، واكتشفت نمط التركيب الاجتماعي الموجود في جبال ظفار وخصوصا المنطقة الغربية.
لقد قرأت الكثير عن عمان في تلك الفترة. وتحضيرا للكتابة عن أحداث المنطقة فقد انغمسنا في قراءات عديدة عن لهجات المنطقة، عن تاريخ الخليج، عن قبائل الخليج، وعن عمان بالدرجة الأولى.
وفي الحقيقة وبعد مغادرة المنطقة، لم أكن متابع مستمر ووثيق لأوضاع الخليج عموما ولا عمان، وذلك لأسباب شتى منها الانغماس في الحرب الأهلية اللبنانية منذ ذلك الحين تقريبا، وهموم أخرى منها مهنة التعليم، والكتابة.

ماذا عن العرف الاجتماعي في ظفار ، هل كان أقرب إلى اليمن أم كان أقرب إلى عمان الشمال؟
جغرافياً توجد صحراء بين ظفار والشمال العماني، وبالتالي فإن ظفار التي نعرفها وشاهدتها تبدو بعيدة جداً عن الخليج وعمان. في المقابل كانت هناك علاقة وثيقة الصلة بين ظفار واليمن بحكم القرب.

نأتي لأحداث الثورة، ما هي أهم التحديات التي كانت تواجه الجبهة الشعبية لتحرير ظفار في تلك الفترة؟
كان هناك تناقض كبير – وقد ذكرت هذا بالكتاب – بين حركة شبه انفصالية تُشدد على الطابع الظفاري، وبين الطموح إلى تحرير كل الخليج العربي، وقد كانت هذه إحدى قضايا النقاش المهمة التي جمعت بيني وبين الرفاق. وبعد تنحية السلطان سعيد بن تيمور وتولي السلطان قابوس أثير موضوع آخر حول قضية “الكفاح المسلح” وهل تستمر أساليب الجبهة في العمل كما كانت أم تتغير؟
كما أن البعض قد طرح فكرة مد الثورة من ظفار إلى البحرين. لقد كان حدود تدخلنا في هذه الأمور متواضع جدا ولكنني لم أحجم عن إعطاء رأيي. مسار الجبهة في تعاطيها مع الموضوع معروف، ولكن يبقى السؤال هل يجري تحرير ظفار فقط أم الخليج ككل؟
لقد كان هناك فرق كبير بين الاثنين، فرق كبير بين منطقة كان فيها عمل مسلح بسبب ظروف تختلف تماما عن طبيعة ما يحدث في سائر منطقة الخليج. وكما تعرفون لم يكن من الممكن – برأيي- للجبهة أن تتكيف على المستوى المُستجد والذي هو زوال سعيد بن تيمور، وما نتج عن ذلك من تفكك وعدم توفيق في المعارضة السياسية، وهذا الموضوع بات معروفا لدى الجميع في تلك الفترة، ولكن لم يكن بالإمكان الحديث عنه إلا بعد أن انتهت الثورة.

ما هو مستوى علاقتك الآن بالرفاق أو الذين لهم علاقة مباشرة بثورة ظفار؟
لم ألتقي بالرفاق الذين لهم علاقة مباشرة بثورة ظفار منذ فترة طويلة. طبعا من قادني إلى كل هذه المغامرة هو البحريني المرحوم عبدالرحمن النعيمي، والذي عمل في البداية على تنظيم صفوف حركة القوميين العرب في البحرين قبل أن ينتقل إلى الجبهة. لقد كان من القادة البارزين في عملية تحول تنظيم الحركة في الخليج باتجاه اليسار وتأسيس الحركة الثورية في عُمان والخليج العربي في عام 1968م.

هل بالإمكان أن تُحدثنا عمّن تتذكرهم من شخصيات بارزة في تلك الحقبة؟
أتذّكرهم ولكن بأسماء مستعارة، أتذكر معظم القادة الذين ألتقيت بهم، أذكر منهم طلال الغساني، وسيف مسعود الغساني.

ماذا عن زاهر المياحي ؟
زاهر المياحي قصته معي قصة خاصة ومؤلمة. لم يكن زاهر معنا في ظفار ولكن كان يأتي إلينا هنا باستمرار، كان يشاركنا النضال في لبنان. في تلك الفترة كانت هناك انتفاضة في الشمال، وكان زاهر يذهب لدعمها، وقد عرفنا اسمه الحقيقي بعد استشهاده، حيث كان اسمه الحركي هو “أحمد علي”
كان زاهر على صلة شخصية وحميمة معي، وكان كثيراً ما يزورني بمنزلي، وهو الذي خلق وعينا حول ما يجري بالجزء الآخر من عمان.

إلى أي مستوى وصلت علاقتك بقيادات الثورة ؟ وهل كنت تحضر اجتماعاتهم أم لا؟
يمكنني القول أن علاقتي مع القيادة، وخصوصاً العمانية منها، بدأت عند دخول لظفار؛ و العلاقة مع القيادة تمت بالداخل في الوقت الذي دخلنا فيه إلى ظفار٬ ومن القيادات العمانية التي كانت تحضر الاجتماعات أحمد علي بالدرجة الأولى وعبد الرحمن النعيمي٬ وبعضهم كان يأتي إلى بيروت عبر اليمن.
وفي عام السبعين رأيت القيادة الميدانية من الشطر العماني باستثناء أحمد علي٬ وكنا نشاهد حضور للبحرينيين في الاجتماعات بالرغم أن وجودهم ليس له معنى من وجهة نظري.
لقد كان عبد الرحمن النعيمي هو الامين العام للحزب وهو الذي يدير الجبهة٬ وفي الحقيقة فهو شخص قيادي غير تسلطي٬ وكنا نسمع ما يدور داخل الاجتماعات ولكن لا نستطيع أن نحضرها.

ماذا عن الاستراتيجيات العسكرية التي كان يستخدمها قادة الثورة ؟ وهل تستطيع القول بأنه كانت هناك بيئة للعمل المسلح في ظفار؟
في الحقيقة الكل كان مسلح. ابن القبيلة في ظفار كان يحمل البندقية القديمة، كذلك كانت هناك مجموعات من رجال الثورة يقومون بعمليات عسكرية . ومجمل القول فأن أكثرية السكان كان بالإمكان تحويلهم إلى ميليشيات وذلك عبر توفير السلاح ، وكلما كان السلاح أكثر تطورا كلما كان أفضل.

بشكل عام، هل كانت الثورة في ظفار دفاعية أم هجومية؟
بناءً على فكرة إن أسلوب النضال الرئيسي (وليس الأوحد) هو العمل المسلح فثورة ظفار تعتبر هجوماً وليس دفاعاً بكل تأكيد، أو على أقل تقدير يُمكننا أن نطلق عليه تقدماً إن لم يكن هجوماً.
كانت هناك سيطرة على الجزء الشرقي والجزء الغربي من المنطقة٬ وبالتالي كان الثوار يسيطرون ويقومون بعمليات عسكرية على الشريان الذي يوصل صلاله بسائر مناطق عمان على الرغم من وجود حماية مُشددة عليه.
وعلى حسب قول الثُوار والتقديرات البريطانية كذلك لم يتم اتخاذ قرار بإسقاط صلالة. وهذا ليس نتيجةً للضغوط اليمنية بكل تأكيد، لأنه لم يجر نقاش حول هذا الموضوع أصلاً، وأشهد على ذلك شخصياَ. ولكن تم رفض الموضوع على أساس أننا لسنا حركة انفصالية ولكننا نُريد تحرير كامل عمان، وبالطبع فإنه من الحجج التي يمكن للواحد إثارتها هو هذا التناقض، فلم لا نُحرر ظفار بدايةً ثم ننتقل لتحرير باقي الخليج؟
وأعتقد أن هذا التخبط هو الذي أدى إلى هزيمتهم.
أما بالنسبة للمواطنين فلم يكن همهم سوى التخلص من سعيد بن تيمور؛ فإذا جاء أحد غيره فلماذا مُواصلة الكفاح ضده؟

حدثنا عن الفكر السياسي للثورة، وهل كان على صلة بالجبهة في اليمن أم بالشمال العماني ؟
نعم كانت هناك صلة بين الثوار في ظفار والجبهة في اليمن؛ فقواعدهم ومخازنهم كانت بالمحافظة السادسة وإمداداتهم تأتي من هناك، وبالتالي كان هناك تأثير فكري وسياسي. ولكن يجب أن أوضح أنه كانت هناك استقلالية كاملة للطرفين حرص عليها الطرف اليمني أكثر من الطرف العماني.
وعلى حسب علمي، لم يتدخل أهل الجنوب في الشمال ، وحتى بعدما أن أقاموا علاقات مع السلطان قابوس فأنهم لم يمارسوا أي ضغط أو يفرضوا أي موقف على القيادة العمانية في مسقط، فظلت خطوط التموين كما هي ، وكذلك مصادر تسليحهم ومراكزهم.
كان الثوار كثيرا ما يناقشون مسألة العمل السياسي وإنه لا بُدّ من التغيير . فالكفاح المسلح له وظيفة ، والعمل السياسي له وظيفة أخرى مختلفة تماماً، و خصوصاً أن جزءً كبيراً من القبائل المسلحة التي كانت بالثورة تنازلت عند مجيء السلطان قابوس، ولكن الثورة لم تنجح في اكتشاف الفرق بين النوعيّن بالسرعة المطلوبة.

الفكر الماركسي أو الفكر اليساري قائم على الطبقية، ما مدى تقبل الشعب أو المواطن البسيط للفكر الماركسي؟
في الحقيقة مثل هذه الأسئلة يجب أن تُطرح على قادة الثورة وإلا سوف نظلمهم.
أولاً فمن غير الصحيح أن الماركسية لا تقوم إلا على الطبقية.
يوجد نصوص حول تحليل طبقات المجتمع الظفاري، وهي تحكي عن العبيد والفلاحين والقبائل المتساوية أو تلك التي تتعالى على بعضها البعض، و التبسيط الذي استخدم في الماركسية هي “الماوي” وهو لا يتناقض كثيراً مع هذه البيئة ولا مع الدين.

هل كان الوعي السياسي بمعناه العلمي موجودا لدى شباب الثورة ؟ أو على مستوى القيادات على الأقل؟
لا أستطيع القول بسهولة إذا كان الوعي السياسي بمعناه العلمي موجود أم لا، ولكن كان يوجد وعي وطني عام مضاد لبريطانيا، وكان الكثير من الشباب يحبون بلدهم ويريدون له أن يزدهر، ويرون أنّ السلطان عقبة في سبيل ذلك.
كان يوجد شباب وطني بهذا المعنى، وقد كانوا متأثرين بالناصريين، وبدرجة أقل بحركة اليسار . يحبون وطنهم ويريدون له الازدهار، هذا في ظفار طبعاً أما سائر عمان فالأمر مختلف قليلا.
أما حول سؤالك عن القيادات؛ فالفكرة الرئيسية هي أن هذه المنطقة مستعمرة وفيها أمراء وسلاطين ومشايخ والمطلوب هو توحيدها وتحريرها، بهذا المعنى ربما يكون الوعي السياسي لدى قيادات الثورة وقد أضيفت له جذرية ماركسية بسبب البيئة الظفارية الفقيرة وبسبب الارتباط الشديد بين الكفاح المسلح في تلك الفترة، وبين الفكر الماركسي. حيث كان الشباب متأثرين جدا بمسألة الجنوب، كما أن تجربة اليمن الديموقراطي شديدة التأثير على الثورة في ظفار، وكان الجناح الأكثر تطرفا لليسارية في اليمن يوجد في حضرموت بقيادة عبدالله الشرقاوي ( كان اسمه الحركي حسن علي) وعلي البيض، وكان لهم دور كبير في التأثير. أيضا كان هناك احتكاك كبير بين حضرموت وظفار، وبين يسار جبهة تحرير ظفار ويسار الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل.
أما فيما يتعلق بسائر عمان، فقد جرت محاولة لمد الكفاح المسلح إلى سائر شمال عمان بقيادة أحمد علي، وانتهت بالنتيجة المأساوية التي انتهت إليها. المغامرة كبيرة جداً في موضوع تناسل القوى بمنطقة تاريخية مثل عمان، وليس من السهل محاولة تأسيس حركة استقلالية تمس عمق مصالح النفط وبريطانيا ومشايخ المنطقة. أيضا فأن قضية التمدد خارج ظفار ليست بالأمل السهل، ولكن تصور وحدة الخليج كان طاغياً، وأحيانا حتى على حساب الفوارق: الفوارق الاجتماعية، الفوارق المناطقية، فوارق المشكلات. كان يوجد قطريون وبحرينيون وكويتيون في القيادة وفي الكوادر المنظمة وبين المقاتلين.

حدثنا أكثر عن تأثير الثورة في الشمال، فبالرغم من أنك ذكرت أن الثوار فشلوا في التمدد نحو الشمال ولكنهم كذلك نجحوا في تأسيس بعض البؤر التي ظهرت في الجبل الأخضر ومسندم . ما رأيك؟
كما ذكرت سابقا كانت هناك محاولات للتمدد نحو الشمال. الأولى عمل بُؤرة بالجبل الأخضر ولكن تم اكتشافهم من البداية، أما الثانية فقد كانت في مسندم وكانت أكثر خطراً بحكم موقع المنطقة، فمسندم هي بوابة الخليج وكان بالإمكان إغلاق الخليج عبرها. وفي الحالتين فعملية نقل السلاح بالجبل الاخضر فشلت واستشهد جل من شارك فيها، ومجموعة مسندم أبيد جل من فيها أيضا.

أين كانت الإمامة -أو دولة الإمامة أن صح التعبير – وهل كان لها دور مؤثر في تلك الأحداث؟
طبعا أنا لستُ مرجعاً في هذا الموضوع. دعنا نتكلم بالنسبية، عندما ظهر ما سمي بثورة ظفار كحركة انفصالية فقد كان لها علاقة بموضوع اكتشاف النفط في المنطقة. كان هناك شعور إن ظفار يوجد بها نفط، ومع وجود الفقر والمعناة كانت هناك رغبة لاستغلال الثروة وتغيير واقع المنطقة .
كانت الثورة في بدايتها بتأثير من يوسف بن علوي وهو من المؤسسين البارزين لجبهة تحرير ظفار آنذاك والتي كانت على صلة بالسعودية . في البداية كان هناك نزاع بين عمان والمملكة العربية السعودية على خلفية دعم السعودية للثوار، أما عندما دخل إليها فرع حركة القوميين العرب وبعض الكتل من الشباب العماني أو الظفاري الموجودين بالخليج اختلف الوضع قليلاً حيث تجذّر وانتقل من حركة شبه انفصالية في الجنوب العماني إلى حركة تهدف إلى تحرير الخليج، وظهر ما يعرف بالجبهة الشعبية لتحرير لخليج العربي المحتل، ومن ثم ابتعدت السعودية.
ما أعرفه هو أن بعض من قيادات الثورة أمثال “أحمد علي” ذهبوا ودرسوا بالعراق وكانوا على صلةٍ ما بالإمامة.
أما بخصوص التنسيق المباشر بين الامامة وثورة ظفار فليس لدي أي معلومات، ولكن من المؤكد أن جزئاً من الشباب المقاتل كان من أتباع الامامة، ثم انضم إلى حركة القوميين العرب، وأصبح يسارياً.

بعد مغادرتكم ظفار ، ما هي أهم الأنشطة السياسية التي قمتم بها ؟
تم تأسيس لجنة الخليج في لندن. وكان الرفاق بالجبهة يمدوننا ببعض الوثائق. الشيء الرئيسي الذي قمنا به بعد عودتنا من ظفار هو إننا قمنا بإعداد تصور عن المقاتلين في الجبهة، وعن بعض الآثار للتدخل البريطاني في المنطقة، ونجحنا في إذاعتها، حيث قامت BBC بإذاعة بضع دقائق عنها كاشفين بأنه هناك دور للجيش البريطاني في هذه السلطنة المنسية من العالم. كان ذلك في عهد السلطان سعيد بن تيمور، وبناء على ذلك أطلقنا حملة في بريطانيا للتضامن مع أهل عمان عموما، وضد التدخل البريطاني في ظفار، وضد السلطان . وفي الحقيقة كان هناك الكثير من الطلاب والاساتذة الجامعيين الذين تحمسوا للفكرة وقد استمرت اللجنة طويلا .

هل تعتقد أن عدم توافق الفكر الماركسي مع الفكر الاسلامي وطبيعة المجتمع الظفاري هو أحد أسباب فشل الثورة؟
لم يكن هنالك شيء له علاقة بالدين، مثلا المرأة في أرياف عمان لا تختلف عن المرأة في ظفار . فهي متحررة بمعنى أنها تستطيع التمّلك، وتستطيع العمل وهي ليست منقبة. ولذلك فقد تعمدت في البداية أن أستفسر عن الوضع الديني، وقد التقيت ببعض شيوخ الدين الذين تجدهم في الأرياف والذين يقتصر عملهم على المعاملات الدينية البسيطة في الغالب.

ما هي أسباب فشل الثورة إذا؟
لم يكن هناك صدام ديني، المشكلة هي وجود ثورة بدأت انفصالية في جنوب عمان، ثم صارت ترغب في تحرير كل الخليج.
كانت توجد طبقات وسطى بالخليج معادية للبريطانيين وطبقات معادية للعائلات المالكة، وبعضها فئات تجارية، والبعض موّل الثورة في ظفار وشجعهم على هذا الاتجاه والسير في طريق تحرير الخليج ككل، كان من الواضح جدا أنه لا توجد صلة بين نمط النضالات الموجودة في المنطقة، فلماذا تنتقل الرغبة من تحرير ظفار فقط إلى تحرير الخليج كلكل؟
أيضا الثورة لم تتكيف مع وجود وضع جديد ومختلف تماما ،خصوصا بعد مجيء السلطان قابوس. لا يمكن التعامل مع الوضع الجديد بالكفاح المسلح.
ومن الأشياء التي كانت مثيرة للتساؤل هو أنه لو أنكم حررتم ظفار فإن هناك المئات من الكيلومترات من الصحاري، فكيف ستتجاوزونها لمدّ الثورة؟
كما أن الثورة قد هُزمت عسكرياً بتدخل إيراني وأردني وبريطاني، فماذا بعد؟ وبمعنى أخر إذا كانت الثورة تقوم على الكفاح المسلح فقد هزم الكفاح المسلح !!

هل نستطيع القول أن نجاح السلطان قابوس بكسر شوكة الجبهة كان نابعاً من رؤية سياسية؟ أم أن القوة العسكرية هي التي كانت السبب في هزيمة الثورة؟
أنت تطلب مني أكثر بكثير مما أنا متابع. أولاً ما أستطيع قوله هو أمرين: كان هناك طموح برأيي غير شرعي بتحرير منطقة هي من أكثر المناطق حيوية بالنسبة للإمبريالية والاقتصاد العالمي والتي هي مستودع النفط بالمنطقة، وذلك انطلاقا من ثورة ظفارية وهي “ثورة مناطقية” إذا كان لا بد من تسميتها.
وثانياً استمر الالتباس الشديد بخصوص أن الأسلوب الوحيد للنضال هو الكفاح المسلح، وبالتالي فإن المشكلة تكمن أنه مع مجيء السلطان قابوس لم يتم إعادة التفكير حول ما هي أساليب العمل، بل استمر القول أن أسلوب العمل هو الكفاح المسلح ودائرة العمل هي كل الخليج مع تعديل وحيد هو أن الاسم أصبح “الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي” أيّ أنهم غيروا الاسم اعترافاً منهم بكائن اسمه عمان؛ فيما كان سابقاً لم يكن هناك سوى ظفار والخليج العربي.
وهذا كله كان متأخراً بغض النظر عن فحوى سياسات السلطان قابوس التي كانت غامضة بالفترات الأولى، وكان البديل عن تغيير الأساليب هو إجراء تعديلات شكلية في تسمية المنطقة مثلا أو نقل الكفاح المسلح إلى كل عمان بقيادة أحمد علي .
وفي رأيي فأن العمل المسلح هو من قضى على الثورة في ظفار، ففي السنوات الثلاث الأخيرة من عمر الثورة كان هناك تراجع عسكري للثورة، وفي نفس الوقت فهي لم تبدء بالتغيير السياسي ، فلم تُفاوض السلطان قابوس مثلاً على أساس ” كُنا نُقاتل والدك من أجل تحقيق بعض المطالب والآن نحن نعرض عليك صفقة في أن نلقي السلاح مثلاً مُقابل تحقيق هذه المطالب”
وللأمانة فقد تم اقتراح عملية التفاوض وطرح الشروط على السلطان قابوس بدلاً من مواصلة الكفاح المسلح ولكن لم يحظى بالتأييد.
أن ما فوتته الثورة في ظفار هو سرعة التكيف مع الأوضاع الجديدة التي جاءت مع حكم السلطان قابوس في عمان.

برأيك هل تحققت مطالب الثورة مع مرور الوقت؟
بكل صدق لم أتابع الأحداث، ولم أقرأ عنها كثيراً بحكم انشغالي. ولذلك فإن الفترة التي أستطيع الحديث عنها هي فترة (73-74) والتي بعدها أصبحتُ أنا في عالم آخر، وخصوصا مع بداية الحرب الأهلية في لبنان.
وبرأيي فشلت الثورة لأنها لم تستطع أن تميز بين الهجوم والدفاع٬ بين التقدم والتراجع، وبين التفاوض أو عدم التفاوض.

0 4732 29 أكتوبر, 2015 الرابع والستون, سياسة أكتوبر 29, 2015
Avatar

عن الكاتب

كاتب وأديب عماني

عرض كل المواضيع التي كتبها خليفة سليمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.