الخامس والستون ثقافة وفكر

سُننية رسالة المسيح عليه السلام (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)

النخلة في قصة مريم هي نبات له جذع مرن يسهل هزه، بحيث يمكن لامرأة خارجة من أوجاع المخاض أن تهزه فيساقط عليها رطبه، ولا يهم بعد ذلك ما هي هذه النخلة تحديداً، الذي نعقله أنها تنتمي إلى عائلة النخل التي تضم أصنافاً من نباتات وثمار شتى تنطبق عليها أوصافها السُننية.

جعل الله السيدة مريم وابنها المسيح آية للعالمين (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) الأنبياء:91 وجَعْلُهما آية لا يخرجهما عن طبيعتهما البشرية واضطراد سُنن الله في حقهما، فالفُلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وجعل المسيح وأمه كلها آيات من الله العزيز الحكيم.

-1-
سجل القرآن حادثة ولادة المسيح عبد الله من أمه الطاهرة مريم، وهي ولادة طبيعية وفقاً لسنن الله في الأنفس والآفاق (فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا، فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) مريم:22-25.
يلاحظ كذلك أن القرآن لم يحدد موقع ولادة المسيح، والنظريات التاريخية في ذلك متباينة بحسب المصادر المعتمدة وطرق قراءتها وبحثها، النظرية الأوسع انتشاراً أنه ولد في أرض فلسطين، وهي النظرية التي تعتمدها الكنائس المسيحية المعاصرة التي يحرص أتباعها على زيارة مدينة بيت لحم بفلسطين حيث وُلِد المسيح بحسب هذه النظرية، وهي النظرية التي اعتمدها الأخباريون المسلمون نقلاً عن التراث الكتابي القديم.
يذهب كمال الصليبي في كتابه (البحث عن يسوع) إلى أن المسيح ولد في جنوب غرب الجزيرة العربية وهي أرض اليمن القديم، ونظريته تبناها بالشرح والإضافة والتعديل العديد من الكُتَّاب والمؤسسات، وشرح لي أحد الباحثين المعاصرين نظريته التي لم ينشرها بعد؛ حيث يذهب فيها إلى أن المسيح ولد في أرض الحبشة وفيها كانت دعوته، والنظريتان الثانية والثالثة تجعلان من جغرافيا مريم والمسيح على ضفتي البحر الأحمر: اليمن القديم والحبشة، وتشترك النظريات الثلاث على ولادته في المنطقة العربية.

-2-
(فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا) مريم:22-23 في هذه الآيات ذكر القرآن حمل السيدة مريم ثم أعقبه بذكر لحظة المخاض باستعمال أداة الربط الفاء دون الإشارة إلى فترة الحمل.
القرآن كثيراً ما يختصر المسافات الزمنية، وينتقل في الخطاب من الدنيا إلى الآخرة أو من لحظات دنيوية إلى أخرى دون الالتفات إلى الفاصل الزمني بينهما سواء كانت ثوان أو أعوام، القرآن ذكر الحمل ثم انتقل إلى لحظة المخاض مُجرداً القصة من تفاصيلها الاجتماعية والجغرافية، فلا يذكر:
ماذا حدث بين لحظتي الحمل والمخاض؟
وهل استطاعت مريم البقاء في بلدتها طوال فترة الحمل، أم أنها غادرتها إلى أخرى ثم عادت إليها؟
ثم متى كانت العودة، هل كانت مباشرة بعد الوضع أم كانت بعد أن تمهد الأمر للصبي للكلام الحكيم؟
وهل كان لكفيلها النبي زكريا دور في هذه الأحداث أم أنه غادر الدنيا قبلها؟
وأين كان موقع بلدتها الأصلية؟ وإذا كانت قد غادرتها مع بداية الحمل فأين كانت وجهتها؟
الذي أراه حملاً لآيات الكتاب على سُننيتها أن السيدة مريم مرت بفترة الحمل المعتادة كبقية النساء، ولا يوجد في القرآن ما يدل على نفي حصول ذلك، فلا داعي لافتراض معجزات وخوارق من صنع الخيال، وكون القرآن لم يذكر تفاصيل الفترة بين الحمل والوضع فيرجع إلى أنه لا يُعنى بإيراد دقائق التفاصيل التاريخية، لذا ينتقل في قصصه من لحظة زمنية إلى أخرى دون الالتفات إلى طول أو قصر الفترة الزمنية الفاصلة بين اللحظتين، فهدفه توظيف قصص الرسل والأنبياء والصالحين في هداية ونفع الناس.
(فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا، فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) مريم:23-25.
لحظة المخاض مشهد تعيشه كل امرأة حامل، وهذه الآيات تصور لحظات المخاض في حياة السيدة مريم، لا يذكر القرآن أين كان موقع المخاض، لكنه صور تفاصيل من مشهد المخاض، ومن هذه التفاصيل النداء الذي جاءها (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا).
وهذا النداء يظهر من بدايات قصة مريم، والأقرب إلى الصواب ويؤيده السياق أنه نداء من رُوح القدس المرسل من الله، وهذا الرسول وهب مريم غلاماً زكياً من غير أن يمسسها بشر ولم تك بغياً (فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) مريم:17-19.

-3-
(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) مريم: 25
في لحظات المخاض جاءها نداء روح القُدُس (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) والمرأة في هذه الحالة تكون في أشد حالاتها الجسدية ضعفاً، هذا إذا أضفنا المتاعب النفسية الهائلة كونها تلد من غير أن يمسسها بشر ولم تك بغياً، مما يعرضها إلى حملات التشكيك والطعن في طهارتها وعفتها.
في لحظات الضعف الجسدي والضغط النفسي جاءها النداء (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا)، وقد أطبق المفسرون واللغويون على أن المقصود بالنخلة في الآية نخلة التمر التي تنمو في المناطق الحارة، وصار هذا الفهم هو المعتمد في الثقافة الشعبية في المنطقة العربية، ولكن إطباق المفسرين واللغويين على رأي معين ليس نهاية المطاف، طالما أن اللسان يختزن مآلات متجددة.
الذي أراه أن النخلة سياق الآية ليست نخلة التمر التي تنمو في المناطق الحارة، لأن عشرات الرجال الأشداء لا يستطيعون هزها فكيف تستطيع ذلك امرأة في حالة المخاض؟.
ليست المسألة نقاشاً حول قدرة الله، فالكل مجمع على أن الله على كل شيء قدير، لكن الآية تتحدث بمنطق طبيعي سُنني ولا يوجد فيها ما يدل على افتراض معجزة في هز مريم بجذع النخلة، والذي أقحم موضوع المعجزة والخوارق في الأذهان هو افتراضهم أن النخلة في الآية هي نخلة التمر.
وقد ذكر القرآن أن في الجنتين فاكهةً ونخلاً ورماناً (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ، فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) الرحمن:68-69 وسُنن الآخرة لا تقاس على سُنن الدنيا، فخمر الجنة ليست هي خمر الدنيا، فخمر الجنة تحصل منه اللذة للشاربين ولا تُذهِب العقل والحواس والإدراك.
وكذلك فإن النخل في الجنة ليس محصوراً في نخلة التمر، فسقف سُنن الآخرة أعلى من سقف سُنن الدنيا، وقد طرحت تساؤلات ونظريات قديماً وحديثاً حول كلمات (نخل، رمان، زيتون، عنب، فاكهة، زرع، حب، قضب، أب) القرآنية:
أولاً: كثيراً ما يسأل الصغار والبالغون ببراءة إيمانية: أين آلاف أنواع النباتات والثمار مما يعرفه الناس في الدنيا؟ لماذا اقتصر القرآن على ذكر أصناف محددة تعد على الأصابع؟
وهذه التساؤلات مشروعة كما سألت الملائكة (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) البقرة:30.
ثانياً: اختلف الناس قديماً وحديثاً في الإجابة على السؤال:
1. الشائع لدى المفسرين واللغويين أن كل كلمة من (نخل، رمان، زيتون، فاكهة، عنب، زرع، حب، قضب، أب) تدل على صنف مفرد من النبات أو الثمر في أعراف الناس، سواء كان من نبات وثمر الدنيا أو الجنة.
2. بعض المعاصرين من القائلين بتاريخية القرآن يرون في هذه الكلمات تعبيراً عن نباتات وثمار الجزيرة العربية المعروفة لدى الناس زمن نزول القرآن، فالقرآن لديهم نتاج تفاعل مع الثقافة الزمنية/الإقليمية في فترة نزوله.
الرأيان لا يختلفان كثيراً عن بعضهما، فكلاهما حصر كلمات القرآن في منطقة أعراف زمنية إقليمية، وعندما يطول الأمد بالناس وتعجز الآراء المقدمة عن استيعاب متغيرات الاجتماع البشري وتطور التفكير الإنساني فالنتيجة هي انسداد معرفي بتبعات اجتماعية بالغة السوء.
الذي أراه أن كلمات (نخل، رمان، زيتون، عنب، فاكهة، زرع، حب، قضب، أب) القرآنية لا تدل على أصناف مفردة في أعراف الناس، إنما هي أسماء عائلات نباتية كبرى، كل عائلة تضم أصنافاً لا تحصى من النباتات والثمار، سواء في الدنيا أو الجنة.
– في الجنة: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) الرحمن:68
– في الحياة الدنيا:
(وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ) الأنعام:141
(فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) عبس:27-31
وبالتالي فإن النخلة في قصة مريم هي نبات له جذع مرن يسهل هزه، بحيث يمكن لامرأة خارجة من أوجاع المخاض أن تهزه فيساقط عليها رطبه، ولا يهم بعد ذلك ما هي هذه النخلة تحديداً، الذي نعقله أنها تنتمي إلى عائلة النخل التي تضم أصنافاً من نباتات وثمار شتى تنطبق عليها أوصافها السُننية.

-4-
ما يعقل من معنى النخلة في الآية (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) هو أنها تنتمي إلى عائلة النخل (وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ) الأنعام:141، ولا يوجد ما يؤيد هذا المآل في الجمع اللغوي الذي حصر عائلة النخل في نخلة التمر، وليس مستغرباً أن يضيق جمع الناس بمآلات الكتاب المجيد، فسقفه الزمني الإقليمي لا يؤهله لاستيعاب سُننية الكتاب.
وعائلة النخل في القرآن فيها العديد من المجموعات، منها: النخل ذات الأكمام، والنخل التي من طلعها قنوان دانية.
(وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ) الرحمن:10-11 وميزة هذه المجموعة المنتمية إلى عائلة النخل أن لها أكماماً، والأقرب أن الأكمام هي أكمام ثمار هذه المجموعة (وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا) فصلت:47، أي أن الأكمام تكمم ثمرة هذه المجموعة لا الجذع أو غيرها من أجزاء النخلة.
والأكمام جمع (كُم)، والجذر (كم) في القرآن يدل على تشكل مجموعات تصل درجة معينة من الاكتمال، ولذلك يُسأل به عن العدد، أو يخبر به عن كثرة حصول الشيء.
(قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) البقرة:259
(كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) البقرة:249
والثمرة تخرج من الكُم، إذ يشكل الكُم غطاء يحيط بالثمرة، فـ(كُم/أكمام) هو مجموعة اكتملت حول الثمرة وأحاطت بها، ومن أمثلتها البرتقال والليمون والسفرجل والبطيخ والموز والفستق وغيرها من أفراد عائلة (النخل) الذي تخرج ثمرته من أكمامها.
وتصور الناس أن هذه العائلات أصناف لآحاد النباتات والثمار راجع إلى هيمنة أعرافهم الزمنية الإقليمية على القرآن، فالنخلة في القرآن هي نخلة التمر في أعرافهم والرمان هو الذي يعرفونه في ثقافاتهم وهكذا، ومع طول الأمد نسوا أن القرآن لم يأت لترسيخ ثقافات زمنية إقليمية، فرسالته بسعة الكون وامتداد الآخرة.
الخلل في معادلة علاقة الجمع الروائي/اللغوي بالقرآن هو هيمنة هذا الجمع على القرآن بدلاً من العكس، والمحصلة التي خرجنا بها من ذلك مآلات زمنية انتهت صلاحيتها، لذلك ليس من الغريب بعدها أن يكون الاستبداد والعنف الذي يجثم على صدر المنطقة العربية هو مظهر من مظاهر هذا الانسداد المعرفي الذي خلفته نظرية هيمنة الجمع الروائي/اللغوي على القرآن.
لا أريد أن يُفهم من الكلام السابق نمطية التفكير القائمة على القبول المطلق أو الرفض المطلق، الجمع اللغوي مادة جيدة إذا أحسنا توظيفها بتصديق وهيمنة الكتاب.
ورد في الجمع اللغوي:
(النخل مصدر نخلت الدقيق وغيره أنخله نخلاً، وما سقط منه فهو نخالة ونخال.
وإذا نخلت أشياء لتستقصي أفضلها قلت: نخلت وانتخلت.
فالنخل: التصفية والانتخال الاختيار لنفسك أفضله، وهو التنخل).
هذه المعاني للجذر (نخل) في الجمع اللغوي يمكن ربطها بعائلة (نخل) النباتية، فعملية نخل الأشياء لتصفيتها عبارة عن:
– توليد طاقة يدوية أو آلية
– ينتج عن التوليد تشكل للنخالة أو الرمل أو غيرها من الأشياء في أشكال متعددة
– وصول التشكل (المنخول) إلى صورته النهائية
وهو ذات الأمر في عائلة (نخل) النباتية:
– البداية بتولد الطاقة التي تُنبِت (النخلة)
– يعقبه تشكل (النخلة) تدريجياً بأجزائها (جذر، جذع، أوراق، ثمر)
– وصول تشكلها إلى صورته النهائية المميزة له
أي أن عائلة (نخل) النباتية هي: نباتات تتولد من طاقة تغذيها؛ وتتشكل لتصل إلى شكلها النهائي المميز لها.

-5-
(فاكهة) في القرآن من عائلات النبات والثمار في الجنة والدنيا:
(وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ) الزخرف:72-73
(إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ، هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ، لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ) يس:55-57
(فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) عبس:24-31.
عائلة (فاكهة) في القرآن هي النباتات والثمار التي يتفكه ويتلذذ بها الناس، سواء كانت (فاكهة) في الدنيا أو الجنة، فالجذر (فكه) يدل على ذهاب باللذائذ والمتع إلى أقصى مدى (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) يس:55.
فيمكن أن تكون الطماطم والبطاطا والبامية والباذنجان من جملة الفاكهة الدنيوية إذا تفكه الناس بأكلها على اختلاف طرق تقديمها (نيئة/مقلية/مشوية/مغلية)، والمفسرون كثيراً ما أقحموا أعراف الناس في تقسيم النباتات والثمار إلى فاكهة وخضراوات في تفسير كلمات القرآن، وهذا النهج غير موضوعي لأنه تحكيم لعُرف لا أساس له في نظام القرآن ولسانه.
(وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) عبس:31 عائلتان متقابلتان، يفترقان على أساس الأثر المترتب على (أكلهما):
1. (فَاكِهَةً): هي النباتات والثمار التي يتفكه ويتلذذ بها الناس، تدخل فيها أصناف شتى من النباتات والثمار، مما يعده الناس في أعرافهم فاكهة وخضار وغيرها.
2. (أبًّا): الأب هي النباتات والثمار التي تنفع (آكلها) دون حصول تفكه من وراء ذلك، وعائلة (أب) النباتية و(أب) الوالد كلاهما يرجع إلى الجذر (أب)، فعائلة (أب) النباتية كالأب الوالد الذي ينبثق بفاعليته لصالح عائلته حتى لو لم يكن انبثاقه يروقها، لكنه ملزم بحكم أبوته بتقديم ما ينفعها ولو كان قاسياً.

عن الكاتب

Avatar

خالد بن مبارك الوهيبي

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.