في الجزء الأول من هذا المقال؛ ذكرت أن (مائدة) ترجع إلى الجذر (مَادَ) الدال على معنى فاعلية كيان مادي/معنوي بوجهة أو وظيفة محددة، وهو ما عبر عنه الجمع اللغوي بالعطاء والتفضل.
وقد ورد الفعل (تميد) في القرآن معبراً عن نتيجة إلقاء/جعل رواسي في الأرض التي تحفظ تسارع مظاهر الحياة في الأرض، ومن هذه الرواسي: الغلاف الجوي الذي يحيط بالأرض، ونسب الغازات في الهواء، وقوة الجاذبية.
-4-
معنى العطاء المستمر للفعل (تَمِيدَ) الذي يعقل من الآية (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) النحل:15 في حقيقته: فاعلية مستمرة لكيان معين بوجهة ووظيفة محددة، وهذا الكيان الذي مِيدَ به هي مظاهر الحياة المتنوعة التي يحفظها إلقاء/جعل الرواسي.
ولا أدري لِمَ أهمل المفسرون في تفسيرهم (مائدة من السماء) معنى العطاء والتفضل للجذر (مَادَ) في الجمع اللغوي؛ وأصروا على فكرة سُفرة/طاولة الطعام الطائرة؟! وفكرة السُفرة الطائرة نشأت وترسخت بإصرارهم على قراءة الآيات السُننية بمنطق الخوارق (=المعجزات) الموروثة من تراث الكتابيين قبل القرآن.
بما أن الفعل (تَمِيدَ) في القرآن دال على العطاء المستمر، فإن (مَآئِدَةً) هو اسم فاعل دال على مَيدٍ بوجهة أو وظيفة معينة، فالتعبير بـ(مائدة) دال على أنه عطاء مستمر مخصوص، وهذا الميد مرتبط بجعل الرواسي في الأرض.
وقد ذكَّر عيسى بن مريم الحواريين بتقوى الله لطلبهم نزول مائدة من السماء (قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، فكان تبريرهم (قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) المائدة:113.
والأكل من المائدة لا يلزم بالضرورة تناول المطعوم، فدلالة (أكل) في القرآن تتسع لمجموعات لا حصر لها في الحياة مثل:
أكل الربا (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) البقرة:275
أكل أموال الناس بالباطل (لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) التوبة:34
أكل النار للأشياء (حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ) آل عمران:183
أكل السحت (وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) المائدة:62
تناقص وتآكل الشيء (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ) يوسف:48
فقول الحواريين (نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا) يعني أنهم يريدون أن يتناولوا/يستهلكوا من العطاء المخصوص الذي سألوه مهما كانت طبيعة المائدة التي تنزل عليهم من السماء.
والعطاء ينزل من السماء سُننياً؛ ليس فيه سُفرة/طاولة طائرة عليها أصناف السمك والخبز والشعير، هذا ما يُعقل من القرآن، فالماء ينزل من السماء في شكله السائل أو الصلب (=الثلج) (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة:22، ومختلف أصناف الرزق تنزل من السماء سُننياً (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ) غافر:13.
-5-
(ينزل/أنزل) في القرآن لا تعني الهبوط من علو إلى سفل كما شاع في الجمع اللغوي، فالقرآن أسند النزول إلى مفردات عديدة منها (الكتاب، الميزان، الحديد، الأنعام، الماء، الرجز، الحق، السكينة، الرزق، الملائكة) وهي بمجموعها لا يمكن القول إنها هبطت من علو إلى سفل:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) الحديد:25
(خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) الزمر:6
(هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) الفتح:4
(قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ) يونس:59
الميزان يعبر عن كيانات مادية ومعنوية تحفظ توازن الحياة، وإنزاله هو إيداع طاقة مؤثرة فيه بما يحفظ توازن الحياة، والكتاب كلمات هداية وتشريع للناس، وإنزاله هو إيداع طاقة فيه تؤثر في النفوس، وأنزل من الأنعام ثمانية أزواج أي أودع فيها طاقة مؤثرة في غيرها، أما الحديد فهو عناصر فيها بأس شديد ومنافع للناس، وإنزاله هو إيداع طاقة فيه تؤثر في الأشياء.
والإصرار على ربط (أنزل/ينزل) بالهبوط من علو إلى سفل جعل المفسرين يتحيرون في معاني إنزال (الميزان، الحديد، الأنعام، السكينة، الرزق) التي يصعب جداً القول إنها هبطت من عُلو إلى سفل.
ففي إنزال الحديد قالوا: معناه وخلقنا الحديد، ومنهم من قال إن الحديد أنزلناه على معنى النقل من علو إلى أسفل، وذلك أن آدم عليه السلام نزل إلى الأرض بالعلاة والمطرقة وآلة الحدادين، قيل: نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان، والكلبتان، والميقعة والمطرقة، والإبرة. وروى: ومعه المر والمسحاة.
ومما قالوه في إنزال الميزان: روى أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: مر قومك يَزِنُوا به، وقالوا أيضاً إن معنى أنزل الميزان هو إلهامه للخلق أن يعملوه ويعملوا به، وقيل: الميزان محمد صلى الله عليه وسلم يقضي بينكم بكتاب الله.
(وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ) قالوا: إن معناه خلق لكم من الأنعام، أما ابن أبي طالب القيسي (ت: 347 هـ) فرأى أن التعبير بـإنزال الأنعام يرجع إلى أنها نشأت وتكونت بالنبات، والنبات إنما نشأ وتكون بالمطر، فالمطر هو المنزل، فأخبر عما اندرج وتكون منه بالإنزال.
وهذه الآراء في معنى (ينزل/أنزل) تعكس الحيرة بين:
– المعنى الرئيس الذي وضعوه للجذر (نزل) وهو الهبوط من علو إلى سفل.
– وإسناد النزول في القرآن إلى مفردات يصعب جداً القول إنها تهبط من علو إلى سفل كالميزان والحديد والأنعام.
وهذا ما دفع قطاعاً من التفسير إلى القول بأن الجذر (نزل) يعني (خلق)، ورفض آخرون ذلك وأصروا على معنى الهبوط من عُلو إلى سُفل للميزان والأنعام والحديد غير عابئين أن ذلك منافٍ للحس والمنطق الإنساني السُنني؛ مستعينين بأخبار وآثار ذات طبيعة أسطورية شحنت بها كتب التفسير.
الخلل يكمن في المعنى الرئيس الذي وضعوه للجذر (نزل)؛ وحاولوا أن يجعلوه مهيمناً على لسان القرآن، لكن تطور المعارف والخبرات الزمنية أظهر ضعف وهشاشة هذا الرأي، مما يوجب إعادة النظر فيه.
(مِّنَ السَّمَاء) تعبير في القرآن دال على ما يعلو سطح الأرض، نزول المائدة من السماء (أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء) يعني أن (مائدة) أُودِعت طاقة مؤثرة إيجاباً في حياتهم، مصدرها من السماء وميدها في الأرض.
-5-
(مائدة من السماء) مرتبطة بما يُعقل من مآلات الفعل (تميد) في:
(وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) النحل:15
(وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) الأنبياء:31
فـ(مائدة من السماء) التي طلبها الحواريون هي من مفردات ما تميد به الرواسي، والرواسي كما أسلفنا هي قوى جعلت/ألقيت في الأرض تحفظ للحياة في الأرض طابعها المتسارع، كالغلاف الجوي الذي يحيط بالأرض ونسب الغازات في الهواء (الأكسجين، ثاني أكسيد الكربون،…).
ومما تميد به الرواسي: الثمرات-غشيان الليل النهار-إنبات كل شيء موزون-جعل الأرض قراراً-إنبات من كل زوج بهيج-إنزال ماء من السماء؛ انظر (الرعد:3، الحجر:19، النمل:61، لقمان:10، فصلت:10، ق:7)، وينتهي دور (رواسي) الأرض عند وصول التسارع الزمني إلى نقطة (منتهي) الساعة، حيث يتفكك عندها النظام الكوني.
فـ(مائدة من السماء) إذن هي مفردة من مفردات ما تميد به رواسي الأرض، مصدرها (من السماء)، لم يحددها القرآن بعينها، لكنها لا تخرج عن سُننية آيات الله كالفُلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس واختلاف الليل والنهار.
(قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) المائدة: 115، الوعيد في الآية لمن يكفر منهم بعد نزول مائدة من السماء راجع فيما يظهر إلى أن ما تميد به الرواسي مستمر لا ينقطع أثره عن حياة الناس حتى منتهى الساعة، فَلِمَ طلبوا مائدة خاصة بهم؟!
وقد ذكَّر عيسى بن مريم الحواريين بلزوم التقوى (قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، لكنهم برروا طلبهم (قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) المائدة:113، ويلاحظ على كلامهم الرغبة في اطمئنان القلب وحصول الصدق وشهود الآية، فأجابهم عيسى بن مريم ودعا ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء.
رغم مبررات الحواريين جاء وعيد شديد لمن يكفر بعد شهود مائدة من السماء، لأن الرواسي التي ألقاها الله في الأرض تميد بالناس دون انقطاع إلى مُرسى الساعة، فطلب الحواريين -وهم خلاصة المؤمنين وأنصار الله- لا معنى له، وهو يعكس مستوى المعارف والتجارب الإنسانية في تلك العصور السحيقة التي لم تكن تؤهل الناس لاستيعاب آيات الله في الكون، لذا كان الإلحاح المستمر في طلب الآيات.
وختم عيسى بن مريم دعاءه بقوله: (وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) فدعا الله أن يرزقهم في ذات سياق طلب نزول مائدة من السماء، والعلاقة بينهما أن الرزق وما تميد به رواسي الأرض كلاهما سُنني، وليس منها سُفرة/طاولة طعام طائرة.
والفرق بين الرزق وما تميد به رواسي الأرض؛ أن الرزق غير ثابت يحتاج إلى قوة لتثبيته، أما ميد رواسي الأرض فهو دائم ثابت بحسب طبيعتها وتكوينها، وإذا أخذنا مثالاً على ذلك زراعة محصول القمح، فرواسي الأرض كالغلاف الجوي ونسبة الغازات في الهواء والنظام الحراري؛ كلها تميد بما يهيئ لحصد محصول وافر، لكن الرزق يرتبط بالتمويل والتسويق وجودة الأسمدة والبذور ونظام الري.

