الوضع الاستراتيجي للقدس .. ضرورات تغيير السياسات الإسرائيلية

لـ

أصدر مركز دراسات الأمن القومي في إسرائيل دراسة بعنوان ” الوضع الاستراتيجي لمدينة القدس – ضرورة إحداث تغيير في السياسة الإسرائيلية ” للباحث أودي ديكل، الذي يشغل حالياً منصب نائب رئيس المركز، وهو عميد احتياط في الجيش الإسرائيلي، وكان يشغل رئيس طاقم المفاوضات مع الفلسطينيين في عهد حكومة أولمرت إبان مؤتمر أنابوليس للسلام .
تعود المكانة الدينية لمدينة القدس، أو “أورشليم” حسب التسمية العبرية في التصور العقائدي لليهود، إلى كونها مركز تراثهم الديني كالهيكل وحائط المبكى حسب زعمهم واعتقادهم. وجاء في سفر الأخبار الثاني المقاطع ( 36 : 18-19) التي توضح الهجوم الذي تعرضت له المدينة المقدسة على يد البابليين: ” هاجم البابليون أورشليم وسبوا أهلها واستولوا على ما في الهيكل من ثروة، وأحرقوا بيت الله، وهدموا سور أورشليم” .
فاليهود يعتقدون اعتقاداً جازماً أن مكان هيكل النبي سيلمان موجود في الحرم القدسي الشريف، وعلى وجه التحديد فانه كامن تحت مسجد قبة الصخرة المشرفة، موضع مذبح المحرقة، بحسب زعمهم .
وقد وردت كلمة مدينة ” أورشليم” في أكثر من (1200) موضع بالتوراة، وهو الاسم الأقدم الذي عرفت به، وقد وضعه أقدم سكانها وهم العرب الكنعانيون. وكلمة “أور” كلمة سومرية معناها مدينة، و”شاليم” أو”ساليم” اله السلام عند الكنعانيين وتعني مدينة السلام، وقد قامت المدينة على أنقاض البلدة العربية القديمة “يبوس” المقامة على التل الجنوبي الشرقي للمدينة. واليبوسيون هم من بطون العرب الأوائل الذين قدموا من الجزيرة العربية واستقروا هناك، وجاءت تسميتهم باليبوسيين نسبة إلى جدهم الأعلى يبوس .
وجاء في سفر المزامير، ( 138 : 5-7) ما نصه :” إن نسيتك يا أورشليم تنساني يميني، ليلتصق لساني بحنكي إن لم أذكرك وان لم أفضل أورشليم على أعظم فرحي”. ولذلك استغلت الحركة الصهيونية تلك العقائد والأفكار وبلورتها في صيغة إقامة دولة يهودية في فلسطين تكون عاصمتها القدس، وكان شعارهم الصارخ :” شلت يميني إن نسيتك يا أورشليم”.

الانتفاضة الفلسطينية وتحطيم الفرضيات الإسرائيلية:
حسب دراسة مركز الأمن القومي الإسرائيلي الصادرة في العشرين من شهر سبتمبر الماضي : ” فإن تطور الأحداث في مدينة القدس قد حطمت ثلاث فرضيات أساسية كانت تتبعها حكومات إسرائيل المتعاقبة”. وفيما يلي أبرز تلك الفرضيات:
1- حطمت تلك الأحداث ” المحافظة على الوضع القائم في القدس، ليس فقط في الحرم القدسي وإنما في الوضع الاستراتيجي الإقليمي لإسرائيل على المدى الطويل “، مثلما حصل في صيف عام 2014 خلال المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيلين إبان عملية ” الجرف الصامد ” ضد قطاع غزة، حيث اندلعت أحداث عنف في القدس لم تحافظ على وتيرة الوضع القائم فيها، ولا على الأوضاع (السياسية – الأمنية ) لإسرائيل التي زادت سوءاً بدرجة كبيرة.
2- أظهرت هذه الأحداث بطلان الادعاء الاسرائيلي الذي يروج لـ ” مسألة عزلة إسرائيل من تأثيرات ما يجري من اضطرابات في العالم العربي”، وبالأساس من تزايد قوة الراديكاليين وخاصة تأثير ” الدولة الإسلامية” – داعش ومنظمات أخرى سلفية وجهادية. وأظهرت هذه الأحداث حقيقة أساسية مؤداها أنه لا مناص من انزلاق وتمدد الأفكار الجهادية الراديكالية أيضاً إلى الساحة الفلسطينية والرغبة المتصاعدة في أوساط الفلسطينيين لتبني وجهات نظر دينية متطرفة.

3- حطمت مقولة ” القدس الموحدة بجميع أحيائها الواسعة “. فقد أكدت التطورات الأخيرة أن القدس ليست موحدة وأنها مقسّمة بشكل واقعي وخاصةً في القدس الشرقية، وتحديداً بالأحياء والقرى الواقعة في مجال القدس الشرقية. وفي الأيام الأخيرة أقامت إسرائيل حواجز ونقاط مراقبة لمنع حرية المرور لسكان القدس الشرقية إلى غرب المدينة وإقامة حواجز إسمنتية بين بيوت الأحياء اليهودية والأحياء العربية.

الخطوات الإسرائيلية لحل مشكلة القدس:
بحسب الدراسة الصادرة عن مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإنه لمواجهة تلك الأوضاع، فإن عددا من التوصيات والمقترحات تقدمت بها الدراسة المذكورة، نعرض منها أربع خطوات جاءت على شكل مطالب، المدى الزمني لثلاث من تلك الخطوات طويل، فيما المدى للطلب الرابع فهو طويل جداً. وفيما يلي تلك الخطوات:
1- تحقيق الطلب الإسرائيلي لتشكيل لجنة تنسيق لتحديد وفحص الوضع القائم في الحرم القدسي بمشاركة: إسرائيل والأردن والولايات المتحدة وممثلين عن السكان الفلسطينيين في القدس، ولا مانع إطلاقاً من توجيه الدعوة إلى دول عربية أخرى مثل: السعودية ومصر والمغرب للمشاركة في اللجنة كمراقبين وليس كأعضاء أصلاء في اللجنة. ويكون عمل هذه اللجنة بشكل مغاير جداً للاقتراح الفرنسي الذي فحواه: ضرورة وجود إدارة دولية على شؤون الحرم القدسي. إن دعوة دول عربية للمشاركة في اللجنة يعطي قوة لعمل اللجنة للعمل على أساس توسيع المصالح المشتركة لإسرائيل مع محيطها على ضوء التحديات المشتركة في الشرق الأوسط والحاجة الماسة لتحريك المسيرة السلمية مجدداً بين إسرائيل والفلسطينيين .
*** تستطيع هذه الخطوة :رسم وتخطيط بنية تحتية لتوسيع قاعدة التعاون في مجالات إضافية أخرى لإسرائيل مع محيطها .

2-الخطوات الاقتصادية :

أثّرت الأحداث الأخيرة في مدينة القدس تأثيراً سلبياً على نحو واضح في المجال الاقتصادي، وتحديدا في البعد الخاص بالمعاملات التجارية عقب الاحساس بفقدان الأمن الشخصي لدى السكان، هذا الاحساس كان له انعكاساته الواضحة على الأعمال التجارية الصغيرة في المدينة. وبناءً على ما تقدم أوصى التقرير بضرورة اتخاذ خطوات سياسية مؤقتة ومترابطة للتخفيف من تلك الأعباء الاقتصادية وذلك بتخفيض ضريبة الأملاك “ارنونا”، والتخفيض على دافعي الضرائب في المدينة بسبب انه طرأ انخفاض كبير في عمليات التجارة في المدينة. وتلك خطوة لتسريع وتيرة عمليات البيع وتشجيع المستهلكين للشراء. وبالمقابل من الحيوي تقديم مبادرة لتأهيل تدريبي للسكان العرب الشباب في القدس الشرقية العاطلين عن العمل وتوفير أماكن عمل
مناسبة لهم.

3-إدماج قيادة الوسط العربي باتخاذ القرارات فيما يتعلق بالقدس.
تشير الوثيقة الاسرائيلية الى أن الوسط العربي في اسرائيل يتحمل جزءا من المسؤولية للحيلولة دون تدهور خطير جداً للأوضاع في المدينة المقدسة، وبناء على ذلك توصي اللجنة بضرورة زيادة وتيرة إجراء المباحثات معهم لاستشارتهم من أجل تنفيذ خطوات ملائمة معهم لتهدئة الأوضاع. لذلك، وبحسب الوثيقة: “نطلب من رئيس الوزراء أو وزير الداخلية ضرورة الإسراع في التباحث المستمر مع تلك القيادة ورؤساء المجالس العربية المحلية في إسرائيل”، وكذلك التوصية بفتح مسارات التباحث بين رجال الدين المسلمين ورجال الدين اليهود لتحقيق التهدئة الدينية في تلك الأوضاع.
4- الخطوة التي يحتاج تطبيقها إلى زمن طويل جدا،ً تقوم على أساس تشكيل هيئة بلدية مستقلة للأحياء والقرى العربية للقدس الشرقية التي انضمت إلى القدس الشرقية في عهد السلطة الأردنية مع توسيع مجال القدس الشرقية ابان الحكم الأردني عام 1967 لتشمل الأحياء من خارج الجدار الأمني. واقترحت الوثيقة ليكون اسم تلك الهيئة: ” العاصمة الحاضرة للقدس الشرقية “، وأكدت على ضرورة تشجيع تلك الهيئة بهدف إدارة نفسها وأن تكون منتخبة من السكان. وتكون الهيئة الجديدة مرتبطة بشكل مباشر مع وزارة الداخلية، وتحظى بميزانية حكومية من أجل تطوير المدينة وزيادة رفاهية السكان، حيث أن سكان القدس الشرقية العرب يقتربون من نسبة 40% من سكان مدينة القدس، وان الميزانية الممنوحة لهم حالياً تقدر فقط بـ 15% من موازنة المدينة.
إن هيئة ” العاصمة الحاضرة للقدس الشرقية” ستمارس عملها بكفاءة عالية وتستطيع إصلاح شروط الحياة للسكان العرب، وتبقي ( السيادة ) الإسرائيلية كما هو الحال خلال الأوضاع الحالية لتستمر إلى زمن طويل حتى تحقيق تسوية سياسية تقوم على أساس حل الدولتين بعاصمتين في القدس.

وباعتقاد الوثيقة المقدمة، فإن تحقيق تلك الخطوات سيؤدي إلى تهدئة التوتر الحالي في مدينة القدس، وبدون شك سيكون لتلك الخطوات تداعيات ايجابية في العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين.

الخاتمة :
تأتي هذه الدراسة الإسرائيلية لوضع حلول استراتيجية لوضع مدينة القدس الشرقية بشكل عام والحرم القدسي بشكل خاص في خضم تسارع وتيرة انتفاضة القدس ضد التطرف الإسرائيلي المتمثل في دخول قطعان المستوطنين إلى الحرم القدسي وممارسة شعائرهم الدينية. وكان مدير دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية في القدس خليل التفكجي قد كشف عن مخطط إسرائيلي يهدف إلى إفراغ القدس الشرقية من العرب الفلسطينيين بحلول العام 2020. وأوضح التفكجي أن هناك ضغوطاً كبيرة تمارس على الفلسطينيين في المدينة بهدف تهجيرهم إلى مناطق خارج حدود بلدية القدس الكبرى او الى دول أخرى. وهناك ضغوط تتمثل في فرض الضرائب الباهظة وتفعيل قانون
أملاك الغائبين في القدس خاصة بعد بناء جدار ما تطلق عليه سلطات الاحتلال ” غلاف
القدس ” .
وتعترف الدراسة بشكل لا لبس فيه بمدى التمييز العنصري ضد السكان العرب والمحاولات الجارية لطردهم من المدينة، حيث أن الميزانية الممنوحة للعرب الفلسطينيين – في مدينة القدس تقدر فقط بـ 15% من ميزانية القدس الكبرى بالرغم من ان سكان القدس الشرقية العرب يقتربون من نسبة 40% من سكان المدينة.
الدور العربي كان حاضرا في مواجهة الانتهاكات الاسرائيلية لطمس معالم المدينة الاسلامية، ونظرا للعلاقة التاريخية والثقافية، التي تربط القدس بالمملكة الأردنية الهاشمية، فان المتابعة الأردنية للتطورات الخطيرة التي شهدتها القدس كان حاضرا وبقوة، فقد لجأت القوى السياسية والدينية الفاعلة في المدينة، الى الملك عبدالله الثاني والتقته في العاصمة الأردنية، غمان، وأوضح الملك خلال هذا اللقاء أن هناك تقديرا للتحديات الكبيرة التي يواجهها المقدسيون، بمختلف أطيافهم الدينية: اسلامية ومسيحية، في سبيل مواجهتهم السياسات الاسرائيلية الهادفة الى طمس المعالم التاريخية والدينية للمدينة المقدسة، وأكد الملك في اللقاء أن الرعاية الهاشمية للقدس، المؤسسة على قاعدة تاريخية وقانونية متينة تستدعي ضرورة متابعة هذا الدور في “حماية الأماكن الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة، على مختلف الصُعد السياسية والدينية، ونحن على تنسيق ودعم كامل لكم هناك”.
وأكد جلالته أن الأردن يقف بقوة ويرفض أي تغيير بالنسبة للوضع القائم التاريخي في المسجد الأقصى والحرم الشريف الذي يمتد على مساحة 144 دونماً كاملة، لافتاً جلالته إلى أن الأمور لم تتغير بالنسبة لموقف
الأردن ، الذي يؤكد دوماً على الحفاظ على الوضع القائم الذي كان سائداً قبل احتلال القدس عام 1967.

0 1349 09 ديسمبر, 2015 السادس والستون, سياسة ديسمبر 9, 2015
Avatar

عن الكاتب

باحث في الشؤون الإسرائيلية

عرض كل المواضيع التي كتبها تيسير المشاقبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.